إن العودة إلى الجذور التأسيسية لـ«داعش» ومتفرعاتها، ومن ثم تحليلها وتشريحها تجعلنا نفهم أكثر من نواجه وكيف نواجه. وبالتالي تخوّلنا وضع استراتيجية للمواجهة قائمة على أسس واضحة. ولعل «داعش» (التي تشكل ذروة الفكر المتطرف في زماننا) وإن تشاجرت مع أخواتها، إلا أنها تتوافق معهم في المشرب نفسه الذي ينهلون منه، فيضربون في عمق التاريخ ليجدوا لهم سنداً شرعياً، وإذ بهم يلتقون مع «الخوارج» فيتبنون المنهج ويتبرأون من الاسم.

تعود ظاهرة التطرف إلى زمن «الفتنة الكبرى»، التي تمخضت في زمن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بعدما لاحت بوادرها في القسم الثاني من خلافة عثمان بن عفان، وكانت نتيجتها طعن عثمان ثم ذبحه على أيدي من «كفّروه»! ونتيجة للظروف اختلط هؤلاء بجيش «علي» في حروبه «الجمل وصفين» وبعد أن أحسوا بأن الدائرة ستدور عليهم نتيجة التحكيم خرجوا على علي بن أبي طالب، وكفَّروا كل الأطراف المخالفة لهم رافعين شعار «لا حكم إلا لله». هذا الشعار الذي يختزن إيماناً ظاهرياً مغلفاً بالسذاجة الفكرية التي لا يزال صداها يتردد بوضوح في وقتنا الحاضر، وقد وصفها الإمام علي بأنها «كلمة حق يراد بها باطل».

فخرجوا من بين صفوفه وكفروه لدى قبوله بالتحكيم في معركة صفين ثم اغتالوه، وكفروا خصمه معاوية وفشلوا في اغتياله، وأُطلق عليهم ألقاب: كالشراة (الذين يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله) والمحكمة الأوائل (نسبة إلى قولتهم السابقة) والحرورية (نسبة إلى بلدة حروراء التي اجتمعوا فيها)، ولاحقاً انقسموا إلى فرق متعددة يجمعها اسم «الخوارج» الذين اعتمدوا تكفير المخالفين وتكفير مرتكبي الكبائر وعدم الاعتراف بالسلطة الحاكمة والخروج عليها والتشدد في تطبيق أحكام الدين، وقد سمّت كل فرقة زعيمها «أمير المؤمنين».
وعلى رغم مرور أربعة عشر قرناً، لا تنفك تلك الفتنة تشتعل كلما نفخ في رمادها، وقد اعتبر الخوارجُ المنظرين الأوائل للفكر الديني المتطرف أو المتشدد على مر العصور وصولاً إلى وقتنا الحاضر، فلا يتعجب القارئ إذا رأى ذلك الفكر ينبعث في هذا الزمن أو رأى التشابه الواضح بين المقولات القديمة والحديثة، رغم تصدي علماء الإسلام للرد عليهم. وخصوصاً أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أصحاب ذلك الفكر وحذر منهم في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري في قصة الرجل الذي اعترض على قسمة النبي وإعطائه لصناديد قريش أكثر من غيرهم فقال: اعدل يا محمد، فقال الرسول: «ومن يعدل إذا لم أعدل»، ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله، فقال الرسول: «يخرج من ضئضي هذا (من نسله) قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية».

كل هذا التشابه،
وتكفيريو اليوم يتبرؤون من تكفيريي الأمس!
ويروى أنهم لما خرجوا إلى النهر لقوا مشركاً فأكرموه وأبلغوه مأمنه عملاً بنص الآية: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه». ثم لقوا بعده عبد الله ابن الصحابي خباب ابن الارت وفي عنقه مصحف، ومعه جارية وهي حامل، فجادلوه في مسائل ثم أخذوه إلى شاطئ النهر فذبحوه، فاندفر دمه على الماء وجرى مستقيماً وقتلوا جاريته وبقروا بطنها.
بناءً على ما سبق، نستنتج التشابهات التالية:
«يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»: فيجمعهم الالتزام ببعض تعاليم الدين، بل يتشددون في تطبيقها من صلاة وصوم، ويغترون بعبادتهم بلا أدنى فهم لروحية التشريع ومقاصده، وهذا ما يوصلهم إلى التناقض الفكري، فهم يريدون أن ينشروا السلام بالقتل، وينشروا الحرية بالقمع.
عدم الاعتداد بأهل العلم، وكل من لا يوافقهم من العلماء «يكفر»، وإن كان الأسلاف كفَّروا عدداً من كبار الصحابة، فهم اليوم لا يعتدون بسلطة دينية إلا سلطة أميرهم أو مفتيهم، والذي غالباً ما يكون حظه من العلم الشرعي يسيراً، ربما لانشغاله بالجهاد!
عقلية التكفير والتحريم: وذلك نتيجة لقلة العلم في الدين والتعمق في فهمه والتفسير الظاهري لنصوصه، فكلما مروا على آية أو حديث فسروه بحسب ظاهره وليس بالعمق الذي يتطلبه النص، وهذا يؤدي إلى كثرة التكاليف القائمة على كثرة المحرمات وكثرة الواجبات. وسأكتفي بمثال مختصر وهو قوله الله في القرآن: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»، إذ تعتبر هذه الآية أساس المنهج التكفيري، وهي بالطبع لا تعني ما يصبون إليه من أفكار وما يفرعونه منها من أحكام. فعلى قولهم نستنتج هذه المعادلة: «كل من لم يحكم بما أنزل الله يكفر، وكل من يرضى بذلك أو يساعد عليه يكفر أيضاً»، فقد توسعت دائرة الكفر إذن، وقد تتوسع أكثر وتبلغ مداها في الاتساع إذا عرفنا أن من يداوم على ارتكاب الحرام هو بعينه الحكم بغير ما أنزل الله! وهذا ما لم يقله المسلمون بإجماعهم، عدا الخوارج طبعاً الذين اعتبرناهم «الأسلاف».
رفض السلطة الحاكمة والسعي إلى تغييرها بالقوة: ولعله السبب الأبرز لتسميتهم «بالخوارج»، فهم خرجوا على علي وقاتلوه وقبله عثمان، وما زالوا يخرجون على الحكام (بغض النظر عن شرعيتهم)، إلا أنها سلطات قائمة تنبغي مواجهتها بطرق حضارية عدة.
الاغتيال والقتل والعمليات الانتحارية: اغتالوا علي بعملية شبه انتحارية، إذ تربص ابن ملجم له عند خروجه لصلاة الفجر وضربه بالسيف من وراء ظهره ثم قُبض عليه وقتل، وأرسلوا من يغتال معاوية فأصيب ولم يمت وقبض على الفاعل، وأرسلوا من يقتل عمرو بن العاص فقتل بديله خارجة وقبض على الفاعل. كل تلك العمليات جرت في وقت واحد عند صلاة الفجر وسط جماهير المصلين، وبالطبع القاتل كان يريد الجنة! فقارن، ثم انظر كيف قتلوا عبد الله بن خباب وزوجته لأنه لم يوافقهم فكرياً، وكذلك قتالهم للمسلمين في عدد من المعارك واستباحتهم قتلهم وأموالهم وأعراضهم.
هذه هي الخطوط العامة التي تجمع أصحاب المناهج المتطرفة، ولو تعمقنا بفكرهم أكثر لوجدنا تفاصيل بسيطة تجمعهم كالانقسامات الحزبية والتسمية بأمراء المؤمنين، وتشكيل دويلات صغيرة وحكمها، وطرق القتل والتشويه، وعقلية التحريم، والقتل على أدنى شبهة فضلاً عن تنفيذ الأحكام الشرعية من دون قضاء شرعي. كل هذا التشابه، وتكفيريو اليوم يتبرؤون من تكفيريي الأمس!
لذا فالدعوة اليوم لمحاربة الافكار الإلغائية والإقصائية التي تفرعت من السنة والشيعة على حد سواء، واشتبكت في حروب ميدانية وإعلامية، لأن ذلك من شأنه أن يشوه الصورة الحضارية التي قررها الإسلام من فجر ظهوره.
* كاتب لبناني