كان وزراء الحسن الصباح إبان حصار الفاتح المغولي هولاكو لقلعة «ألاموت» يتشاورون بقلق دائم. أما هو، فقد كان يخرج كل ليلةٍ ليتفرج من شرفة قصره المرتفع ليعود ويخبرهم: «البرد والشتاء سيتكفلان بهم. لا حاجة لإرسال «عمالنا» إليهم».

(من كتاب «التاريخ الخفي لدولة الحسن الصباح»).

صعدت خلافات السلطة الفلسطينية «الداخلية» على الأخبار المحلية في الساحة اللبنانية بعدما تعرّض قائد ما يسمى «كتائب العودة» (القريبة من حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح») أحمد رشيد مع شقيقيه للتصفية على يد مجموعة «أنصار الله» التابعة للقيادي جمال سليمان (القريب من حزب الله)، دون أن تستنفر «فتح» أبداً على عادتها حين تعرّض قياداتها للخطر، فكيف الاغتيال. التساؤلات كانت كثيرة، لكن الإجابات كانت أكثر وضوحاً، سكتت «فتح» لأن ما حدث كان على ما يبدو بمعرفةٍ منها، فالرشيد كان قد التقى بالسيدة جليلة دحلان، زوجة محمد دحلان، القيادي السابق الذي لا يحمل أية صفة رسمية حالياً في فتح، والذي يخوض معركة شرسة صراعاً على كل شيء مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «أبو مازن» للفوز بالكعكة الكبيرة: رئاسة السلطة الفلسطينية.

يخطئ من يعتقد أن هذه المعركة أقل من معركة حياة أو موت بالنسبة إلى الرجلين. هي «أم المعارك»، فإما أن تفوز بكل شيء، أو تخسر كل شيء. الفائز سيصبح «الرئيس»، سيستقبل من جميع الدول (التي سيزروها طبعاً) استقبال الزعماء والقادة، ستصبح الأموال «طائلةً» بين يديه، وستخلد ذكراه بصفته الزعيم الأوحد للشعب الفلسطيني (فضلاً عن حماس وقيادتها لفرعها الخاص من الشعب الفلسطيني). الخاسر؟ لن يبقى لديه أي شيء. سيلاحق قانونياً بتهمة الفساد، وإذا ما قُبض عليه، فسيرمى في السجون، ربما ليس لوقت طويل (كما حصل مع دحلان سابقاً)، يمكن أن يطرد خارج البلاد (أيضاً كما حصل مع دحلان)، وستصادر كل أمواله، بل وحتى سيطرد من حركة فتح (أيضاً وأيضاً مرّ دحلان بالتجربة نفسها).

دحلان: «وجهي فلسطين»
قتل «البريزيركر» (Berserker) بيده الضخمة نصف الجيش، النصف الآخر مات حين رآه. أتظنني أمزح؟
(من قصيدة للشاعر النرويجي هافارد ريم)


الرجل ذو الملامح الفلسطينية القاسية، والوجه الفولاذي كما يلقبه محبوه. أصغر سناً، أقوى شكيمةً، وبالتأكيد ذو علاقاتٍ ترجع إلى سني سجنه الأولى مع مخابرات دولٍ كثيرة. ترجع شهرة أبو فادي إلى سببين: أولهما أنه أحد مؤسسي «صقور فتح» في غزة قبل عام 1981، وثانيهما أنه (بالاشتراك مع زميله «الأولمبي حالياً» جبريل الرجوب) كانا اليد «القاسية التي لا ترحم» لجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني الذي أنشأ بعد اتفاقية أوسلو في تسعينيات القرن الماضي. قسوة الرجل مع معارضيه، وسيطرته الفولاذية على قطاع غزة، أسست لخمسة أمور مهمة: أولاً: محبة جارفة بين الفتحاويين للرجل، فلطالما حلم الفتحاويون برجلٍ بمثل قوته، الأمر الذي جعلهم يطلقون على غزة إبان حكمه لها: «دحلانستان» (وتعداهم الأمر إلى بعض المجلات الأجنبية ومراسلي بعض قنوات التلفزة الغربية آنذاك) فهو الشخص الذي وقف في المجلس التشريعي الفلسطيني (ناجحاً عن مقعد خان يونس) ليهاجم حماس وقادتها، وليظهر بعدها في فيديو (قبيل انقلاب حماس وسيطرتها على السلطة في غزة)، صارخاً بصوتٍ عال وهو في الشارع: «بدهم يطخوني خليهم يطخوا، هيني أنا في الشارع واقفهلم ومش خايف». ثانياً، قناعةٌ تامة لدى الغرب وأميركا وحتى إسرائيل بأن الرجل ينفع تماماً كدرعٍ أمام تمدد الحركات الإسلامية: حماس، الجهاد، وبعض المتطرفين السلفيين الجهاديين، (رغم كبوة غزة وانقلاب حماس). ثالثاً، ظهوره أمام قيادات فتح بمظهر «المتميّز»، لكونه الوحيد الذي وقف أمام الزعيم الأبدي لحركة فتح «أبو عمار» وعارضه وبقي حياً ليروي ذلك، فهو بدأ منذ عام 2001 بانتقاد سياسات «الختيار» (اللقب التحببي لعرفات) علناً. حتى إنه رفض علناً وأيد تظاهراتٍ رافضة لتعيين موسى عرفات (ابن شقيق أبو عمار) رئيساً لشرطة غزة في عام 2002. رابعاً، رخاء الرجل المالي، ففضيحة «معبر المنطار» (أو كارني بالعبرية) كشفت أنه منذ عام 1997 ولغاية استقالته من منصبه رئيساً لجهاز الأمن الوقائي في غزة، ظل دحلان يرسل 40 بالمئة من عائدات المعبر يومياً (قرابة مليون شيكل شهرياً) إلى حسابات شخصيةٍ تابعةٍ له. هذا يعني أنه يمتلك قدرةً مالية تجعله قادراً على التحرك في أفقٍ سياسيٍ معين وتمويل «أحبائه» و«مؤيديه»، دون مد يده لدولةٍ خارجية (على الأقل في المرحلة الأولى، ومهما كانت أحواله، على الأقل لضمان إخلاصهم). خامساً، علاقة أكثر من «ممتازة» مع جميع من يحتاجه للوصول إلى ما يريده، فضلاً عن حمايته الدائمة. فالرجل – مثلاً – مرّ بجميع التجارب ولا يزال حياً، عارض الجميع: أبو عمار، أبو مازن، حماس، نظام حسني مبارك المصري، وحتى إسرائيل، واستطاع النفاذ والبقاء قوياً. علاقاته إسرائيلياً تمتد عميقةً وترجع إلى أيام سلطته في غزة (آمنون شاحاك من الجيش الإسرائيلي، ويعقوب بيري المخابرات الصهيوني – الموساد مثلاً)، أميركياً، قابل الرجل كل وزراء الخارجية الأميركيين، فضلاً عن علاقةٍ أكثر من رائعة مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. في الإطار عينه، لم يضيع الرجل طريقه عربياً، فعلاقته مع رجل مصر القوي عبد الفتاح السيسي تبدو واضحةً جليةً، حتى إن حماس (أعداءه القدامى) استعانوا به لفتح ثغرةٍ في جدار علاقتهم المتأزمة مع مصر أخيراً. الدول العربية الأخرى، وإن أبدت خشونةً بعض الشيء في تقبّل الرجل علناً، تستقبله استقبالاً «حميماً» كلما زارها، كقطر والإمارات (التي له فيها «مصالح» اقتصادية).
الرجل الذي قال يوماً لصحافية أوروبية حينما سألته عن ملامحه الشرق أوسطية، فأجابها: تأملي وجهي، هذا ليس وجهاً شرقاً أوسطياً فحسب، وجهي هذا هو فلسطين.

أبو مازن: لا يغرنكم الشيب!
الفأرُ يصل بسرعةٍ أكبر إلى الجبنة من الثعلب، تلك مسألةٌ بديهية.
(من كتاب الأمير لمكيافيلي)


هو «لاعب النرد» من قصيدة الشاعر الفلسطيني الشهير محمود درويش. يميل إليه الأوروبيون أكثر بكثير من خصمه «المميت». فهو لم يخض في الدم والقسوة والعنف شأن غريمه. كذلك إن شكله «المتسامح» و«الأوروبي» يجعله الأكثر حظاً بالبقاء على رأس السلطة (لربما لحين وفاته). الأخ الرئيس، كما يحب أن ينادى، ذو الـ 79 عاماً، صلبٌ للغاية، رغم ملامحه التي توحي بالوهن، ولربما هي ميزةٌ للرجل فوق أي ميزةٍ أخرى. فلطالما استهان الآخرون بقدرة الرجل على الصراع، حتى إنه لم يحتسب يوماً ضمن المرشحين لخلافة «الختيار»، لكن براغماتية الرجل وصعوده الخارق متفوقاً على أسماء كبيرة مثل أحمد قريع الذي هزمه في انتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح في 2009، وطرده لأرملة أبو جهاد الوزير «انتصار الوزير» برمزيتها من المجلس عينه في السنة ذاتها، فضلاً عن تخلصه المباشر (أو غير المباشر) من أبو اللطف «فاروق القدومي» الذي كان أبرز ورثة الختيار، كل هذا لم يجعله فقط الرقم الأصعب في فتح حالياً، بل وحتى مستقبلاً.
تأتي قوة الرجل من نقاط عدة، لربما أبرزها معرفته بساحة المعركة أكثر من خصمه الأصغر سناً، فهو خبرها منذ سنين طوال، فضلاً عن تعامله مع معظم أطراف اللعبة الدولية من أصغرهم إلى أكبرهم. وهي نقطةٌ تحتسب له بنحو كبير، حيث تشير إحدى الروايات إلى أن الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش كان قد التقى بأبو مازن إبان زيارة لوالده جورج بوش الأب وتعرف إليه وقتها. لا يريد الرئيس العودة إلى صفد، التي ولد فيها، إلا زائراً بحسب ما صرّح في إحدى مقابلاته أخيراً، ولا يريد تحميل الكيان الصهيوني عبء مشكلة «العائدين»، فضلاً عن تصريحه «اللافت» لجريدة «الشرق الأوسط» اللندنية، بأن «الكفاح المسلّح دمر ما يكفي، وعليه أن يتوقف». هو يعرف جيداً أن هذه التصريحات هي ما تبقيه على رأس هذه السلطة، وستبقيه أكثر، لأن خصمه لا يجيدها ولا يعرف كيفية صياغتها بعد. فدحلان وإن أجاد ألعاب المخابرات وما تحت الطاولة، فإن أبو مازن هو سيد «الاستعراضات» المباشرة، فهو تخلّص بنحو سريع وحاسم من كل معارضيه داخل الجسم الفتحاوي، فنتائج انتخابات 2009 في اللجنة المركزية لحركة فتح تشهد إحكام سيطرته عليه فحسب، بل تخلصه من جميع مناوئيه وأعدائه. يومها أدخل 14 شخصيةً جديدة عليه، وأبقى أربعة من الجيل القديم فيه فحسب. نقطة أخرى تضاف إلى الرئيس، هي أنه استخدم دحلان – بنفسه حتى – كرأس حربة إبان صراعه مع أبو عمار في 2003، واستغل ذلك بكل قوة، نافياً أن يكون هو المحرض على هذا الخلاف، بل بالعكس، رمى كل الأمر «بثقله» على دحلان، فتجنب «غضب» عرفات المباشر، وإن ظل الختيار لا يحب الرجل، لكنه كان يقول عنه بأنه «أفضل الخيارات السيئة» كما نقلت عنه صحيفة «دير شبيغل» مرة، ولم ينف أو يؤكد هذا الكلام رسمياً.
يتنافس الرجلان، هذا قد يبدو أمراً صحياً، قد يبدو حتى أن الأوروبيين يعتبرونه منافسةً ديموقراطية «طبيعية»، لكن لا شيء في فلسطين طبيعيٌ البتة. فلا سلطة حقيقية يتنازع الرجلان عليها فعلياً، الأرض يسيطر عليها الجيش الصهيوني، قوات الأمن هي أقل من قوات شرطة ولا تملك أية أسلحة فعلية. نصف أراضي السلطة، أي قطاع غزة تحديداً، تسيطر عليها حركة حماس التي تحكمها دون العودة لأحد. على ماذا يتنافسان إذاً؟ ثلاثة إجابات: المال، النفوذ، المجد الذاتي. أما فلسطين؟ فلها الله.
* كاتب فلسطيني