تحوّلت تهمة «تبييض وغسيل الأموال» التي تلصقها الولايات المتحدة بحزب الله، إلى لازمة يردّدها صباحاً ومساءً جميع المسؤولين الأميركيين، بدءاً من الرئيس دونالد ترامب وطاقمه الوزاري والإدراي، وصولاً إلى أصغر موظّف في سفاراتها المنتشرة في معظم أصقاع الأرض. منذ انتصار تموز 2006 (الذي وجّه ضربة قاصمة إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد)، والولايات المتحدة تُجنّد لهذه الغاية جيوشاً من النُخب الفكرية والثقافية، والمؤسسات البحثية والإعلامية الغربية والعربية المموّلة سعودياً وإماراتياً، للنيل من الحزب وشيطنته وتشويه صورته، وهي قد حقّقت نجاحات جزئية في هذا الأمر، غذّتها حفلات التحريض المذهبي القائمة في أكثر من منطقة وبلد.

قد يظنّ البعض أنّ السياسات الخارجية والعسكرية الأميركية القائمة على التضليل والخداع وتحريف وقلب الحقائق والقتل والإرهاب وارتكاب جرائم الحرب ضد الإنسانية في مناطق مختلفة حول العالم، لفرض سيطرتها ونفوذها وتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، من دون إقامة أيّ وزن أو اعتبار للهيئات والمنظّمات والقوانين الأممية والدولية التي تحظر هذه الممارسات، هي مشكلة واشنطن وحدها التي تتطلّب تغييراً جوهرياً في سلوكها وإدراتها وتعاملها مع الداخل والخارج. لكن واقع الحال، أنّ هناك نمطاً أكثر خطورة يلطّخ سجل الولايات المتحدة في الخارج، حيث يدعم النظام المالي الأميركي التكتيكات القمعية للأنظمة الاستبدادية والحكّام الفاسدين. كما أنّه يوفر غطاءً لحماية أموال المجرمين وتجّار المخدرات والديكتاتوريين من مختلف مشارب الأرض.
فالقادة الاستبداديون المتّهمون بالفساد وانتهاكات حقوق الإنسان حول العالم قادرون على تأمين مكاسبهم غير المشروعة باستخدام النظم والآليات المالية الأميركية. حتى أنّهم يستطيعون استمالة إنفاذ القانون الأميركي لاضطهاد معارضيهم الذين يلوذون إلى الولايات المتحدة. فأميركا، التي حازت شهرة عالمية في تطبيق سياسة الكيل بمكيالين في مقاربتها للعديد من القضايا الدولية والتي تنصِّب نفسها شرطي العالم، وتوزّع شهادات حسن سلوك على سكان الكرة الأرضية، هي نفسها التي يتطرّق إليها الكاتب في صحيفة «ذا غارديان» البريطانية أوليفر بولوغ مؤلّف كتاب Moneyland، متسائلاً: «لماذا يحكم اللصوص والمحتالون الآن العالم وكيفية استعادته»، واصفاً الولايات المتحدة بأنها «الملاذ الضريبي الأول في العالم، ويرتبط جزء كبير من الأرباح غير المشروعة التي يتم تحويلها من خلال شركات وهمية مجهولة الهوية بمسؤولين حكوميين وأقاربهم وشركائهم التجاريين».
أواخر عام 2018، وبينما كانت الحكومة الصينية تستعدّ لسنّ قوانين ضريبية جديدة صارمة، قام الملياردير صن هونغبن بتحويل أسهم بقيمة 4.5 مليارات دولار في شركته العقارية الصينية، بهدوء، إلى شركة في ولاية ساوث داكوتا الأميركية التي تقع في الغرب الأوسط.
في السنوات الأخيرة، أصبحت أموال الأغنياء في العالم تتجه إلى هناك بأحجام أكبر من أي وقت مضى، بعدما اتخذ بعض الدول إجراءات صارمة ضد الأموال الآتية من الخارج. وفي هذا الإطار، تنقل «ذا غارديان» عن مسؤول في ملاذ ضريبي «تقليدي»، قوله إنه شاهد كميات كبيرة من الثروات المالية أثناء فرارها من خزائن بلاده (أي الملاذ التقليدي) إلى الولايات المتحدة، وكشف أنّ «الحماية التي توفّرها ولايات مثل ساوث داكوتا تقوّض المحاولات العالمية للسيطرة على التهرّب والفساد الضريبي وغسيل الأموال». ويضيف المسؤول: «إحدى القضايا الأساسية في خوض حرب العصابات، هي أنّ إذا كان للمسلّحين ملاذ آمن، فلا يمكنك الفوز... حسناً، الولايات المتحدة تمنح المجرمين ملاذاً آمناً، وملاذاً آمناً فعّالاً حقاً ـــــ أكثر فعالية بكثير من أي شيء لديهم في جيرسي أو جزر البهاما أو في أي مكان».
كان الهدف من الترويج الذي قادته الولايات المتحدة للتحرير الاقتصادي، والذي تسارع بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، هو تحقيق الديموقراطية في أجزاء كثيرة من العالم، كما تدّعي. لكن ما حصل هو أنّ السلطويين والفاسدين استغلّوا التحرّر الاقتصادي الجزئي لدولهم بنسخته الأميركية، للاستفادة من الفساد والجمعيات الإجرامية، ثم حوّلوا عملياتهم الاقتصادية الخاصّة إلى شخصيات اعتبارية عالمية تسمح لهم بالسيطرة على أصولهم غير المشروعة، مع إخفاء ملكيّتهم.
أما الآليات الأكثر استخداماً من قِبل هؤلاء الفاسدين والسلطويين، فهي شركات وهمية وممتلكات فاخرة خصوصاً في الولايات المتحدة، وبدرجة أقل في دول ليبرالية أخرى، مع تأمين عائداتهم الإجرامية بعيداً عن متناول السلطات المحلية، في حال قرّرت محاسبتهم بعد انهيار قبضتهم على السلطة هناك.

في السنوات الأخيرة، أصبحت أموال الأغنياء في العالم تتجه إلى ساوث داكوتا بأحجام أكبر من أي وقت مضى بعدما اتخذ بعض الدول إجراءات صارمة ضد الأموال الآتية من الخارج


كذلك، تحمي القوانين المالية في ولاية ساوث داكوتا الأصول، من مطالبات الأزواج السابقين والشركاء التجاريين الساخطين والدائنين والعملاء المدينين وأي شخص آخر. صحيح أنها لن تحمي الفرد من الملاحقة الجنائية، ولكنّها تمنع المعلومات حول أصوله من التسرّب بطريقة قد تثير اهتمام الأجهزة الأمنية في بلاده. والأهم، أنها تحمي ثروة الأشخاص من تعقّبات حكومات بلادهم، حيث لا يوجد في ساوث داكوتا، ضريبة دخل ولا ضريبة وراثة ولا ضريبة أرباح رأس المال. فضلاً عن ذلك، بمجرّد انقضاء عامين على وضع المجرمين الماليين والفاسدين أموالهم في الصناديق الائتمانية في هذه الولاية، تكون محصّنة ضد أيّ دائن يطالب بحصّة من الأصول، بغضّ النظر عن طبيعة مطالبته.
إضافة إلى ذلك، تبقى وثائق المحكمة (في حال نشوب نزاع قضائي بين المودع وجهة ما كحكومته مثلاً) سرية إلى الأبد، لمنع معرفة وجودها وحمايتها من التسرّب. كما أنّ لها تأثيراً جانبياً فعّالاً، حيث تجعل من شبه المستحيل على الصحافيين معرفة من يستخدم صناديق ساوث داكوتا، أو ما هي الخدمات القانونية التي تمّ تقديمها لهؤلاء الفاسدين والمجرمين.
يوضح المستشار المالي وخبير الضرائب في فلوريدا هارفي بيوزي، أنّ «الأشخاص الأذكياء يريدون الخصوصية. وهكذا تقدّم ساوث داكوتا للأثرياء أفضل قوانين الخصوصية وحماية الأصول في البلاد، وربما في العالم، لحماية أصولهم». أحد أبرز الشواهد الفاضحة، هو الوثائق المسرّبة التي نشرتها صحيفة «ذا نيويورك تايمز»، في كانون الثاني/ يناير الماضي، حين تحدّثت بالتفصيل كيف أصبحت ابنة الرئيس السابق لأنغولا إيزابيل دوس سانتوس أغنى امرأة في أفريقيا من خلال استغلال المراسيم التي وقّعها والدها لسرقة الثروات العامّة ثمّ غسل الأموال، مستفيداً من النظام المالي الدولي الذي تتزعّمه واشنطن. وفقاً للصحيفة، فقد «قامت شبكة عالمية من المستشارين والمحامين والمصرفيين والمحاسبين من شركات الخدمات الرائدة بما في ذلك مجموعة بوسطن الاستشارية وماكينزي وشركاه وشركة برايس ووتر هاوس كوبرز، بوظائف لا غنى عنها لتسهيل وإضفاء الشرعية على نمو ثروتها الخاصة المبنية على أموال الدولة الأنغولية».
في المقابل، لم يخفِ حزب الله، يوماً، مصدر أمواله، ولطالما جاهر به أمينه العام السيد حسن نصر الله، كما أنّه لا يملك واحات مالية كما ورد أعلاه للفاسدين والمجرمين والمهرّبين بشهادة «ذا غادريان». والأهم، أنه لم يحصل أن قدّم كلّ من أميركا وحلفائها وثيقة أو دليلاً واحداً، يدعم زيف ادعاءاتها ضد حزب الله. زِد على ذلك، أنّ الحزب لا يملك أموالاً أو أصولاً في الخارج لكي يخاف عليها، وحتى إن امتلك شيئاً ما في الداخل فهو يصرّح عن ملكيّته له، فضلاً عن أنه الطرف الأكثر اطمئناناً في لبنان لجهة عدم تورّط قياداته في الفساد، أو نهب مقدّرات وأموال اللبنانيين، كما فعل غيره من الأحزاب والزعماء والسياسيين الذين صودف أنّ جلَّهم من حلفاء أميركا الذين استجلبوا الشركات والصناديق الدولية للتدخّل في الشأن المالي السيادي، بحجّة إنقاذ البلد كصندوق النقد، وقبله شركة «ماكينزي وشركاه» التي ورد اسمها في فضحية ابنة الرئيس الأنغولي، وهي الشركة نفسها التي كلّفتها حكومة سعد الحريري السابقة مهمّة إعداد «دراسة حول هويّتها الاقتصادية ومستقبلها الاقتصادي». هذا الأمر بحدّ ذاته يشكّل فضيحة تفوق ما ارتكبته إيزابيل دوس سانتوس، إذ كيف للحكومة اللبنانية أن تكلّف شركة ورد اسمها في فضيحة دولية مدوية، وقدمت خدماتها لهذه المرأة بحسب «نيويورك تايمز»، ثم تقدّمها على أنها المُنقذ للشعب اللبناني. هنا يصح القول: «حاميها حراميها».
حزب الله، قد لا يتفاجأ ممّا قامت به دوس سانتوس، فبالنسبة إليه كما كثير من اللبنانيين، سبقها كثيرون من المسوؤلين اللبنانيين الفاسدين، وربما هي قد استلهمت منهم تجربتها، وطبقتها في بلدها على حساب الشعب الأنغولي الفقير.
لكن ما يبدو عصياً على الفهم والاستيعاب، هو أنّ البعض في لبنان لا يزال يعوّل على أميركا لاسترداد أموال اللبنانيين، وهو ما يبشّرنا به عدد من السذّج والمهلّلين تحت عناوين عقوبات، ووضع شخصيات متورّطة بفضائح فساد على لوائح سوداء أو حمراء.
وهنا، يطرح السؤال التالي: هل حقّاً يمكن لإمبراطورية بَنَت مجدها من أموال الشعوب المنهوبة، ووظّفتها في مصارفها ووفّرت الحماية لسارقيها، أن تقوم بدور المخلّص للبنان؟ وهي نفسها التي سهّلت للشركات الدولية الكبرى الاستفادة من النظام المالي الدولي الذي تتحكّم به، وأتاحت للفاسدين والمجرمين الماليين فرصة تهريب أموالهم عبرها، من دون حسيب أو رقيب.

* أستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا