تصاعدت حدة العمليات العسكرية وتوترت الأجواء السياسية في العدوان على سوريا خلال الأسبوع الماضي. فعلى الجبهة الجنوبية نشهد تصعيداً عسكرياً في محاولة لاختراق الحدود عبر الأردن باتجاه دمشق، رافقها اشتعال جبهة الساحل خلال هجوم واسع لعصابات المسلحين عبر الحدود التركية وبمساعدة لوجستية واضحة من تركيا، انتهت حتى الآن بإسقاط القوات التركية لطائرة عسكرية سورية ما يعني انخراط تركيا المباشر والعلني في العدوان على سوريا، ما يدفع بالأزمة إلى طور جديد يمكن أن يؤدي إلى حرب اقليمية واسعة إذا أخذنا في الحسبان تصعيد اللهجة العدوانية الإسرائيلية تجاه دمشق وحزب الله، والإعلان عن الاستعداد لضرب إيران لوحدها إذا لم تأخذ الولايات المتحدة وحلف الناتو المبادرة في تدمير القدرات النووية والعسكرية لطهران.


يبدو أن هذا التصعيد العسكري الجديد في المنطقة هو الرد على روسيا بعد حسم معركة القرم سياسياً واستراتيجياً لمصلحة موسكو، التي حاول حلف الناتو فيها اللعب بالنار على حدودها الجنوبية، في محاولة لخلق واقع جيوسياسي جديد، على أمل الضغط على روسيا للتخلي عن سوريا في حربها الوطنية ضد التدخل الدولي، برعاية الولايات المتحدة وحلف الناتو والرجعية العربية والكيان الصهيوني، في حين بات الجيش السوري قريباً من النصر وأخذ المبادرة الميدانية كاملة.
من الواضح أنّ الغرب لم يتوقع رد الفعل الروسي لتدخله في أوكرانيا، والذي قلب الطاولة على حلف الناتو، بأن خلق واقعاً جديداً يرغمه على التعامل معه، وذلك بضم القرم إلى روسيا من دون أن يمتلك حلف الناتو أوراق القوة لمعاقبتها ومحاولة ارغامها على السير ضمن الخطوط المرسومة من أميركا والغرب لحراك روسيا الدولي.
يدرك الغرب أن سلاح العقوبات الاقتصادية والمالية ذات كلفة عالية عليه، والعدوان العسكري لا يمكن التكهن بنتائجه أو السيطرة على الحدود التي يمكن أن يبقى ضمنها.
تواجه الولايات المتحدة وحلف الناتو مشكلة كبيرة أخرى قد تتفاعل مع الزمن إذا بدأ الهجوم المعاكس الروسي السياسي والدبلوماسي تجاه تلك الدول التي اقتنصها الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وحوّلها تحت حجج الديمقراطية والحرية إلى جبهة أمامية في الصراع مع روسيا، وأعني بها دول «الكتلة الشرقية» سابقاً والتي سيفرض عليها عاجلاً أم آجلاً في ضوء الأزمة الأوكرانية التفكير جدياً في علاقاتها مع روسيا بدل الغرب العاجز عن حمايتها سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً. وسترتد سياسة الفوبيا من روسيا إلى التفكير بسياسة متوازنة تحمي دولهم واستقرارها بدلاً من العيش في ظلال الخوف المتواصل من جار قوي، وهو بالضبط ما تطلبه منهم روسيا وتطمح إلى علاقات مبنية على تفاهمات تلبي مصالح الجميع بعيداً عن محاولات فرض سياسات معادية لروسيا، والتي كانت مستهدفة عبر تاريخها عبر تقسيمها والسيطرة على ثرواتها في اللحظة التي تضعف فيها.
لم يكن أمام الغرب خيار سوى التصعيد في سوريا للردّ على روسيا، ولكن هل سيتمّ دفع الأمور إلى حرب اقليمية كبرى لا يمكن التكهن بالمدى الذي ستصل إليه أو السيطرة على مجرياتها؟
على الرغم من الصوت العالي للمحافظين الأميركيين ومعهم الجنون الفرنسي - إضافة إلى حنين باريس لعهد الاستعمار - كل هذا لن يكون قادراً على دفع الأمور في هذا الاتجاه الصعب والمرير، إذ إن الصوت العاقل في الإدارة الأميركية لا يزال قادراً على الوقوف في وجه أي مغامرة غير مأمونة العواقب، يمكن أن تجر العالم كله إلى حرب عالمية لا منتصر فيها. وقد يكون هذا الإنذار بالعواقب الرهيبة لحرب عالمية العامل الحاسم في الوصول إلى تفاهمات دولية ترضي وتقنع الجميع وتمكن من السيطرة على جنون من يتوهمون أن الحل العسكري يمكن أن يمثل حلاً نهائياً للصراع الدولي القائم على أن الولايات المتحدة لا تزال تعتبر نفسها القطب الأوحد في العالم، وأنها قدر الشعوب الذي لا فكاك منه.
المشكلة لدى الولايات المتحدة أنه في أي بحث عن حلول سياسية للمشاكل الدولية وعقد التفاهمات مع روسيا، أنها ستكون مضطرة إلى تقديم تنازلات في المسائل المختلفة، وذلك لسبب بسيط هو أنها طرحت منذ البداية الحد الأقصى لمطالبها اعتماداً على قدراتها على دعم الأطراف المناوئة لروسيا إلا أنها اكتشفت أن إمكانات حلفائها وقدراتها أقل من أن تمكنها من تحقيق أي من شروطها في الأزمة الأوكرانية، ليس عليها سوى الموافقة على اتفاقية 21 فبراير/ شباط بإعادة الأوضاع في أوكرانيا إلى ما كانت عليه قبل الانقلاب الفاشي. وهو ما يضمن المصالح الروسية والمصالح الأوكرانية بعيداً من التدخل الغربي وضرورة التنازل عن محاولة فرض واقع جيوسياسي على الحدود الغربية لروسيا، وأن الثمن المطلوب من أميركا والغرب هو الموافقة على نتائج الاستفتاء الشعبي في القرم.

يدرك الغرب أن سلاح العقوبات الاقتصادية ذات كلفة عالية عليه

أما في سوريا فقد تبنت طرح إقصاء الرئيس الأسد كحل وحيد للازمة السورية أو عقد أية تفاهمات مع روسيا، ولكن قدرة أدواتها من العصابات الرجعية ومشغليهم الصهيو - وهابيين أثبتت أنها أعجز من القدرة على فرض مثل الشرط، وأصبح بقاء الأسد عنواناً لنتائج هذه المعركة السياسية لحلف المقاومة وأن التنازل عنه أو مجرد التفكير في بحثه، هو بداية للهزيمة والانصياع للشروط الأميركية في مقابل الحرب الاقليمية المجهولة العواقب إذا استمر العناد الأميركي في طرح مطلبه هذا. وبصراحة ليس لدى روسيا ما تقدمه لأميركا لمساعدتها في حل هذه الأزمات وغيرها كالقضية الفلسطينية والتي تسعى فيها أميركا إلى فرض «مشروع كيري» المرفوض أصلاً من «إسرائيل»، ما يعفي الطرف الآخر من إمكانية مساعدة أميركا في تمرير هذا المشروع وحتى لو وافقت «إسرائيل» فسيكون مربوطاً بقضية أهم على الجبهة السورية وهي قضية الانسحاب من الجولان السوري المحتل وحفظ حقوق لبنان في مياهه وأراضيه وثرواته الطبيعية، وكلها شروط زادت من ورطة أميركا في المنطقة.
إن قدر الصراع هذا ربط بين سوريا والقرم وجعل كل منهما تعبيراً منفصلاً وموحداً في الوقت نفسه لا يستطيع أيهما أن يفكر بالخروج سالماً من دون الآخر من هذا اللهب الإمبريالي الذي عصف بهما. ولكي ندرك ذلك علينا أن نرى أن الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش السوري ارتبطت مباشرة بانتصار روسيا السياسي الكبير، والذي حققه شعب القرم بالعودة إلى الحضن الروسي. وكما يجابه الطرفان العدو نفسه بشراسته وعنفه، وإن كان القسط الأعظم من الدم تحمله سوريا بشرف وبطولة (واكتسب معنى أن الدفاع عن موسكو يبدأ في دمشق). وتدرك روسيا كذلك أن النصر في دمشق هو النصر في موسكو وعلى الأرض الروسية، إنه الصراع المشترك والمعمد بالدم المشترك والمنتهي بالنصر المشترك.
* عضو الأمانة لحركة اليسار الاجتماعي الأردني