السؤال عن الواقع السياسي الفاسد في بلاد العرب لم يعد مطروحاً، فالأنظمة العربية من المحيط الى الخليج متجانسة في طغيانها وفسادها وخوائها. ولعل أبلغ ما قيل فيها جاء على لسان الشاعر العربي الكبير مظفر النواب:

فهذا الوطن الممتّد من البحر إلى البحر سجون متلاصقة... سجّان يمسك سجّان. فالخلاف حول تشخيص الأنظمة العربية لم يعد قائماً، فقد زوّدنا كل نظام بما يكفي من الذرائع لرفضه والثورة عليه واجتثاثه.

السؤال الذي بقي عالقاً بين القاهرين والمقهورين يتمحور حصرياً حول البديل. ولفرط ما أصاب الشعوب من قنوط كفّت عن الإيمان بإمكان أن يولد بديل من أحشاء نظام أدمن على جعل القهر قدراً، وتالياً فقدت هذه الشعوب بمرور الوقت الإحساس بالألم، بعد أن تحوّل حتمية لا فرار منه. ما قبل الربيع العربي، كان الانطباع العام هو أن ضحايا النظام الاستبدادي قد يقتفون سيرته فينجذبون الى طباعه بملء إرادتهم أو بفعل التطويع المزمن لإرادة المحكوم، بما يفضى الى استلابه وتماهيه مع المستبد.
كانت شروط الانفجارات الشعبية على امتداد بلاد العرب من المحيط الى الخليج ناضجة، ولم يكن يتطلب وقوعها عملاً خارقاً، فحادثة بوعزيزي في تونس كان يمكن عزلها، وقد وقعت آلاف الحوادث أمثالها في سنوات سابقة في أرجاء متفرقة من بلاد العرب ولم تحدث ردود فعل شعبية، ببساطة لأن التاريخ لم يستكمل بعد شروط بزوغه الثوري.
بيد أن من الخطأ نفي التصوّرات الأولى عن الدولة المأمولة على وقع تدّفق السيول البشرية نحو شوارع العاصمة والمدن الأخرى في تونس. حينذاك، لم يكن للتشكيلات الحزبية التقليدية الدينية والعلمانية وجود بعد في نسيج الثورة، وكانت الشعارات المرفوعة نقيّة وعفوية ومن وحي الأفعال الشعبية وردود الأفعال الرسمية. ميزة الثورة التونسية وبقية الثورات العربية في أيامها الأولى أنها بلا لون اجتماعي أو إيديولوجي محدّد، وأمكن القول بأنها ثورات وطنية بامتياز. في اللحظة التي تصادمت حركة التاريخ الموضوعي والمتدفق والدينامي الصانع للثورة بتمثيلاتها الشبابية وواقع التاريخ الستاتيكي الماضوي بتمثيلاته الحزبوية التقليدية أجهضت فرصة ولادة بديل حقيقي وشرعي وتوافقي. خلاصة الاعتراض على التصادم هذا: لماذا تغلّب الواقع التاريخي على حركة التاريخ بالرغم من امتلاك الأخير قصب السبق في تفجير الثورة وحيازتها عنفوان التغيير؟ وهنا لا بد من تسجيل حقيقة: ليس كل ما هو متعارض مع حركة التاريخ يفنى، ففي حياتنا الكثير من الوقائع التي فقدت مبرر وجودها ولكن لا تزال تعمل وتؤثّر في مجريات حياتنا. ولعل وجود أنظمة استبدادية تعجز عن إدارة قطيع من البهائم خير مثال على إمكان رسوخ وقائع فاسدة أمداً زمنياً طويلاً.

كان خطر احتكار
السلطة من قبل حركة النهضة قائماً منذ البداية

في كل بلدان الربيع العربي، كان الأمل في ولادة أنظمة سياسية حديثة مستمدة من توافق المجموعات الشبابية التي شكّلت الرأسمال الشعبي للثورة، كونها مجموعات منسجمة في رؤيتها، في أهدافها، وفي آليات التداول على السلطة، ولم تخضع تحت تأثير الماضي، فكراً وتجربة وعُقَداً. لأسباب باتت معلومة الآن، إن الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا والبحرين لم تنجب أنظمة سياسية تحمل السمات الوراثية للثورات تلك، أي أنها لم تبلور بدائل فعلية تحظى بإجماع الثوّار أولاً قبل أي جماعة أخرى. ما حصل على وجه التحديد، أن شكلاً جديداً من الصراع على السلطة فرض نفسه على تخوم الثورات الشعبية، فتوارت المجاميع الثورية وصعدت القوى الحزبية التقليدية الدينية والعلمانية كي تقود دفة الصراع باسم الشعب في مواجهة النظام الذي سقط شعبياً وعملياً.
استنزفت الثورات بقية مخزون القوة لدى الأنظمة الاستبدادية في بلدان الربيع العربي على المقاومة والبقاء. وبدلاً من أن تعمل القوى الحزبية التقليدية على تنضيج البديل الديمقراطي من خلال إرساء بنى الشراكة الشعبية وتعزيز دور المؤسسات الثورية، لجأت، أي هذه القوى، الى آليات النظام البائد نفسها لناحية إعادة انتاج الاستبداد السياسي. إن التقويم الشامل لأداء أنظمة ما بعد الربيع العربي يوصلنا الى نتيجة واحدة: فشل البديل. ونستدرك هنا: إذا كان النجاح نسبياً، فإن الفشل نسبي أيضاً، وإن المقارنة وحدها مصدر نجاة لنا من الوقوع في مطب التعميم والأحكام الجائرة. في تونس، على سبيل المثال، كانت الثورة تخوض صراعاً من أجل الحياة. في الأيام الأولى بعد سقوط زين العابدين بن علي، كان الحديث يدور حول تماسك البنية الأمنية القديمة التي قد ترغم الثوّار على التخلي عن ايمانهم بها من خلال عودة النظام السابق بأزياء جديدة تحمل سمات الثورة ولكن يكيد لها في الخفاء. كان خطر احتكار السلطة من قبل حركة النهضة قائماً منذ البداية، ولكن تجربة الثورة المصرية شكّلت واعظاً فعّالاً لها من الوقوع في الخطيئة، أي الاحتكار المفضي إلى الثورة المضادة. تنازلت النهضة عن زهوها السياسي والإيديولوجي لصالح البقاء في حلبة السلطة، وفضّلت تقاسم الربح مع الجماعات الأخرى على الخسارة الكاملة. في مصر، كان الحال مأساوياً، فالإخوان الذين جاؤوا متأخرين إلى الميدان خرجوا في مرحلة مبكرة من السلطة. ولا بد من التفريق بين فشل الجماعة في صوغ بديل توافقي يحظى بقبول شعبي، وبين الانقلاب الساخر في 30 حزيران 2013 وإن تلطى وراء تمرّد شعبي مخادع. فثمة ملايين وجدت نفسها تحت تأثير عملية ماكرة أفضت الى عودة الأوضاع الى سابق عهدها زمن نظام مبارك، بل قد يكون الحال أسوأ مما يمكن تخيّله لأن الديكتاتورية العسكرية تأتي اليوم محمولة على صنادق الانتخاب. وهذا يتطلب وقفة تأمل في تجارب الحكم في مصر. فقد تبنى الرئيس الأسبق أنور السادات مقاربة فريدة للديمقراطية في مصر انطلاقاً من قانون تنظيم الأحزاب الذي عرض على مجلس الشعب، فنجح، وباسم الديمقراطية، في تقويض المؤسسات الدستورية في مايو/ أيار 1971، وباسم الديمقراطية صدر دستور دائم استفتي فيه الشعب في 11 أيلول 1971، وخوّل الدستور لرئيس الدولة سلطات لم تكن له من قبل، بحسب المادة 74 والتي تمنح رئيس الدولة في حال وجود خطر يهدد الوحدة الوطنية أو يعرض سلامة الوطن للخطر أو يحول دون أداء مؤسسات الدولة لدورها الدستوري ان يتخذ الاجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر. وقد استعمل السادات هذا التخويل بإلغاء مبدأ التعددية الحزبية وشدّد العقوبة على انشاء الاحزاب والجمعيات السياسية بأن رفعها الى الاشغال الشاقة المؤبّدة. وبحسب قانون الوحدة الوطنية رقم 34 الصادر سنة 1972 باتت كل الاحزاب السياسية منضوية حكماً تحت مظلة الاتحاد الاشتراكي بوصفه التنظيم السياسي الشرعي والوحيد في مصر.
وبإمكان المرء أن يتخيّل صورة الديمقراطية في مصر في ظل قانون الطوارءئ الذي بقي ساري المفعول حتى اندلاع ثورة 25 يناير 2011. وما يجدر التذكير به أن أغلب التدابير القمعية التي سنّها السادات كانت تتم عن طريق الاستفتاء الشعبي بما في ذلك الدستور، وورقة أكتوبر في 15 مايو/ أيار 1974 التي تخوّل السادات حق حظر تكوين الأحزاب. في الخلاصات، نجح السادات في تحويل الديمقراطية في مصر إلى مشكلة، وباسمها جرى تمرير القوانين الاستبدادية وبطواعية من الشعب، وفي بعض الحالات عبر الاستفتاء الشعبي المباشر أو غير المباشر، أي عن طريق ممثليه الافتراضيين في مجلس الشعب.
وهنا نتوقف أمام نقطة في غاية الخطورة، وهي المفتاح لفهم مالذي حصل في مصر بعد 30 يونيو 2013، وما الذي يجعل إمكان أن يعيد السادات إنتاج نفسه في التجارب اللاحقة وفي تجارب مماثلة في بلدان عربية أخرى. إن وجود آليات ديمقراطية في أي بلد لا يعني بالضرورة الوصول الى نتائج ديمقراطية. على سبيل المثال، إن إقرار مبدأ الانتخاب في بلد ما قد لا يسفر عن وصول رئيس ديمقراطي أو يحقق الغاية من الديمقراطية أي اصطفاء الأكفأ من بين المرشّحين. إننا بحاجة الى النضج السياسي الى جانب الآليات الديمقراطية من أجل ضمان بلوغ الغاية من الديمقراطية. ما حصل في مصر، ومن المؤسف أن الحال لا تزال باقية، أن افتقار الشعب، في عمومه الى النضج السياسي، يحيل الديمقراطية أداة لإنتاج الاستبداد والديكتاتورية في أسوأ أشكالها. فالاستفتاء الشعبي لا يوصل بالضرورة قائداً ديمقراطياً ولا يصنع دستوراً ديمقراطياً، بل قد يؤول الى نتيجة كارثية. ينقل رينهولد نيبور في كتابه (رجل الأخلاق والمجتمع اللاأخلاقي، نيويورك، 1931) رؤية عالم السياسة الأميركي أوسكار جازسي في العلاقة بين تخلف الشعب وشكل النظام السياسي، ويرى بأن تخلف السكّان يجعل من قيام حكومة ديمقراطية حقيقية مستحيلاً. ويضرب مثلاً بالفوضى السياسية في ألمانيا آنذاك، بالرغم من وجود بنية رأسمالية راسخة في البلاد، ولكنها متعارضة مع النظام الصوري للتمثيل الجزئي والذي هو على تضاد مع المبادئ الديمقراطية. ويلخص أوسكار جازسي الجوهر الحقيقي للديمقراطية في «التنافس الحر في اختيار القادة السياسيين»، ولذلك عارض وبحزم مفهوم «الديمقراطية التسلّطية» في شكل ديكتاتورية. فبينما الرئيس الديمقراطي يجب أن يضع في حسابه منافسيه السياسيين وخلفائه المحتملين، فإن موسيليني، على سبيل المثال، أرسل خصومه، الذين صنّفهم خوّنة للبلاد، إلى جزر ليباري.
التصرّف الذي قام به قادة انقلاب 30 يونيو بوضع الرئيس السابق، المنتخب ديمقراطياً محمد مرسي وبقية قادة الجماعة في المعتقل وتوجيه تهديدات مبطّنة الى قادة سياسيين آخرين بمن فيهم قادة حركة 6 إبريل وغيرها بالاعتقال وربما بالقتل، يفشي سر الديمقراطية التي يراد تطبيقها في مصر في المرحلة المقبلة.
ومن أجل تلخيص أزمة البديل في الدول العربية كافة، نحن أمام حالات عدّة أبرزها:
ـ هناك دول محكومة بنظام سياسي يعيق ولادة بديل توافقي بمواصفات وطنية، وهذه الدول لم ترتقِ الى مستوى الدول الوطنية أو أخفقت في إنضاج الشروط الوطنية للدولة. وتشمل هذه الحال البلدان الناشئة حديثاً مثل السعودية ودول الخليج والاردن أو المحكومة بنظام محاصصة طائفية مثل لبنان والعراق.
ـ وهناك دول شهدت ثورات شعبية ولكن جرى اختطافها لاحقاً من قبل قوى أخفقت في تأهيل بديل وطني ديمقراطي يحظى بتوافق غالبية الشعب. وعملية الاختطاف تتم تارة من قبل دول كما حصل في اليمن عن طريق (المبادرة الخليجية) وفي البحرين عن طريق التدخل العسكري المباشر من قبل قوات درع الجزيرة، والهدف من وراء ذلك هو إجهاض البديل الديمقراطي الوطني قبل لحظة ولادته، وتارة عن طريق جماعات مدعومة من دول وهذا ما حصل في سوريا وليبيا. وما زاد في تعقيد الأمر، أن القوى السياسية المحسوبة على الاتجاه الديمقراطي وجدت نفسها طوعاً أم كرهاً منغمسة في لعبة طائفية هابطة، فغدت جزءاً من أزمة البديل. ـ تبدو تونس حتى الآن مثالاً نادراً وإن كن موضع ارتياب، إذ لا تزال تسعى الى تكييف نفسها في ظل ضغوطات الثورة المضادة من الخارج، والتقاليد السارية في عمل أحزاب العالم الثالث باقتفاء سيرة الأنظمة الشمولية التي تحاربها.. لا تكاد تجد في بلدان العرب كافة استثناء في سؤال البديل. فالكل يسأل ماذا بعد سقوط الديكتاتور؟ وبعد التجارب الفاشلة في بلدان الربيع العربي، بات سؤال البديل أشدّ إلحاحاً ومشروعية، وهذا يتطلب ثورة ثقافية شاملة على امتداد بلاد العرب من أجل إنضاج الوعي بالديمقراطية الحقيقية والشاملة حتى لا تصبح مجرد سلاح لمقارعة الخصم أو مشكلة لإقناع الشعب بالتخلي عنها.
* باحث وناشط سياسي سعودي