إذا كان، حتى الساعة، من الصعب الإحاطة الشاملة بمكنونات فيروس كورونا كي يصار الى اجتراح العلاجات الناجعة، إلا أنه ومن خلال الاستقراء العلمي الرياضي يمكن بيان استخلاصات مفيدة في مسار فهم هذا الفيروس.

بطريقة الصياغة الرياضية، (1)فإذا اعتبرنا أن «V» يمثل مجمع أو مجموعة الفيروسات النشطة (الصالحة والقادرة أن تصيب البشر – حصراً في هذا المقال) والتي انطلقت في بداياتها من المجموعة صفر V0 أي النسخة الأم، من دون الإشارة طبعاً الى الموطن الأول، (2)وإذا اعتبرنا، من ناحية ثانية، «P» هو مجمع الأشخاص الأصحاء «-P» وأو المصابين»+P» بهذا الفيروس أي P={P+,P-} . وجب هنا التنويه إلى أن كلتا المجموعتين P و V هما مجاميع متحركة من حيث المحتوى وفق المسار الزمني.
كما أشرنا سابقاً، ثمة علاقات تأثيرية تحكم هاتين المجموعتين في ما بينهما، وهي على الشكل التالي:
■ V2P أو (V➔P): بحيث إن الفيروس يتمكن من مهاجمة ناجحة ويصيب شخصاً ما والنتيجة انتقال هذا الشخص من المجموعة P- الى المجموعة P+.
■ P2V او (P➔V): العلاقة هنا مضاعفة ومتشعّبة، هي تفاعلية حيث يجتهد جسم الشخص المصاب بمقاومة الفيروس (هذا الجانب هو خارج نطاق بحثنا) وفي الكثير من الحالات يتمكن الفيروس بحكم التفاعل البيولوجي من التكاثر (بمقياس البيولوجيا الجرثومية) داخل جسم المصاب. بنتيجة التفاعل الحاصل، يصير جسم المصاب حاضناً لكمية معتبرة من الفيروسات (سيصار لاحقاً الى مقاربة هذه النقطة من باب التغيرات المحتملة على الفيروس نتيجة التفاعل الحاصل).
من جهة ثانية، يعمد جسم المصاب ، ووفق طبيعة التكوين البشري ، الى لفظ وطرح (عن طريق : السعال ، التنفس، إلخ... خلال فترة الاستيطان المعدي) كميات من هذه الفيروسات الى خارج الجسم المصاب وتحديداً الى فضائه القريب (بما يتفق مع استنتاجات وتوصيات أصحاب الاختصاص والمعرفة الفيروسية).
سنداً الى مفهوم العلوم الرياضية، فإن هذه الكميات الفيروسية الناتجة والتي قدِّر أن تخرج من جسم المصاب، تعتبر من مكوّنات المجموعة V وهي بذلك تعزز فرضية انتقالها الى شخص آخر ناقلة اليه الإصابة بالوباء الفيروسي، وهكذا.
استقراءات: إن تتبّع مسار انتقال وتنقل الفيروس عبر العلاقات المبينة أعلاه ، يوضح التالي:
■ ثمة حلقة (P➔V➔P اوV➔P➔V) خطيرة تتولد وهي انعكاس للواقع الوبائي المعاش. ففي قراءة تحليلية لهذه الحلقة يتبين مدى الحراجة التي تتجلى بسبب تماسك أضلعها V2P و P2V.
■ بالعودة الى فقرة تكاثر الفيروس، فإذا كان الفيروس الداخل الى جسم شخص ما هو Vin، والفيروس المطروح خارجاً يكون Vout ، في هذه الحال المنطقية، السؤال المحرج يكون حول الفروقات (الـ «Delta») والمتغيرات المستجدة (التحور) بين Vin و Vout !
إن قياس التحور ، أي الـ «Delta» ، آخذين في الاعتبار العوامل المؤثرة (بيولوجية، بيئية، عرقية...) والمسبّبة يؤشر الى مستوى الحراجة بالتعامل مع الفيروس. ليس بالضرورة أن يكون التحور فائق الدرجة، خاصة متى أخذنا في الاعتبار البيئة المتجانسة واللحظية للتحور.
بالنتيجة الطبيعية نحن أمام تشكيل عنقودي، نوعاً ما، لمجمع الفيروسات النشطة (عائلات فيروسية)، ما يسهل على علماء الأوبئة التعامل مع هذا الفيروس.
بالإسقاط التطبيقي، إن قبول نظرية الـ(Vin, Vout) معطوفة على تماسك الحلقة القاتلة أعلاه ، يعني ثمة آلاف النسخ من الفيروس تسكن المجموعة V، طبعاً هذا لا يعني بأي شكل أن الاستقراء سلبي، لا بل الإيجابي هو أنه يساعد على توجيه بوصلة الحرب على هذا الفيروس.
مفتاح النصر في هذه الحرب يكون من خلال كسر أضلع الحلقة الوبائية سعياً الى تصفير المجموعة V وأو تصفير المجموعة P+. أدوات هذه الحرب هي الثلاثية الوقائية المعلنة: كمامة، نظافة وتباعد فعلي، بالإضافة الى المتابعة التطبيبية الأكيدة (اجتراح العلاجات المناسبة) وأخيراً والأهم التلقيح المجتمعي.
نعم، الحرب كونية وشاملة... ورحلة التعافي المجتمعي مسؤولية وواجب...

ملاحظة: المقال يعبر عن استقراء وصياغة علمية من وجهة نظر رياضية وليس من وجهة نظر علم الأوبئة أو البيولوجيا

* باحث في الرياضيات التطبيقية وعلوم الداتا (راجَعَ المقالة فادي عبد الساتر، باحث في العلوم البيولوجية في الجامعة اللبنانية)

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا