بهذه الكلمات يُمكن اختصار المسيرة الجهادية لهذا المثقّف الثوري، تلك المسيرة التي بدأها في عملية أوبك (فيينا 1975) وأكملها بمشروع (الكونفدرالية المشرقية 2015) وأتممها في صيغة (مجلس للسلم والتعاون الإقليمي)، على صعيد دول شرق المتوسط ، سيبصر النور قريباً، على ما يؤكد معاونوه في الدراسة- المشروع.

أنيس النقاش ابن بيروت، نشأ في وسط ثقافي/ سياسي معارض للانتداب الفرنسي في سوريا، عمّه الدكتور زكي النقاش كان مديراً لـ "كلية المقاصد الإسلامية" وكان من أوائل الذين انتموا إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسّسه أنطون سعاده، ابن الشوير، عام 1932 وأول عميد للحربية (الدفاع) في الحزب، وأدّى، إلى جانب سعاده، ضريبة الأسر في سجون الانتداب عامَي 1937/1936. في تلك الفترة، دعته "المقاصد" بمبادرة من مديرها لزيارتها ولبّى سعاده الدعوة، بكل سرور، ودوّن في سجل المدرسة عبارته الشهيرة: "الشوك ينمو بالإهمال، أما النبت الصالح فينمو بالعناية"، في إشارة إلى الدور التربوي والتوجيهي والتثقيفي الذي تلعبه المقاصد كمدرسة وكلية ومعهد.
بعد اندلاع الحرب الكونية التكفيرية الوهابية ضد سوريا (ومن ضمنها لبنان والعراق) في مطلع علم 2011، وانكشاف الجغرافيا السورية، على امتدادها، كميدان رئيسي لهذه الحرب، تأكّد للنقاش، كما تأكد لغيره من المثقفين العروبيين واليساريين والإسلاميين، صحة نظرية أنطون سعاده، إلى الواقع السوري والعربي والإقليمي، فراحوا يكتبون المقالات في جريدة "الأخبار" اليسارية ويعدّون الدراسات في هذا الموضوع، وعقدوا مؤتمراً في بيروت سنة 2015 لترجمة أفكارهم في خطط ومشاريع عملية، إلا أن اغتيال المناضل والمثقف الأردني ناهض حتّر أبطأ التحرك إلى أن عاد الدكتور النقاش وأحياه من جديد.
عام 2015، أصدر كتابه "الكونفدرالية المشرقية" الذي يتمحور مضمونه حول فكرة أن الصراع الدائر في شرق المتوسط ليس صراعاً بين مكونات دينية وإتنية، أو صراعاً بين قوى إقليمية لتأمين مصالحها، إنه صراع بين جبهتين: جبهة تقاتل لحماية الأنظمة والعروش التي ارتبط وجودها بإرادة المستعمِر، وجبهة تتقدم بسياسات وقيم تحررية من أجل انتصار قيم العدالة والحرية، وخصوصاً في فلسطين. وعليه، الكونفدرالية المشرقية هي مشروع الوحدة مقابل الانقسام والتفكك، وهي مشروع القيم الإنسانية مقابل مشاريع الفتن والاقتتال.
في الذكرى السبعين لاستشهاد سعاده، وفي ملف خاص لجريدة "الأخبار" عن المناسبة (13 تموز 2019)، كتب فقيدنا الكبير مقالاً، تحت عنوان: هو ضحية "زوبعته" كان بمثابة "دفاع" عن سعاده ضد رجال الدين والتكفيريين وأنصاف المثقّفين من عروبيين ومتلبننين ويساريين الذين تبيّن له من احتكاكه مع بعضهم أنهم لم يقرأوا سعاده، ولذلك عاب عليهم هذا التقصير تجاه سعاده واتهمهم بخداع أتباعهم من هذه الناحية، منهياً مقاله بهذه العبارة- الشهادة:
"سعاده أغنى الفكر ليس فقط السوري بل العالمي أيضاً بنظريات جديدة".
إن القوميين الاجتماعيين مدينون لفقيد الأمة أنيس النقاش وأمثاله بجميل العرفان، ولذلك يمرون، يوم غد الأربعاء 24 شباط/ فبراير 2021 بخشوع أمام موكبه ويتقدّمون من عائلته ومن أحرار الأمة والعالم بتحيّة ملؤها الاعتزاز بنضاله وتضحياته، والبقاء للأمة.
*أستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا