كثرت في الآونة الأخيرة القراءات المختلفة لواقع الولايات المتحدة الأميركية. وأدلى العديد من المحلّلين بدلوهم في هذا النقاش، حتّى بُنيت الكثير من التحليلات التي وصلت إلى خلاصة تضعضُع الوضع الداخلي الأميركي، وإمكانية اندلاع حرب أهلية، وتفكُّك الولايات، ما سيؤدّي إلى اندحار وسقوط الإمبراطورية الأميركية وازدهار حال الشعوب المضطهدة. بالطبع، يجب أن يحظى هذا النقاش باهتمام جميع شعوب العالم وخصوصاً تلك التي تقارع الهيمنة الأميركيّة، وشعوب منطقتنا منها، من زاوية الأثر الذي سيخلّفه هذا السقوط إذا ما حصل، ومعرفة البدائل المطروحة أو التي يجب العمل على إيجادها. ولكي نحدّد ما إذا كان هذا الاحتمال قائماً بالفعل وأثره على الشعوب المضطهدة، يتحتّم علينا بادئ ذي بدء أن نحدّد فهمنا لحقيقة الولايات المتّحدة الأميركية وما تمثّله من مصالح في هذا العصر. وهو ما قد يختلف مع واقع نشأتها وتطوّرها على مرّ العصور السابقة، غير منكرين ما يشكّله كلّ من النشأة والتطوّر من عاملين أساسين في إنتاج واقعها الحالي.

بالتأكيد، أنّ الولايات المتّحدة الأميركية لا تشكّل إطلاقاً الأداة لتحقيق مصلحة مواطنيها بمختلف أعراقهم وأجناسهم، وذلك منذ بداية القرن العشرين على الأقل. والاستدلال على ذلك يتمّ من خلال النظر إلى الواقع الاجتماعي في الداخل الأميركي المشظّى طبقياً بشكل حادّ ومرآته المتمثّلة بالمستوى المعيشي المتدهور على مر السنين، وعجز الدولة الأميركية التي من المفترض أنّها تمثل الشعب الأميركي وغرقها في الديون والفوائد على الديون، واجتياح الفقر المدقع لمجموع الشعب من بيضه إلى سوده مروراً بكل أعراقه، بالإضافة إلى زجّ جيوشها في حروب مع شعوب أخرى لا ناقة للأميركيين ولا جمل لهم فيها. هذا الواقع السيّئ والذي يزداد سوءاً بعد كلّ أزمة تطرأ في الداخل الأميركي، لا نراه يزيد الفقراء إلا فقراً والأغنياء من أصحاب الشركات المتعدّدة الجنسيات وعلى رأسها المصارف الغربية الكبرى اغتناءً، التي تتّسع سلّة أصولها ويتصاعد استيلاؤها على وسائل الإنتاج ونهبها للمواد الأوليّة واحتكارها للأسواق فور انتهاء كلّ أزمة وغداة أيّ اجتياح. إذاً، إنّ الإمبراطورية الأميركية برئيسها وحكومتها، والسواد الأعظم من مجلس نوابها وشيوخها وجمهوريّيها وديمقراطيّيها، وجيوشها وشرطتها وأجهزة استخباراتها وقضائها ومدارسها وجامعاتها وإعلامها ومواقع التواصل الاجتماعي وكلّ المؤسّسات الحكومية وغير الحكومية المنضوية تحت لوائها، بالإضافة إلى الأمم المتّحدة ومجلس أمنها، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة الصحة العالمية وغيرها من المؤسّسات التابعة لها، مع المنظومة الغربية بأكملها وتوابعها من الأنظمة الرجعية، هي كلّها في خدمة المصارف الغربية الكبرى بالدرجة الأولى والشركات المتعدّدة الجنسيات المملوكة أصلاً من هذه المصارف أو الواقعة تحت سيطرتها. وهذه المصارف هي التي تفرز المسؤولين الذين يتولّون إدارة المؤسّسات التي ذكرناها، والتي تجنّد كل أدواتها المطيعة لتقويض أيّ مسؤول جنح بخياراته قيد أنملة عن مصالحها.

يترتّب على شعوب منطقتنا وأنظمتها التي تعادي المحور الغربي وحركات مقاومتها ألّا تراهن فقط على ضعف الولايات المتّحدة الأميركية من الداخل


هذه هي حقيقة الخطر الكارثي الذي يمثّله الاستعمار الغربي، والذي تتربّع على عرشه الولايات المتّحدة الأميركية. الخطر في كونه يشكّل أداة تنفيذية لثلّة صغيرة جدّاً من أصحاب الثروات الطائلة الذين لا تزيدهم سيطرتهم على ثروات الشعوب إلّا تعطّشاً إلى المزيد من السيطرة والتحكّم اللذين يخلّفان بدورهما موجات أوسع من الفقر والتخلّف والفوارق الطبقيّة عند كلّ شعوب العالم ومنها الشعب الأميركي. فحتّى العنصريّة الموجودة منذ القدم بين الأميركيين أنفسهم هي نتيجة في وقتنا الحاضر، وليست منطلقاً أو أساساً أوليّاً للحكم. هي نتيجة غسل الأدمغة والدعاية التي تُبَث عبر مختلف وسائل الإعلام، ومصدرها الأول هو المصارف، من أجل تشويه الحقائق وطمس جوهر الصراع من خلال خلق أعداء وهميّين بين الأميركيّين أنفسهم داخليّاً وبينهم وبين غيرهم من الشعوب خارجيّاً، وهي السياسة عينها التي تتّبعها في كلّ دول العالم، كي لا تصوّب الشعوب بوصلة صراعها نحو جلّادها الحقيقي.
بناءً على ما تقدّم، نخلص إلى القول في هذا المضمار إنّ قرار الحرب والسلم في الولايات المتّحدة الأميركية هو ليس إلّا صوريّاً بيد الرئيس، فضلاً عن قرار القيام بضربة نووية، وهو بالتأكيد ليس مطيّة أهوائه وطموحاته الشخصيّة أو مناورة يستخدمها في آخر أيام ولايته لتكون حجّة مكوثه في البيت الأبيض. قرار الحرب يُتّخذ حين تفترض الإدارة الأميركية أنّه يحقّق المزيد من السيطرة للولايات المتّحدة فتزداد غطرسة المصارف الغربيّة والشركات. والتوتّر الذي حصل في منطقتنا، عام 2019، خير دليل على ما أسلفنا، يوم أراد الرئيس الأميركي حينها وأصدقاؤه في منطقتنا أن تشنّ الجيوش الأميركية حرباً على محور المقاومة، وقوبل بالرفض من قادة جيوشه وأجهزة استخباراته لاحتمالهم بقوّة ألّا تؤتي الحرب أكلها ،ما سيؤدّي حتماً إلى تراجع الهيمنة الأميركية. والحرب الأهلية أيضاً، هي قرار يُتّخذ خوضها من قبل تيارين متنازعين على الأقل يحظيان بحدٍّ أدنى من أوراق القوّة لخوض الحرب. حتّى الآن، وفي المدى المنظور، ليس هناك مؤشّر جدّي يشير إلى وجود تيار يتمتّع بنفوذ فعّال في مختلف المجالات قادر على أن يخوض صراعاً مسلّحاً مع التيار الحاكم في أميركا. أمّا وجود جيش من الفقراء والعاطلين عن العمل ومسلوبي المنازل، فلا يحتّم وحده خلاصة تدحرج الداخل الأميركي إلى الحرب الأهليّة. فهذا المشهد يمدّ ويجزر على الدوام عند كلّ أزمة مالية، والكساد العظيم عام 1929، والأزمة المالية عامَي 2007 - 2008 وما خلّفاهما تشهد.
استطاعت الدولة الأميركيّة أن ترقّع الآثار المعيشية والاجتماعية الخطيرة التي تحصل باستمرار، لأنّها والمصارف الغربية الكبرى التي تمتطيها قادرتان على طباعة وخلق الدولار الأميركي ساعة تشاءان. والدولار هذا، الذي جعلوه يحتكر كلّ عمليات بيع المواد الأوليّة الأساسية في تبادلات جميع الدول، والذي ثبّتوه بفعل بلطجة جيوشهم غطاء لكلّ العملات المحليّة محوّلين بذلك كلّ المصارف المركزية حول العالم إلى فروع للبنك الاحتياطي الفدرالي، لا تزال قيمته قائمة من دون أيّ منافس.
من هنا، يترتّب على شعوب منطقتنا وأنظمتها التي تعادي المحور الغربي وحركات مقاومتها وكلّ الشعوب المضطهدة، ألّا تراهن فقط على ضعف الولايات المتّحدة الأميركية من الداخل. لأنّه أوّلاً، إن لم تنتج هذه الشعوب بديلها، فقد يستبدل هذا الاستعمار القائم حالياً بقوىً صاعدة على الساحة الدولية قد تتحوّل إلى قوى استعمارية جديدة. فيكون بذلك قد رُحّل استعمار غربي ليحلّ مكانه استعمار جديد آخر تقع ضحيّته شعوب لم تؤسّس مشروعها. تماماً كما حدث على مرّ العصور من قيام إمبراطوريّات استعمارية على أنقاض إمبراطوريّات أفل نجمها وضاعت بين أرجل خيلها الشعوب التي أسرت نفسها في براثن التبعية. وثانياً، يتحتّم على هذه الشعوب أن تبني مشروعها التحرّري المستقل عن الرأسمال الغربي وعن كلّ العملات التي جعلوها وسمّوها ظلماً وبهتاناً عملات صعبة وفي مقدمتها الدولار الأميركي، فيصبح هناك منافس تحرّريّ جدّيّ له على الساحة الدوليّة وبالتالي ينخفض الطلب المستمر على الدولار ليفقد قيمته وتنحسر ساعتئذٍ الإمبراطورية القائمة عليه وتنهزم. ولا تكتمل تحرّرية هذا المشروع البديل إلّا من خلال تأميم الثروات الكبرى والمصارف كي يتمّ القضاء على استفحال الرأسمال المحلّي المتحالف على الدوام مع الرأسمال الغربي المتحكّم في مصير شعوبنا.
هذا المشروع ليس ببديل جديد لم يعمل عليه من ذي قبل. بل إنّ مدرسة التاريخ البشري غنية بالثورات التحرّرية ومنطقتنا العربية مليئة بهذه التجارب أيضاً. والتجربة الضاربة في التاريخ البشري المعاصر هي المشروع الثوري التحرّري الذي قاده جمال عبد الناصر، منبعه عربي وحدوده الأمميّة، في تحالف مثّله حينها دول عدم الانحياز، إذ رفض هذا التحالف التبعية لأيّ قوى استعمارية وأمّم الثروات والمصالح الكبرى ليردّ ملكية الثروات إلى شعوبها وينتزعها من ملّة الغواة المتوحّشين. وصوّب نحو الاستقلال التام عن الرأسمال الغربي وعملاته الصعبة وتكريس الإنتاج الذاتي.
يجب على الشعوب المناهضة للاستعمار الغربي وأنظمتها وحركات مقاومتها، أن تتبنّى مشروعاً كهذا وأن تستفيد من نجاحاته وإخفاقاته، وبالتالي العمل على تشكيل جبهة موحّدة في وجه الغرب المستعمر لأنّه خلاصها الوحيد من الاستعباد.
* باحث اقتصادي لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا