ما إن أوشكت قافلة «الثورة السورية» على الانطلاق قبل ثلاث سنوات، حتى بدا واضحاً لمن يتمعن فيها عن كثب ليصل إلى استنتاج أنّ فيها من المتناقضات الكثيرة ما يهددها وجودياً، ويعدها بمشوار من الخطايا والإخفاقات ومصير نهايته ليست سهلة التنبؤ أو مضمونة النتائج.

لم توقف المسيرات الكبيرة التي حشدها النظام السوري في معظم المدن السورية بداية تداعي الأحداث، من تدفقها العبثي الكارثي وكأنها مرتبطة برغبة جامحة للوصول بسوريا إلى مواجهة هي الأخطر على تاريخها وجغرافيتها، وعلى قرارها الوطني المستقل.

كان من الواضح أن الحراك الذي فاجأ السوريين (بمن فيهم نخبهم وأحزابهم القابعة في كهوفها الإيديولوجية منذ عشرات السنوات) يعمل بلا رأس مشرف محلي يؤمّن قيادة واعية لمركب الحراك نحو عقلنة المطالب المحقة التي لهجت بها بعض الحناجر البريئة مبدية اعتراضات على التسلط الأمني وعلى الفساد المستشري في قطاعات مختلفة في بدن الدولة السورية.
ورغم حدوث بعض الأحداث المشبوهة والتي سقطت فيها الدماء وأزهقت الأرواح إلا أن المكسب الجلي المنال، والذي بدا متحققاً في الأشهر الثلاثة الأولى مرضياً للجميع موالين ومعارضين، هو ما أفضل تسميته «رفع القيود عن حناك وأفواه السوريين» للانطلاق بمونولوجات ناقدة لممارسات الدولة بمفاصلها كافة، تناوب عليها الموالون والمعارضون بطقس سقوط الخوف قبل أن يتمترس كل جانب خلف ساتره فيما بعد، وتصبح لغة رصاص الدوشكا وقذائف راجمات الصواريخ الطريقة الوحيدة للتحاور بين الأفرقاء.
لم يكنْ ليمرّ يومٌ على السوريين أغربَ من ذلك الذي راحوا فيه يراقبون عبر شاشة «الإخبارية السورية» ليتعرفوا ولأول مرة بعد أشهر قليلة من الأحداث على صنف جديد التخلق، يولد بعملية قيصرية على الهواء مباشرة، ليتفاجأ الجميع بمعارضة «مليصة» تشكلت على عجل خارج رحم التجربة السياسية والنضال الوطني المتدرج والمتراكم.

هل أخطأت الدولة
السورية عندما عاملت
هذه المعارضة بما
عاملتها به؟
لا أجد هنا من المفيد كثيراً إلقاء التهم على السلطة المتحكمة بقوة في سوريا، لأنها لم تسمح بقيام معارضة طبيعية، كون المعارضة التي لا تكتسب ثقة جماهيرها ثمرةً لنضال مجتمعي حقيقي مكلف، لن تواظب في نضالها للوصول إلى ما تصبو إليه من شعارات جماهيرية براقة. ولأن من الوهم الزائف التعويل على السلطات الحاكمة (خصوصاً في عالمنا العربي) لإنشاء معارضات حقيقية، ولا يعدو ذلك إلا انتظار حصول الأمر من غير موضعه.
إن تقويماً لسيل لم يتوقف من اتهاماتٍ كالَتها المعارضةُ في شوارعها وشاشات العولمة الجديدة للنظام الحاكم في سوريا برموزه التاريخية والراهنة، من مثل بيع الجولان وحماية حدود الكيان الصهيوني وتهكم متواصل على دوره الممانع والمقاوم وعدم إطلاقه رصاصة واحدة في الجولان طوال أربعين سنة، لا يغدو إلا طريقة بيّنة الأهداف واضحة المقاصد لإسقاطه عند ضرب علة وجوده في بلاد مسكونة بقضايا التحرير الوطني والقومي، بينما لا تزال أجزاء منها محتلة بالأخص عندما يأتي الاتهام من أطراف موغلة ومولعة بالغزل الإسرائيلي.
أوضح مشوارُ المعارضة السورية خلال فترة مشيها المتعثر أنها لا تمانع في معظمها (عدا فصيل صغير خافت الصوت لم يتبلور إلا أخيراً بعد اتضاح الصورة الميدانية بشكل تام) من الاستعانة بكل النواقص والمآخذ التي طالما اتهمت بها النظام في نظرية جدلية غير متينة الأركان وغير مؤكدة الدلائل.
مركب الثورة السورية يتشاركه الثوار مع أعداء سوريا التاريخيين واستطالاتهم في المنطقة كداعم رئيسي لهم، وطلب الاستعانة والمدد من العدو الصهيوني كقوة تحرير للأرض السورية (طلب المعارض كمال اللبواني من إسرائيل المشاركة في الثورة وإسقاط النظام مقابل الاحتفاظ بالجولان)، بعد أن استعانت بكل متطرفي الأيديولوجيا الإثنية، يأتي كل ذلك ليسقط آخر ما توشّحت به هذه الثورة واختفت خلفه، ولتبدو نياتها واضحةً على لسانها وقلبها وجوارحها؛ أنها مستعدة للتصالح مع كل شياطين الأرض من أجل إسقاط الدولة السورية، وهي لا تمانع أن تُجلسَ الوطنَ على خوازيق التقسيم والتفتيت والتبعية في سبيل أن تجلس هي على كرسي السلطة.
ليس غريباً مع انكشاف الأحداث أن يصل السوريون إلى قرارهم التاريخي في الحفاظ على دولتهم والوقوف معها والدفاع عنها في أهم مفصل تاريخي تمرّ به.
سيساعد في ذلك القرار المصيري حتماً تلك الدعوات المشينة وطلب العون الصهيوني وما سبق ذلك من لجوء «آمن» إلى مشافٍ إسرائيلية لمعالجة وتنسيق وتدريب (كما صرحت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية أن العميد عبد الإله البشير تدرّب على أيدي جهاز الموساد الإسرائيلي بعد علاجه في احد المستشفيات الإسرائيلية، ولم يصدر حتى كتابة هذه السطور أي نفي لخبرها هذا من العميد البشير أو غيره...) وركون بعض المجموعات «الثائرة» بظهورها إلى الحدود المحتلة بأمان، موجِّهةً نيرانها نحو الداخل السوري وسلوك الثورة السورية طيلة عمرها إلى طمأنة الكيان المحتل وعزوفها بعدم استفزازه ولو بشعار واحد أو لافتة واحدة.
الآن وقد استكملت الثورة السورية كل لبوس المؤامرة وفشلت في إسقاط الدولة بحرب بالوكالة عبثية مهلكة يدفع السوريون وحدهم تبعاتها الكارثية، وبعد أن جال مركب «الثوار» في كل العواصم واستوطن بعض السفارات وشرح فقر حالهم ومهانتهم ومذلتهم وقلة حيلتهم ببكائيات وتراجيديات، تاجرت بدماء الشعب السوري وأوجاعه ومآسيه، واضطرتهم ظروفهم الثورية لتقديم التنازل تلو الأخر، ليصل المركب لمحطته الأخيرة، وهي رمي كل أوراق الاعتماد لدى الكيان الصهيوني.
مع هذا الحجم الكبير والمتعاظم غير المسبوق من التبعية والارتزاق والارتهان للخارج (بما فيه العدو الصهيوني) للمعارضة السورية بشكل يناقض الموروث السوري من الكرامة الوطنية والقرار الوطني سيجعل السؤال المهم يراود كثيراً من السوريين وهو: هل أخطأت الدولة السورية عندما عاملت هذه المعارضة بما عاملتها به؟
وهل ما تتفتق به عبقرية بعض المعارضين وثوار الفنادق الجدد سيبقي لهم أي تعاطف أو مكانة مستقبلية مقبولة لدى الضمير الوطني السوري الجمعي المترسخ؟!
حقائق وحوادث مؤكدة
ــ معالجة مصابي المسلحين المنخرطين في «الثورة السورية» في مشافي دولة الكيان الصهيوني.
ــ دعوة بعض المعارضين للكيان لإنشاء منطقة حظر جوي والمساعدة في إسقاط الدولة السورية مقابل التخلي عن الجولان.
ــ المساندة الجوية الإسرائيلية لـ«الثوار» في ضرب مواقع للقوات السورية في قاسيون والساحل السوري.
ــ كشف الدور التركي التآمري عبر التسجيلات المسربة من غرف الاستخبارات التركية لدور تركي في حرب آتية على سورية بعد فشل خطواتها السابقة.
ــ انحسار وفشل الدور القطري في الرهان على إسقاط الدولة السورية في العام الأول للأحداث.
ــ توزع الحرب على سوريا إلى جبهتين شمالية بدعم تركي قطري وجنوبية بدعم سعودي إسرائيلي مع تواطؤ وخنوع أردني.
* كاتب سوري