في حمأة العصبيّات المذهبيّة والطّائفيّة والعرقّية... استنبشت مفاهيم ومصطلحات جديدة من قبور التّاريخ ومدافن التّراث، لتستخدم كأدوات بالية في أكثر من موقف تحريضي، بهدف تغذية الصراعات المذهبيّة والدينيّة، وإلهاب نارها.
واحدة من هذه المصطلحات مصطلح الرّافضة، حيث فشا أخيراً انتشار النّار في الهشيم اليابس، وأصبح مرادفاً لفعل القتل، وفتاوى الإجرام، وأعمال الإرهاب... وهذا يطرح أكثر من سؤال حول نشأة هذا المصطلح، بما يحمله من تلك الدلالات العنصريّة وكيف أصبح يؤدي تلك الوظيفة، وعن التّحول الذي طرأ عليه حتى غدا كائناً اصطلاحياً هجيناً، يحمل كلّ تشوهات التّاريخ، وتغول السّلطة، واستغلال الدّين.

الرّفض لغة بمعنى التّرك، لكنّه في الاصطلاح - وفي فترات تاريخيّة سابقة - كان يعني المعارضة، وذلك قبل إعادة تدويره من قبل السّلطة آنذاك. فعندما كان يقال: الرّافضة، فالمراد المعارضة، وعندما كان يقال الرّوافض، فالمراد المعارضون حيث لم يكن يحمل هذا المصطلح حينها، سوى تلك الدّلالة السّياسية، لا أكثر ولا أقل. بمعزل عن أي حكم قيمي، ومن تكون السّلطة؟ ومن هي المعارضة؟ وفيما تعارض، وعلام...؟
هذا ما كانت عليه دلالة هذا المصطلح في القاموس السّياسي الذي كان متداولاً في التّاريخ الإسلامي إلى النصف الثاني من القرن الأول الهجري، فما الذي حدث أثناء، وبعد ذلك التّاريخ؟
الذي حدث هو أنّ طائفة إسلاميّة بعينها - وهي تلك الطائفة التي اتبعت الامام علي - قد أصبحت في موقع المعارضة للسلطة الأمويّة- التي دام حكمها حوالى سبعين عاماً- فأصبح يطلق عليها الرافضة، وغدا يطلق على أبنائها الرّوافض. وذلك في أوائل، او أواسط النصف الثاني من القرن الأول الهجري، حيث لم تكن دلالة ذلك المصطلح، تتجاوز في بداية الأمر ذلك المعنى الذي ذكرناه، أي المعارضة والمعارضون.

لقد أصبحنا أمام
معنى إصطلاحي يحمل كلّ
تشوهات السلطة

لكنّ نتيجة لسياسات القمع، والاضطهاد، والإلغاء، التي مورست بحق مجمل أطياف المعارضة آنذاك - وخصوصاً تلك الطائفة - فقد أصبحت الأمور تأخذ منحى مختلفاً، وخصوصاً حين عمدت السّلطة آنذاك إلى استثمار العامل الدّيني في ممارسة تلك السّياسات، ولجأت الى الاستفادة من زمرة من فقهاء البلاط، حيث كان البعض من رواة الحديث المتاجرين بدينهم عرض الدّنيا حاضرين لاختلاق كلّ ما يطمح إليه السّلطان من نصوص ومفاهيم دينيّة، تشبع نهمه إلى سحق المعارضة - الرافضة، والقضاء عليها.
وقد نجحت تلك السلطة في توظيف العديد من رجال الحديث لديها، وتالياً تشويه تلك المعارضة وشيطنتها. وانتهجت التّكفير الدّيني ليكون ذريعةً إلى التّكفير السّياسي، فعمل على استثمار جميع القيم الدينيّة، ومجالاتها المعرفيّة في تنفيذ تلك الحملة على المعارضة، فاستخدمت علوم التّفسير، والحديث... لتجريد تلك المعارضة من أي فضيلة لديها، وإلصاقها بشتى أنواع الموبقات الدينية وسيئاتها، فاتهمت المعارضة-الرافضة بالشّرك، والكفر، وتمّ توجيه الدّعوة إلى قتل كلّ من يوصم بالرّفض، واستحلال دمه وماله، لتصل الأمور بعد سنوات من الزّمن - ونتيجة لجهود مكثّفة من فقهاء البلاط وعلماء السّلطان- إلى منظومة متكاملة، استوطنت التّراث الإسلامي وفقهه، وائتزرت شرعيّة الدين وقدسه، لتتضمن- فيما تتضمنه- أنّه يُشهد على الرّافضي ولا تقبل شهادته، ويمحى اسمه من ديوان بيت المال، وأنه لا يصلى عليه (في حال وفاته، أي ليس مسلماً) ولا يصلى خلفه، ولا تقبل روايته، فضلًا عن ممارسات الإرهاب الفكري والنّفسي، والوصم الدّيني والاجتماعي، وثقافة موغلة في العنصريّة، وغيره من الأحكام التي تحمل كلّ معاني القمع، والاضطهاد، والالغاء، والإقصاء.
لنصبح بعد مدة من الزّمن أمام تراث عنصري، عنفي، الغائي، تشكّل نتيجة ملابسات تاريخيّة، ونبع من ذلك الاستخدام الرّخيص من قبل السّلطة لأولئك الرّواة المأجورين، وفقهاء البلاط بوجه المعارضة. لكنّه أصبح بعد زمن تراثاً يحمل صبغة الله، ويملك شرعيّة الحديث، وقوّة الفتوى، ومخزون الكراهيّة، والتّربية العنصريّة، والقدرة على استنباش كلّ فتن التّاريخ واحقاده، ليستخدم بوجه من يختلف في الدّين أو المذهب أو الرّأي والسّياسة. ولقد كان من أسوأ مفردات ذلك التّراث، مصطلح الرّافضة؛ لأنّه يحمل في أحشائه كل عورات السّلطان وتغوله، وشراهته إلى التّسلط والاستبداد، ولأنه يكنز في جوفه جميع مفاسد تلك الطبقة من علماء السّوء، وفقهاء البلاط.
لقد أصبحنا أمام معنى اصطلاحي يحمل كلّ تشوهات السّلطة، والتّاريخ، والمذهبيّة، والعنصريّة، لكنّه يلبس العمّة، ويرتدي النّقاب، ويتجلبب قميص الدّين، ويجلس على كرسي القداسة، ويتحدّث لغة الفتوى؛ وهو يؤدي أبشع ما يمكن أن يتصوره بشر من تحريض على القتل، وإفتاء بالذّبح، ودعوة إلى ممارسة الإجرام، باسم الله، وتحت راية التقوى.

والذي حصل الآن، أنّ هنالك من اعتقد خاطئاً أنّه بالإمكان توظيف هذا التّراث، واستخدام هذا الفكر، لتحقيق مصلحة أو بلوغ غاية، فاستنبش مصطلح الرّافضة من دارس القبور، وأعيد إحيائه في مكامن الصدور، وهو يدرك أثره في زرع ثقافة العنصريّة، وإثارة شهوة القتل، ومع ذلك فقد ارتضى أن يتوسل به وبغيره، إلى مرام يرتجيه أو قصد يبغيه، فحاله كحال من أراد مداواة الألم بالسّرطان، فلا من ألمه استراح، وما نال بدوائه إلا اسوأ الدّاء.
ولعل أكثر من يستخدم هذا المصطلح واضرابه يجهل معناه وحقيقته، وكيفيّة تشكّله، ويردده ترديد الببغاء كلام صاحبه، وهو لا يفقه انه نتاج سلطة ودعوة فتنة، تخالف ما جاء به الدّين، ونطق به الإسلام، من نبد للفرقة والتنازع، ودعوة إلى الخير والتسامح.
ومن هنا فإنّ ما ينبغي أن يعمل عليه هو تطهير القلوب مما أفسده ذلك التّراث، بل أن يعمل على تنقية التراث نفسه من تشوهات السّلطة، وموروثات العصبيّة، ومكامن العنصريّة، بأن يعرض على كتاب الله تعالى، فما وافقه أخذ به، وما خالفه ضرب به عرض الجدار.
* أستاذ جامعي