حالما طلع صباح الثلاثاء 15-12-2015، على خبر إعلان السعودية إنشاء «تحالف إسلامي» لمحاربة الإرهاب في المنطقة، بدأت الأقلام تسيل حبراً، حول المقاصد الكامنة خلفه. فمن مهللٍ لذلك، مشيراً إلى أن «مملكة الحزم» قد توجت عزمها وحزمها على قيادة العالم الإسلامي على امتداد سعته وسعة دوله... إلى مشككٍ ومفنّدٍ بأن هذا الإعلان لا يستأهل عناء كتابة سطوره، ولا حتى عناء الإستيقاظ حتى الفجر لإطلاقه.
فريق ثالث، نظر إلى إعلان هذا التحالف ومفهوم الإرهاب المطاط الذي ورد فيه والمراد محاربته على امتداد المنطقة، بأنه المدماك الأول لإقامة الدولة أو حتى الدويلات «السنية» فيها، وخصوصاً أن أصحاب هذه النظرة يعتقدون بأن محاربة «الإرهاب السني» في العالم، لن تكون بالتأكيد مجيّرة في نتائجها «للإرهاب الشيعي» وداعميه في الإقليم... لا بل إن هذا «الجناح الإرهابي» الثاني، سيكون عنواناً وبوصلةً جديدة لهذ التحالف في المرحلة التالية.
ولكن - ومع تقديرنا لأراء هؤلاء جميعاً -، فإنني أعتقد بأن التهكم والإستخفاف بهذا الإعلان، فيه الكثير من التبسيط والسذاجة السياسية على حد سواء، فليست القضية تتعلق بدولةٍ منفردة تريد تلميع صورتها في العالم، إنما المسألة تعدت إلى حوالى الـ ٣٤ دولة، تضم بين جنباتها دولٌ بحلة نووية، فضلاً عن أخرى بطاقات تقليدية هائلة! أما أولئك المهللون لـ«مملكة الحزم والعزم»، فقد تناسوا أن هذا التحالف الجديد، ذو أهداف، تصعب على قدرات قيادته السير بها فضلاً عن إمكانية تحقيقها. والمحاججة في ذلك سهلة بحيث أن أقل العرفاء بالسياسة يدركون بأن السعودية بتحالفها الأول ضد اليمن، لم يحقق لغاية الآن أيا من أهدافه هناك.
أما أصحاب الإتجاه الثالث، فإن في تبنيهم لنظرة تعتقد بأن السعودية وتحالفها الثاني، قد أعدا العدة لوأد الدولة القُطرية في المنطقة، التي أرستها سايكس - بيكو القرن الماضي وذلك لمصلحة مشروع التقسيم الطائفي والإثني، بعيداً عن السياسي... فإن هذه المسألة - وإن كانت حلماً صهيونياً وأميركياً مستداماً -، فإن دون ذلك عقبات جمة في سبيل تحقيقه، التي تبدأ عند الصراع الإقليمي والدولي على تثبيت الدولة القطرية الراهنة، وذلك لحسابات تتخطى جغرافيا المنطقة إلى خارجها، ولا سيما في كل من روسيا والصين وباقي الدول الكبرى، ذات الصبغات الطائفية والإثنية المتعددة.

الإعلان السعودي أتى
على بُعد أيام من التدخل
التركي في العراق

من المفيد الإشارة هنا إلى أن الإعلان السعودي الجديد أتى على بُعد أيام معدودة من التدخل العسكري التركي في العراق، الذي حملت تركيا فيه لواء حماية عناصر تدريب الأكراد والحشد الوطني في العراق، وذلك في رسالة عسكرية استباقية عن هوية المشاركين المقترحين لتحرير نينوى من الدواعش، فضلاً عن هواهم السياسي المستقبلي في العراق ما بعد داعش. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على السعودية وجماعاتها المسلحة في الجغرافيا السورية، التي تنوي المملكة - كما تقول - دعمها عسكرياً من عناصر التحالف الجديد، وذلك لحجز موطئ قدم لها في سوريا الجديدة. وذلك سيكون في مرحلة ما بعد وراثة الإرهاب في هاتين الدولتين.
لم تكد تمضي أيام قليلة حتى صدر القرار الدولي 2254، الذي وُصف بأنه خريطة طريق لحل الأزمة في سوريا... وبغض النظر عما يستبطنه من ألغام بين خفايا فقراته، على الصعيدين الإنساني والسياسي، وذلك بهدف التأثير في الإستراتيجية السورية في آلية فرض المصالحات على الجماعات المسلحة، وتحفيز حواضنهم الشعبية على لفظهم.
مع تقدم الأيام، انجلى الغبار أكثر فأكثر عن هذا الوليد «السعو إسلامي» بحلته الحالية وأهدافه المعلنة، ومواقف الدول المشاركة فيه. وذلك تجلى بوضوح من خلال ما ظهر من تداعيات لإقدام السعودية على إعدام الشيخ النمر أخيراً، وما تلى ذلك من تصاعد التوتر الإيراني - السعودي، وصولاً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، التي حذت بعض من دول ذاك الحلف الإسلامي الجديد، حذو السعودية، وإن بدرجاتٍ متفاوتة في ما بينها.
إذاً، وبعيداً عن التسخيف والتسطيح والاستهزاء وصولاً إلى التشطيح والمبالغة في تحقيق أحلام دول، هي أكبر منها، وذلك في ما اطلقته السعودية بالأمس القريب من «تحالف اسلامي» فإننا نلحظ تكاملا بين «التحالف السعو-إسلامي» ومشروع الصهيونية «النيو فدرالية» لسوريا، وذلك يمثل واقيا مديدا على الأرض السورية للكيان الصهيوني، وبمباركة أميركية مطاطة في جنبات القرار الدولي الأخير أعلاه، وذلك لإبقاء بوصلة صراع الأطراف في المنطقة بعيدةً عن فلسطين لأبعد مدى ممكن. وبذلك يكون التحالف السعودي الجديد، قد أرسى لأميركا المدماك الأول لـ«حرب الوكلاء» في المنطقة، وذلك ما حذّر منه الوزير لافروف في مؤتمره الصحافي الشهير بعد بيان «فيينا ١»، مع جون كيري وبحضور دي مستورا في الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
أخيراً نقول، لعل «معايير انتصار» تحالف أميركا الجديد والقديم في المنطقة، ومعه الكيان الصهيوني في وجه الحزم الروسي والممانع في القضاء على الإرهاب في المنطقة وإعادة الإعتبار للسيادة الوطنية للدول فيها، يكمن من خلال ترك أميركا الحرية للسعودية لإعادة استنساخ تجربة هيلاري كلينتون في إقامة «ميني تحالف الراغبين» ضد إيران، وتجميع ما أمكن من العالم بوجهها، ولكن مع مفارقة جوهرية ربما لم تدركها السعودية، أو هي لا تريد ذلك، بأن عقد دول تحالف الراغبين الكبار، قد فُكت عراه - وبشكل رسمي - في الرابع عشر من تموز من العام الماضي، تاريخ توقيع الإتفاق النووي... وهي ربما المصادفة أيضاً أن سياسة تجميع العالم الوازن مقابلها،والتي عملت عليها هيلاري كلينتون لسنواتٍ طوال، ها هي الدول بعينها تتزاحم اليوم على أبواب إيران وأسواقها، وذلك كله يحدث بالتزامن مع تنفيذ الإتفاق النووي. وذلك سيؤدي - وبالتأكيد - إلى ملء المصارف الإيرانية بالعملة الخضراء، وجزءٌ وفيرٌ منها من أميركا نفسها، التي كانت وزيرة خارجيتها السابقة لكلينتون، كونداليزا رايس، تُكثر من الثرثرة حول «ضرورة «تفليس المصرف المركزي للإرهاب» في إيران.
ختاماً نقول، ربما ذهبت السعودية إلى موسم الحج... و«الناس راجعة».
* باحث وكاتب سياسي