نتخبّط بين الأنانيات والمصالح الخاصة والطوائفية والمذهبية، وتتراكم الأزمات وتتشعّب، والجزء الرئيسي من الطبقة السياسية يعيش في عالمه الخاص لا تدفعه الأزمات وتراكمها لتغيير النمط السياسي التقليدي البشع.

لا شك أنه يصعب علينا أن نكشف عن القلوب ونقرأ النوايا وخفايا النفوس، ولكن الإنسان يكشف عن نفسه بشكل مباشر أو غير مباشر كما يقول الشاعر زهير بن أبي سلمى في معلّقته الشهيرة:
ومهما يكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى عن الناس تعلم
لم يكن الكثيرون ليتوقّعوا أن يكون تكليف الرئيس سعد الحريري مدعاة لسرورهم واستبشارهم، هؤلاء يخالفونه ولا يرون فيه الرئيس «المخلّص» الذي سينشلنا من الأزمات وسيفتح باب الفرج للوطن، وكثيرون يرون في تجربته ما يؤكّد كل ذلك، ومع ذلك وضمن تراكم الأزمات وتشعّبها وضمن الفشل المتراكم على كلّ الصعد وضمن الضياع الذي يعيشه الوطن، نرى ومعنا كثيرون أن تكليف الرئيس الحريري هو أفضل ما يمكن في هذه المرحلة لأسباب كثيرة، وكما يقول الشاعر:
يأتي على المرء أيام محنته أن يرى حسناً ما ليس بالحسن
أولاً: لأن التركيبة اللبنانية المعقّدة لا تسمح بأفضل من ذلك في الظروف الراهنة.
ثانياً: لأن البديل غير متوفّر.
ثالثاً: لأن الفرنسي الذي يُفترض أن يساعدنا على الخروج من الأزمات، قد تبنّاه وضغط على السعوديين ليقبلوا به على مضض ... إلخ.
كما أن أموراً كثيرة تشفع للرئيس الحريري في هذه المرحلة:
أ-لقد تحمّل أذى لا يُطاق من إنسان عادي، فكيف من شاب متنعّم عاش في الثروة ونشأ فيها وهو رئيس حكومة وزعيم مرموق في بلده، ولولا التدخّل الفرنسي وغيره لحلّ به ما حلّ (بجمال خاشقجي) رحمه الله أو شيء مشابه، فضلاً عن تحمّله قبل ذلك عناء الدفاع عن خاطفيه في مقابلة تلفزيونية أُرغم عليها وعلى أداء دور مصطنع.
هو في حال لا يُحسد عليه، وإن الضغوط لا تزال مستمرّة عليه، من السعودية ومن خلفها فيما لا يستطيع الخروج منه أو إعلان ألمه لأنها وليّة نعمته، ولأنّها لا تزال تملك أوراق ضغط عليه لا تقتصر على عائلته والمقرّبين والكثير من العقارات والمصالح.
السؤال لماذا تحمّل هذا الأذى: باختصار لأنهم يريدون له دوراً مثل الدور الذي يجاهر به شقيقه بهاء، ولا بدّ من ملاحظة الفارق بينهما:
ب-يقول إنه تغيّر وإنه استفاد من أخطائه، وهذا سبب قد يكفي لفتح صفحة جديدة خاصة مع عدم وجود البديل.
ج-مقابلته التلفزيونية الأخيرة كانت فيها متغيرات ملحوظة ونقد ذاتي مقبول، فلماذا لا نعطيه هذه الفرصة؟
وفي المقابل لا بدّ أن نسجّل أيضاً أن موقف الرئيس ميشال عون أبرز «إيجابيات» الرئيس الحريري وأصبح بدرجة ما هذا التكليف «انتصاراً» بمقياس من مقاييس الحياة السياسية اللبنانية، وذلك لأن الرئيس عون في خطابه الذي سبق التكليف، بل وفي إطلالاته الأخيرة كلها، أظهر وكأنه يعيش في كوكب آخر، أو كأنه يخاطب اللبنانيين بما لا يعرفونه، يتحدّث عن الإصلاح ويمارس عكسه، يتحدّث عن التغيير وقد غيّر أموراً كثيرة إلى الأسوأ، يتحدث عن عراقيل وهو يعرقل كلّ الحلول وكلّ الوظائف والتشكيلات القضائية وغيرها.
لم يكن فخامة الرئيس موفّقاً على الإطلاق في موقفه، وظهر أنّ موقفه من تكليف الحريري هو من باب الكيدية السياسية وليس من أي باب آخر، خاصة أنّ الذي يعبّر عن الموقف هو جبران باسيل الذي «أجمع اللبنانيون» من الاتجاهات كافة على عدم القناعة به حتى لا نستعمل لفظاً آخر.

نتمنى أن يكون الرئيس الحريري تعلّم فعلاً من أخطائه، وفهم نقاط ضعفه ليتجاوزها في المرحلة المقبلة


نعم نقول لفخامة الرئيس إن دستور «الطائف» قد حدّد صلاحيات رئيس الجمهورية ونقل أكثرها إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، فجعله في كثير من الأحيان مكبّلاً بالوفاق وبالتوافق بين المكونات، وبمجلس النواب، وبكثير من المعوّقات التي تجعله رئيساً شكلياً بنوع ما، لكن في نفس الوقت، إذا نظرنا إلى المساحة التي تركها دستور «الطائف» للرئيس، سنرى أنه لم يكن موفّقاً بممارستها:
أولاً: بيده، مثلاً، أن يُصدر قانون عفو خاص، (بشحطة قلم)، كما يقولون، كان يمكنه أن يخفّف عذابات الكثير من المظلومين في السجون بعد إعداد لائحة مفصّلة لمن يستحقّ ذلك، (ولا نتحدث طبعاً عن الإرهابيين ومن قتل الجيش والجرائم الكبرى) ومن عليهم دعاوى شخصية، ولكنه لم يفعل ذلك ولن يفعل على ما يبدو، وكأنه يعيش في مكان آخر من الوطن... لماذا؟ هل لأن الذين سيتمّ العفو عنهم هم من المسلمين بأكثريتهم؟ كما درجت العادة مؤخراً في المقياس الذي يتم استعماله في التوقيع على المراسيم والقرارات هنا وهنالك؟ أم هل لأنه يربط ذلك بالعفو عن عملاء إسرائيل؟ هل لأمر آخر؟ كل الافتراضات تؤكّد أنه لا يتقن استعمال صلاحياته.
ثانياً: نكرّر أن تعطيل التشكيلات القضائية وكثير من وظائف الدولة يؤكّد ما نقول.
ثالثاً: قضية (بدري ضاهر) وعدم توقيعه على إحالته، واستمرار احتضانه بعد تراكم الاتّهامات عليه، حتى ما قبل انفجار 4 آب يشكّل نموذجاً يؤكّد كل شيء إلا الإصلاح والتغيير.
رابعاً: أزمة الكهرباء: نعم لم يقدم أحدٌ دليلاً ملموساً على صفقات مشبوهة بموضوع البواخر وغيرها، ولكن عدم الخروج من هذه الأزمة منذ عشر سنوات إلى اليوم يؤكّد أن ثمة ما هو غير سليم، حيث تختفي الشفافية تماماً.
خامساً: إن الدور الكبير الذي أُعطي لجبران باسيل بحيث تخلّى فخامة الرئيس عملياً عن لقب (بيّ الكل) ليصبح فقط (بيّ جبران) أمر قبيح لا نرتضيه لفخامته، لقد أغضب فخامته كثيرين ممن حوله من المخلصين والأكفاء والفاعلين وأبعدهم ليحافظ على جبران، أيّ إصلاح نتحدث عنه بعد ذلك؟
سادساً: هل هنالك ما يفسّر الخصومة مع الوزير سليمان فرنجية إلا هذه المعركة المبكرة التي تم فتحها لانتخابات الرئاسة القادمة؟ من الواضح أن الوزير فرنجية وضع نفسه في تصرف الرئيس، ولكنه مرشّح طبيعي لرئاسة الجمهورية، فكيف يُقرّب ويتم التعامل معه بشكل طبيعي؟ هذا من أسوأ النماذج.
سابعاً: في النهاية نقول للأسف الشديد نعم وبالتأكيد إن قوى عالمية كبرى، معلومة من الجميع، مستعدّة لتجنيد كل قواها السياسية والمخابراتية وغيرها لإفشال عهد الرئيس عون، ولتشويه صورته لأنّه ناصر المقاومة وحالفها، وإن هذه القوى الدولية الفاعلة لها في الداخل اللبناني وبين السياسيين عملاء فاعلون مستعدّون لبذل كلّ الجهد لتنفيذ الخطط المرسومة، هذا صحيح بالتأكيد، ولكن الصحيح أيضاً أنه في المساحة التي في يده ولم تصل إليها أيادي المخابرات لم يقدّم لنا النموذج الصالح.
ثامناً: وصحيح أنه وقف مع المقاومة وقفة رجل شهم وشجاع وكسر الكثير من التقاليد السياسية البغيضة واقتحم بمواقفه الكثير من «المحرّمات» السياسية وحطّم أصنام السياسة والطائفية، ولكن في المقابل، لقد قام بواجبه، فهل من قام بواجبه في مكان يحقّ له أن يتخلّى عن واجباته في أماكن أخرى؟ بل أن يخالف واجباته ويخرقها بشكل فاضح.
نعم لقد اقتحم الرئيس المحرمات قبل ذلك بالمعنى الإيجابي قبل أن يقترفها بالمعنى السلبي، خاصّة عندما نقرأ في كتب التاريخ الحديث (الان مينارغ، أسرار حرب لبنان)، على سبيل المثال لا الحصر إن الضابط ميشال عون كان في الدائرة المقربة لبشير الجميل وحمل الاسم الحركي (جبرايل) وكلف مع (نبتون) الذي هو د. أنطوان نجم بإعداد خطة للاستيلاء على الحكم إذا لم يتعاون الرئيس الياس سركيس لتسهيل وصوله إلى الحكم، كان هذا عام 1980 وقبل أن يحسم الصهاينة على ما يبدو قرارهم بالاجتياح: أن يخرج من الدائرة المقربة لبشير الجميل ليصبح الداعم الأهم للمقاومة ويصبح حليفها ليس أمراً سهلاً.
في رأينا إن هذه الفقرة من تاريخه تتحول إلى لائحة الحسنات بعد جرأته في تحوّله إلى الخيار السياسي المناقض وما بذله في سبيل ذلك من التضحيات.
تاسعاً: كما أثبت لمن يحبّه ولمن يبغضه أنه صاحب القرارات التاريخية، جريء في اتخاذ القرارات يقتحم الصعاب ولا يأبه للعوائق والسدود، هكذا كانت حرب الإلغاء والتحرير، فتح المعركة في وقت واحد على الميليشيات وحواجزها وجباياتها وبوائقها، وعلى «الاحتلال» السوري، كما كان يسميه، بل شنّ هجومَين سياسيين في وقت واحد على السوري والأميركي، فيما القادة عادة يصالحون جهة ليقاتلوا أخرى.
كان حاسماً حازماً واضحاً، بغضّ النظر عن موقفنا السياسي منه في تلك المرحلة بشكل عام... وعندما انسحب الجيش السوري كان بارّاً بوعده فأقام أفضل العلاقات وفاجأ الجميع بزيارته التاريخية إلى سوريا في 06/12/2008.
أين هذا الحزم الآن؟ أين هذا الحسم؟ أين الوضوح والشفافية؟ أين الإصلاح والتغيير؟ نتألّم كثيراً لفقدان هذه الصفات واستبدالها بعكسها، ونتحمّل شماتة الشامتين الذين كانوا يقولون لنا، لا تدعموا وصول ميشال عون إلى الرئاسة، لإن الرئيس الفعلي سيكون إذذاك جبران باسيل، وهذا الأخير لن يتحمّل صبيانيته ونزقه أحد، لم نقتنع وقتها، اليوم يظهرون شماتة معنوية تجاهنا، والحمدلله على كل حال.
قد يكون جواب البعض أن السبب هو تقدّمه في العمر، لكننا نملك أدلة أن ضعفه أمام جبران سبق وصوله لهذا السن، والله أعلم.
اليوم نقول: إن كانت نفس العقلية ستحكم هذه الحكومة في هذا الظرف المناسب، نتمنى عليه أن يتنحى وأن يدعو إلى انتخابات رئاسية مبكرة، يحفظ بذلك ما بقي من ماء وجهه وشهرته وحسناته التي طبعها في الأذهان.
نعم الاستقالة أفضل حل إلا إذا أثبت أنه سيزيل العراقيل ويساهم في التأليف على غير ما دأب عليه سابقاً... إلخ.
لا حول ولا قوة إلا بالله...
في النهاية نتمنى من الرئيس الحريري أن يكون قد درس فعلا أخطاءه ونقاط ضعفه ليتجاوزها في المرحلة المقبلة... (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل).

*رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا