غزة شجرة سنديان لا تنحني، غزة وردة لا تذبل وشوكة لا تنكسر، غزة رمز الصمود والتضحية والعزة. لكن خلاصك يا غزة هاشم يلوح... فقط في الأفق!

بداية، واجب علينا إدانة كل بندقية فلسطينية، لا توجه نحو العدو الصهيوني، غاصب حقوقنا وبلادنا ومضطهد أبناء شعبنا. وإدانتنا هذه تمسّ كل بندقية تطلق طلقة واحدة، حتى وإن كانت طائشة، خارج فلسطين نحو أي هدف غير العدو الصهيوني.

لنفترض جدلاً صحة كل ما تدعيه وسائل الإعلام/ التضليل في مصر عن ملايين الملايين من الأنفاق بين غزة وسيناء، وعن تهريب المقاتلين والسلاح والمواد التموينية بينهما، وأخيراً وليس آخراً، عن دور البندقية الفلسطينية، في دعم جماعة «الإخوان المسلمين» المصرية التي أخرجها الجيش المصري من الحكم، بدعم شعبي واسع، على ما يبدو، ثم أعلنها مع حلفائه الجدد في جزيرة العرب، جماعة إرهابية. افتراض صحة هذه الحملات، هدفه تجنب الانجرار إلى نقاشات عقيمة لا طائل منها ولا تقدم ولا تؤخر.
المهم هنا مصير شعبنا الصامد الصابر في غزة، رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً ورضّعاً، الأحياء منهم والأموات، أياً كانت انتماءاتهم الفكرية السياسية. ولذلك، وجب التاكيد على إدانة أية تصرفات رعناء ضالة مضلَّلة ومضلِّلة، وإدانة بُنَى وسياسات تصبّ في غير صالح فلسطين وصراعنا مع العدو الصهيوني. كذلك وجب إدانة كل حملة إعلامية رسمية تنطلق من الجانب الفلسطيني في غزة ضد نظام 30 حزيران. ووجب الالتزام بمبدأ الامتناع عن التدخل في شؤون أي دولة عربية، عملاً بتمسكنا برفض تدخل أي كان في شؤوننا الداخلية لكن فقط إن لا يصب في مصلحة فلسطين.
لكن كيف يمكن تفسير لقاء المشير عبد الفتاح السيسي مع محمد دحلان، المنبوذ فلسطينياً هو، وكل من على شاكلته في المؤسسة الفلسطينية المستعمَرة مستوطنِة رام الله المحتلة؟
قلنا لنفترض جدلاً صحة كل التهم التي توجهها أدوات الإعلام والتضليل المصرية، الرسمية منها والخاصة، علماً بأن ملكية أكثر الأخيرة تعود إلى فلول نظامي كامب ديفيد، ولننظر إلى الموضوع من زاوية مقابلة.
القضية، في قطاع غزة المحاصر، قضية شعب، يعاني مختلف صنوف العذابات الخارجية أساساً، قتلاً وتدميراً للممتلكات، ومعاناة إنسانية لا تتلخص فقط في تقييد الحركة في القطاع وفي نقاط المعابر، منه وإليه، وعلى طرفي الحدود، وعلى أيدي القائمين عليه، خصوصاً في الجانب المصري، بل أيضاً معاناة أخرى ناتجة من نقص في المواد التموينية وانعدام فرص العمل وانقطاع لانهائي للتيار ونقص حاد في الأدوية والتجهيزات الطبية، وفي المحروقات اللازمة لتشغيل محطات الطاقة أو المركبات. أي إنه يعاني نقصاً في كل مقومات الحياة.
أهل غزة... أهلنا، أمهاتنا وآباؤنا وأخواتنا وإخواننا وأبناؤنا وأطفالنا ورضعنا وأحفادنا وأحباؤنا في غزة يعانون، ليس فقط على يد غازٍ عنصري، حياة من ليس على شاكلته لا قيمة لها. فهذا أمعن في إثباته، سواء من منطلقاته النظرية العنصرية أو عبر ممارساته، منذ ولادته فكرة. لكن ابناء القطاع يعانون أيضاً كل أشكال العذابات والتنكيل والهوان والإذلال، على أيدي الشقيق والصديق... ورفيق الدرب، كما يدعي نظام 30 يونيو في القاهرة.
منذ اندحار القوات الإسرائيلية عن غزة، ومعاناة شعبنا لم تتوقف، بل حتى زادت في تنوعها، ربما أيضاً بسبب اتفاقيات سرية بين الطرفين المصري والإسرائيلي، وأيضاً بسبب صراعات أطراف قاصرة على حكم وهمي لا تتجاوز سلطته تنظيف مجاري القطاع في «أفضل» الأحوال.
النظام الجديد في القاهرة يصمت عن احتمال واقعي لوجود اتفاقات سرية مع العدو الصهيوني بخصوص القطاع، وتقييد حركة الفلسطينيين فيه، وإبقائهم في حاجة دائمة لحقنة حياة ولجرعة أوكسجين وحبة مسكن وأخرى مخدر، مع أننا لا نشك في وجودها. لا يهم إن وقّع نظامي كامب ديفيد، الساداتي والمباركي وما تلاهما، مع العدو الصهيوني أي تعهدات بخصوص مستقبل غزة. لكن واقع الحال يقول: إن شعبنا هناك، يعاني مختلف أنواع الإذلال على يد القائمين على المعبر من الجهة المصرية، لكن ليس هناك فقط. والأخبار الواردة من نقطة حدود القطاع مع مصر تطمئن العدو إلى أن اندحاره عن القطاع لم يغيّر كثيراً في وضعه.
نظام 30 يونيو وأبواق التضليل الداعمة له وتلك المدعية النطق باسمه، يختلق مختلف الذرائع لتسويغ سياساته تجاه القطاع، والتي لا تكفي مختلف المفردات لنعتها، لكن، ورغم فداحة الموقف وخطورته سنتجنبها... الآن. نظام 30 يونيو يقول إنّ قطاع غزة تحوّل إلى بؤرة للتآمر على مصر بعدما أسقط الجيش المصري، مدعوماً بقطاعات واسعة من الشعب، حكم المرشد هناك. لا بأس، لن نناقش هذه الادعاءات أو حتى صحتها التي سنفترضها من أجل النقاش ليس غير.
فلول نظامي كامب ديفيد أو الثلاثة، أو حتى الأربعة، تنشر أخباراً ظالمة عن تآمر فلسطيني لاحتلال سيناء وتحويلها إلى وطن بديل، بالتعاون مع العدو الصهيوني؛ لكننا نعرف من الذي يقوم بزيارات عسكرية سرية إلى دولة الكيان، ونعلم أيضاً من الذي يدعو علانية إلى بيع العدو الصهيوني قسماً من بلاده وجعله حليفاً، من أجل نيل عرش قصبي. قبل هذه الفلول والقطعان، نشر الانعزاليون في لبنان مقولات عدوانية مطابقة عن الفلسطينيين في لبنان، ثم تراجعوا عنها، معتذرين، لكن بعد مرور ألف ألف عام على إطلاقها، وأيضاً فقط بعدما جرت دماء الأبرياء أنهاراً وعمّ الدمار والخراب البلاد.
الوضع الحالي في غزة كان قائماً في مصر قبل 30 حزيران. كان قائماً عندما كان تنظيم الإخوان المسلمين، بصفته جزءاً من التنظيم الدولي، هو من يحكم مصر منذ عام 2012. فإذا أخذنا في الاعتبار مسوغات النظام الحالي لموقفه اللاإنساني تجاه أهلنا في القطاع المحاصر، فمن الصحيح، تباعاً، اتخاذ الموقف نفسه من مصر خلال حكم المرشد، وإطلاق الأحكام نفسها عليها، أي تلك الذي تتخذه هذه الأخيرة حالياً من القطاع. هذا يتضمن الدعوة إلى حصاره وملاحقة أهله وقادته وشن الحروب النفسية عليهم شعباً وقيادة وإمطارهم بمختلف التهم والنعوت التي ترتع في أبواق فلول نظام كامب ديفيد المتحكمة في مصر 30 حزيران/ يونيو، إضافة إلى المطالبة بمحاصرة موانئ مصر البرية والجوية والبحرية وإذلال مواطنيها الداخلين إليها والخارجين منها... إلخ، وهي الإجراءات ذاتها التي تمارسها سلطات القاهرة بحق أهلنا في القطاع. هل يعقل هذا! طبعاً لا، لن نقبل بنشر ذرة من هكذا تضليل رقيع تجاه أم الدنيا، أو أي بلد آخر. مصر بلد شعبه عربي طيب مسالم محب للحياة، نقبل له ما نقبله لأنفسنا.
أما أبواق الفلول، وردحها اليومي، والمتبجحة دوماً بما تدعيه أفضال مصر على فلسطين الشعب والقضية، فإننا لا ننفي أبداً أن مصر عبد الناصر قدمت الكثير للشعب الفلسطيني وحركاته الوطنية. وهذا ليس مكان النظر إليها نقدياً، إلا أننا نذكر أيضاً بأن مصر وقعت عليها مسؤولية استثنائية تجاه قطاع غزة الذي كان تحت حكمها نتاج مؤامرة تقاسم فلسطين مع الحركة الصهيونية عام 1948، المسماة حرب الـ48، حتى هزيمة عام 1967.
لنتذكر، نظام كامب ديفيد الساداتي، بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد، العلنية والسرية، مع العدو الصهيوني لم يتخل فيها عن قطاع غزة فحسب وإنما عن كل مصر، عملاً بكلمات الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم: رجعت سينا وضاعت مصر... يا سادات كفاية نصر.
أساس الصراع العربي الصهيوني لم يكن احتلال سيناء أو الجولان، وإنما اغتصاب العدو الصهيوني فلسطين. بعد الفشل المريع لكافة حروب العرب مع العدو الصهيوني، لكن من دون نفي بعض التفصيلات الإيجابية في بعضها، ومن دون الانتقاص من تضحيات أبنائنا وإخواننا وأخواتنا في كل المعارك والجبهات وبطولاتهم وتفانيهم، نظام كامب ديفيد تخلى عن فلسطين وصار شريكاً للعدو الصهيوني في العدوان عليها أرضاً وشعباً، وهو ما تشهد عليه كل التطورات منذ اجتياح لبنان عام 1982 وحتى عدوان عام 2009 على غزة، وما بعد ذلك من اعتداءات.
حفر الخنادق وتهريب البضائع والوقود إلى قطاع غزة الذي تحاصره القوات المصرية والصهيونية ينتهيان عند فتح المعابر، من دون قيد أو شرط لمدة 365 يوماً في السنة.
إعادة الوئام بين ضفتي الحدود يتم عندما يعامل الطرف المصري القادم الفلسطيني بكل احترام، على الأقل كما يعامِل السائح الصهيوني... عيب يا هؤلاء، عيب.
لا نطلب أكثر من هذا لأهلنا في القطاع المحاصر، وإن كان يستحق أكثر من هذا بما لا يمكن حصره.
لذلك نقول: غزة، هوية مصر إلى الأبد.
* كاتب عربي