ما زالت القضية الوطنية تطغى على غيرها من القضايا التي تخصّ الشعب السوري، فهي مقياس النجاح والفشل السياسي في منطقة قدرها أن تعيش هذه الحالة الفريدة التي أصبحت فيها المعايير الخارجية (التصدّي للخارج المعتدي، إسرائيل ومن خلفها المصالح الإمبريالية) أولوية على المعايير الداخلية المتعلّقة بإنتاج وتوزيع الثروة والسلطة.

هذا ما يؤكّده الكاتب والباحث راتب شعبو، في كتابه «قصة رابطة العمل الشيوعي في سوريا - فصلاً من تاريخ اليسار الجديد»، الصادر عن «دار المرايا للإنتاج الثقافي» في القاهرة، في الأشهر الأولى من العام الجاري.
فالاجتماع الثالث الموسّع الذي عُقد في حلب للحلقات الماركسية، بتاريخ 6 آب/ أغسطس 1976، وضمّ حوالى ثلاثين مندوباً، ركّز على الحدث اللبناني، حتى أنّ هناك من المندوبين من طرح فكرة تشكيل تنظيم يقاتل إلى جانب الحركة الوطنية اللبنانية في وجه قوات النظام السوري.
واتّخذ الاجتماع قراراً «أنّ الذهاب إلى لبنان أصبح ضرورياً، لدعم الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية باسم رابطة العمل الشيوعي في سوريا، لكن الذهاب إلى لبنان تهريباً عبر الحدود البرية، كما في السابق. أصبح متعذّراً بسبب سيطرة الجيش السوري على طول الحدود بعد دخوله لبنان (حزيران/ يونيو 1976). أعلمنا رفاق في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مقيمون سراً في دمشق، بأنهم يرسلون عناصرهم والمتطوعين إلى لبنان عن طريق بغداد، ونظراً لأهمية الوصول إلى لبنان وانسداد الطريق البري، تم الاتفاق على السفر إلى العراق بالطريق البري تهريباً، ثم السفر من هناك مع الشباب الفلسطينيين بالاتفاق مع بسام أبو شريف. في بغداد، انتظرنا أسبوعين تقريباً ولم تتأمن لنا رحلة، فقررنا العودة إلى سوريا».
ويوضح الباحث شعبو أنّ ما أثاره التدخّل السوري في لبنان من مفاعيل جرّاء صدام الجيش السوري المباشر مع المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية في لبنان، سرّع من عملية تحوّل الحلقات إلى تنظيم مركزي، وسرّع في الانخراط المباشر لهذا التنظيم في معمعة السياسة الحارقة، نظراً إلى الأهمية الكبيرة للمسألة الوطنية والفلسطينية في نشأة الحلقات الماركسية.
ويبيّن شعبو أنّ كراسات (الحلقات/ الرابطة) فوجئت بالتدخل السوري في لبنان رغم تقييمها البالغ السلبية للنظام السوري، وانعكس ذلك في اللغة العنيفة التي استخدمتها في تناول الحدث المفصلي في تاريخها، من الحديث عن «الغزو السوري للبنان» إلى الحديث عن «حزيران الأسود الثاني» في الإشارة إلى هزيمة حزيران/ يونيو، ثم الحديث عن انكشاف النظام السوري بوصفه «ضليعاً في سوق البغاء الإمبريالي».
ويشير الباحث شعبو إلى أنّ التنسيق بين المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في الحرب الأهلية اللبنانية التي شكّل الشيوعيون جزءاً مهمّاً فيها، نموذجاً طالما حلمت به «الحلقات/ الرابطة»، ونظرت إليه باعتباره الشكل الأمثل للنضال من أجل إسقاط سلطة البرجوازية في بلد واحد، على الأقل، من بلدان الطوق، لتشكيل قاعدة انطلاق لتحرير فلسطين. ويقول أحد أعضاء الرابطة عبر موقع «درج» الإلكتروني: «بعد تأسيس الرابطة سيشارك أعضاء من التنظيم الجديد مع الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية بالسلاح وبالكلمة والدعاية السياسية والتدريب، وكنت شخصياً بينهم، ففي العام 1979 أمضيت أربعة أشهر أعمل مع جبهة التحرير الفلسطينية، في جريدة الجبهة المركزية وفي تدريب الكوادر في الجنوب». نشأ هذا النموذج الثوري في لبنان وراح يتقدّم ويهدّد جدّياً بالسيطرة الكاملة، ليأتي التدخّل السوري ويغلق هذا المسار المأمول، ويقتل هذا الحلم المنتظر، في مهده. هذا ما يفسّر موقف «الحلقات/ الرابطة»، واللغة التي عبّرت بها عن موقفها.
ويتّضح الموقف في كراس المسألة الفلسطينية، بالقول: «جاءت الحرب الأهلية اللبنانية لتضع جميع مناورات وتكتيكات النظام السوري حول شعاراته في حماية المقاومة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على الرف. فالوضع اللبناني يسجّل يوماً بعد يوم قوة ومنعة للمقاومة الفلسطينية - الطرف الأكثر استعداداً لمواجهة مخطط التسوية - والتلاحم النضالي بين الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية لا يشكّل فقط نموذجاً للعلاقات النضالية الثورية والصحيحة بين فصائل المقاومة والحركة الوطنية الديموقراطية في بلدان المواجهة، وإنما ظهر بكل جلاء دور المقاومة في النضال على قواعد انطلاقها. لقد أعطت الحرب الأهلية اللبنانية نموذجاً حياً لدور الحركة الوطنية الديمقراطية العربية في حماية ودعم ورفد المقاومة الفلسطينية بمقومات استمرار نضالها، عبر امتزاج الدم اللبناني - الفلسطيني في أرقى أشكال النضال - الحرب الأهلية».
ويتابع الباحث شعبو في موقف الكراس بأنه «لم تكن خطوات التحوّل الثوري في لبنان تهدّد فحسب مخطط التسوية الأمركية، وإنما تهدّد وجود الأنظمة البرجوازية البيروقراطية والبرجوازية بحد ذاتها في المنطقة، ولم يكن أمام النظام السوري الذي افتقد عذريته الوطنية منذ مطلع السبعينات، وحوّل عداءه للإمبريالية إلى انغماس في سوقها، أن يحتمل هذا التحوّل، وكان لا بدّ من حزيران أسود جديد ليسطّر النظام السوري هذه المرة، وليس الإسرائيلي، صفحة سوداء في تاريخ المنطقة العربية». ويكشف الكراس «ضمن التعبئة الفاشية للنظام، وعبر التأييد الخياني لحزب بكداش (عبر بياناته وبيانات جبهة السلطة) للقوات السورية الغازية للأراضي اللبنانية ضمن تنسيق سوري - أميركي - انعزالي - إسرائيلي يهدف بشكل أساسي إلى ضرب الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية».
المحطة التي يقف عندها الباحث شعبو هي الغزو الصهيوني (الإسرائيلي) للبنان في عام 1982، إذ تعود هزيمة حزيران/ يونيو 1967، التي ظهرت الحلقات رداً عليها. يعود هذا الشهر ليفرض ذاته في عام 1982، عندما غزت إسرائيل لبنان وحاصرت بيروت وأجبرت المقاومة الفلسطينية على الخروج من بيروت، أي بعد خمسة عشر عاماً بالتمام والكمال، تكرّرت الهزيمة على يد الكيان الصهيوني، ووجد حزب العمل نفسه في موقع الكيانات السياسية التي شهدت نفسها عاجزة إثر هزيمة 1967.
ومن حزيران/ يونيو إلى آخر، يزداد التراجع وتتكثّف الهزيمة. في السادس من حزيران/ يونيو 1982، بدأت إسرائيل عملية اجتياح لبنان بعد يومين من القصف الجوي المكثف. كانت منظمة التحرير الفلسطينية تطلق أحياناً صواريخ كاتيوشا على شمال إسرائيل، رداً على الغارات الإسرائيلية على مواقعها في الجنوب اللبناني وفي بيروت. استفادت إسرائيل من عملية اغتيال سفيرها إلى المملكة البريطانية المتحدة على يد مجموعة من المجلس الثوري بزعامة أبو نضال، لكي تبدأ عملية الغزو الواسعة للبنان التي حشدت لها ضعف عدد القوات التي حشدتها لمواجهة مصر وسوريا في حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973.
وكشف المنظور الإسرائيلي للعملية عن مخطط تدمير منظمة التحرير الفلسطيني وإخراجها من لبنان، وإخراج الجيش السوري، وفرض سيطرة القوات اللبنانية على بيروت وتنصيب بشير الجميل رئيساً للبنان، ثمّ عقد اتفاقية سلام إسرائيلية مع الحكومة اللبنانية. واستلزم ذلك أن تنجز العملية قبل موعد انتهاء فترة رئاسة الرئيس إلياس سركيس، في23 من شهر أيلول/ سبتمبر 1982، إذ وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت وبدأ حصار أول عاصمة عربية في 13 حزيران/ يونيو 1984، أي بعد تسعة أيام من بدء الغزو، وانتهى في 21 آب/ أغسطس، بالوصول إلى اتفاق بخروج الفلسطينيين من لبنان وتوزّعهم على دول عديدة. النتيجة التي انتهت عملياً بالنضال الفلسطيني المسلّح من الخارج، ومهّدت لانتخاب بشير الجميل رئيساً للبنان في 23 آب/ أغسطس من العام نفسه.
ويركز الباحث شعبو على عرض مكانة القضية الوطنية في نشاط حزب العمل الشيوعي التي كانت شغله الشاغل، وكانت قضية التسوية السياسية ليست محوراً أساسياً في تحديد مواقف الحزب، بل هاجساً دائماً له. لذلك فإن قراءة الحزب الأولى لبوادر الإعداد لغزو لبنان ظهرت في عنوان افتتاحية العدد 68 من جريدة «الراية الحمراء» (أوائل حزيران/ يونيو 1982): «حزيران آخر... نقلة جديدة في التسوية». تنشغل الافتتاحية بالتصدي لمحاولة «تعميم كامب ديفيد»، وتخرج بنتيجة هي أنّ «إسقاط التسوية بشكل عام يعني إسقاط البرجوازية العربية، في حين أن إسقاط كامب ديفيد إنما يعني إسقاط النظام المصري، وما لم يتم ذلك فإن كل شيء باق على حاله». ومع صدور العدد التالي من «الراية الحمراء»، آخر حزيران/ يونيو 1982، حمل المقال الأساسي عنوان «حرب المصير الفلسطيني».
وعن نشاط الحزب في الاجتياح، يؤكد الباحث شعبو أنه لم يشهد حزب العمل الشيوعي «استنفاراً أو نشاطاً سياسياً ومدنياً شبيهاً بتلك الفترة حيث أصدر الحزب عددين من الراية الحمراء في شهر حزيران وعددين في شهر آب/ أغسطس.
ومن اللافت أنّ «الراية» لم تصدر طوال شهر تموز/ يوليو بسبب الانشغال في إصدار المناشير، ذلك أنّ الحزب أصدر الكثير من المناشير التي تواكب تطوّر المعارك، وتدين صمت الأنظمة العربية وتحضّ النظام السوري على الانخراط الكامل في المعركة، وكان من أبرزها المنشور الذي حمل العنوان: «أيها الحكام إما الحرب وإما الرحيل».

يذكر الباحث شعبو أنّ حزب العمل لم ينتقد قرار قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالخروج من بيروت


وشارك الحزب مع الفصائل فلسطينية في جمع التبرّعات لصالح المقاومة، كما طالب معتقلو الحزب الأجهزة الأمنية بإخلاء سبيلهم ووضعهم على خطوط الجبهة لكي يشاركوا في المعركة ضد الغزو الصهيوني، فما كان من النظام إلا أن نقلهم إلى سجن تدمر السيئ الصيت، كما يذكر العدد 84 من «الراية الحمراء»، حزيران/ يونيو 1983.
فعقب مساومة حاول يجريها النظام السوري مع معتقلي الحزب «رفضوا أية مساومة حاول أن يجريها معهم النظام السوري في ظروف الحرب الأخيرة (حرب 1982)، بل طلبوا أن يكونوا في خط المواجهة الأول ضد العدو الصهيوني ولدعم نضالات الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، ليقودنا ذلك الحقد الأرعن الذي ردت به السلطة السورية الديكتاتورية اللا وطنية على هذا المطلب الوطني الصادق، وذلك بنفيهم إلى سجن تدمر العسكري وحجزهم في ظروف بالغة السوء».
ويذكر الباحث شعبو أنّ حزب العمل لم ينتقد قرار قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالخروج من بيروت، كما فعلت قوى يسارية أخرى مثل «التجمع الشيوعي الثوري» في لبنان، فقد اتهم «التجمّع» قيادة منظمة التحرير بالكذب وخيانة الشعبيين الفلسطيني واللبناني، وبالمسؤولية الكبرى عن الاجتياح الصهيوني لبيروت وما رافقه من مآسٍ «ذلك الاجتياح الذي ما كان يقع لو صمد المقاتلون الفلسطينيون في بيروت وأبوا أن يتخلّوا عن جماهيرها، لا سيما أنّ الاجتياح الصهيوني كشف أنّ بيروت كانت تحوي من الأسلحة والمؤن ما يؤهلها لمواجهة حصار مديد جداً، أطول مما تستطيع إسرائيل والعالم تحمله».
أخيراً، يكتفي الباحث شعبو بهذه القراءة غير الكاملة لمواقف «الحلقات/ الرابطة/ حزب» العمل الشيوعي في سوريا تجاه المسألة اللبنانية والوجود الفلسطيني في لبنان حتى عام 1992. إلّا أنّ مواقف حزب العمل الشيوعي في الساحة اللبنانية لم تتوقف عند هذا التاريخ، بل استمر الحزب في قراءة الوضع اللبناني عند كل جديد في الواقع اللبناني، خصوصاً في المرحلة الجديدة من سياسية حزب العمل الشيوعي شبه العلنية منذ 9/4/2003، وحتى كتابة هذه الكلمات.

* كاتب سوري

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا