منذ إقامة الدولة العبريّة على أنقاض الشعب العربيّ الفلسطينيّ، بمساعدة ومباركة الغرب الاستعماريّ، وتواطؤ القيادة العربيّة آنذاك. لم ينفك أقطاب هذه الدولة المارقة عن التصريح جهاراً ونهاراً أنّ سوريا، هذا البلد العربيّ القوميّ، كان وما زال وسيبقى مستهدفاً للأطماع الصهيونيّة، التي تتخطّى حدود فلسطين التاريخيّة. فها هو دافيد بن غوريون، مؤسس دولة الاحتلال، أكبر مثال على ذلك، فهو الذي أطلق مقولته الشهيرة والخبيثة: «عظمة إسرائيل تكمن في انهيار ثلاث دول، مصر والعراق وسوريا»، وبالتالي لا يُمكن بأيّ حالٍ من الأحوال، الفصل بين ما يجري هذه الأيام في سوريا عن الماضي والتاريخ والأجندات الصهيونيّة والغربيّة الاستعماريّة معها.


فاستهداف سوريا لم يسقط يوماً في الاستراتيجيات الصهيونيّة منذ ما قبل زرع دولتها هنا على أرض فلسطين. ومن أراد أن يتأكّد عليه أن يقرأ ما كتبته بوضوح.

■ ■ ■



من نوافل القول والجزم أيضاً إنّ مؤسسي الصهيونية وأقطاب الدولة العبريّة كانوا يستهدفون سوريا بشكل دائم ومنهجيّ، إن كان ذلك في أدبيات هرتزل وجابوتنسكي، ومن ثمّ في مرحلة ما قبل عدوان الخامس من حزيران (يونيو) 1967، أو في مرحلة ما بعد ذلك العدوان. فسوريا بالنسبة لهم كانت وما زالت وستبقى العدو الأول والأخطر في مجموعة الدول العربيّة المحيطة بدولة الاحتلال، وقد ازدادت هذه النظرة إلى سورية حدّة في أعقاب حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، وبشكل خاص بعد أن تهافت الرئيس المصري الأسبق أنور السادات وراء التسوية، والتوقيع على معاهدة كامب ديفيد المعيبة والمُذلّة، حين بقيت سوريا الدولة العربيّة المجاورة الوحيدة التي تتخذ موقفاً علنياً رافضاً للتسويات والتطبيع، وقد تعامل ساسة وقادة إسرائيل مع سوريا على مدى سنوات السبعينيات أو الثمانينيات مروراً بالتسعينيات، وصولاً إلى أيامنا هذه، بوصفها الدولة العربيّة التي تُشكّل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل، وبالتالي فإنّ تسونامي التهديدات العسكريّة الإسرائيليّة والأميركيّة والفرنسيّة وأدواته العربيّة والتركيّة بالتدّخل العسكري في سوريا، تارة تحت بند أنّ سوريا مشتبهة نووياً، وهذا كان بعد غزو وتدمير العراق مباشرةً، وتارة أخرى تحت بند منع نقل السلاح الكيميائي لحزب الله، وثالثة تحت بند منع تّدخل حزب الله في القتال الجاري في سوريا، ورابعة تحت بند التعامل مع تهديد الصواريخ الروسية الحديثة (إس 300)، والذرائع والأسباب لا حصر لها وهي متجددة يومياً. بينما النيات والمخططات قائمة وكامنة منذ عقود من الزمن.

■ ■ ■



سوريا بقيت اليوم وحيدة في المعركة، بعد أن خانها العرب من المحيط إلى الخليج، ثلاث سنوات ونيّف، وجيشها العربيّ العقائديّ يخوض معركة شرسة ضدّ القوى التي تكالبت عليها من جميع أصقاع العالم، فمصر، أكبر دولة عربيّة، تمّ إخراجها من محور الممانعة والمقاومة عام 1979 بعد التوقيع على اتفاق السلام مع إسرائيل. والأدهى من ذلك، أنّ القاهرة اليوم، لا تُقيم علاقات دبلوماسيّة مع دمشق، وأقدمت على سحب سفيرها من العاصمة السورية الـ«شقيقة»، وطردت سفير دمشق، قلب العروبة النابض، كما قال القائد والمُعلّم والمُلهم، جمال عبد الناصر.
تصريحات قادة دولة
الاحتلال تؤكّد أنّ سوريا تُشكّل الخطر على إسرائيل

تدور هذه الحوادث العبثيّة، لا بلْ السرياليّة، فيما يصول ويجول في القاهرة السفير الصهيونيّ، والعلاقات بين تل أبيب والقاهرة في زمن الرئيس البائد، حسني مبارك، وخلفه، الرئيس المعزول، محمد مرسي، والآن في عهد النظام الانتقاليّ، هي علاقات طيبّة، لا بل أكثر من ذلك، علاقات حميميّة جداً، وتحديداً في مجال التنسيق الأمنيّ لإحكام الحصار على قطاع غزّة، تحت بند محاربة الإرهاب التكفيريّ في شبه جزيرة سيناء. وهنا المكان وهذا الزمان للتحذير بأنّ من يُعوّل على السيسي كرئيس مقبل لمصر، لا يُعوّل عليه. ومن الأهميّة بمكان التشديد على أنّ المقارنة والمقاربة بينه وبين القائد الراحل، عبد الناصر، تجعل الأخير يتقلّب في قبره. الرئيس المصريّ المقبل، أعلن في أوّل ظهور تلفزيوني له، هذا الأسبوع، أنّ أول بلد عربيّ سيقوم بزيارته، في حال فوزه بمنصب الرئاسة، سيكون المملكة العربيّة السعوديّة، التي كان قد قال عنها الشهيد غسان كنفاني: السعودية وراء كلّ خيانة، وإذا وقعت خيانة في أيّ مكانٍ، فابحثوا عن السعوديّة. وعليه، فإنّ الأمل بعودة مصر إلى دورها الريادي في الوطن العربي ما هو إلا حلم، أو حتى كابوس، من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً تحقيقه، ذلك أنّ هذه الدولة العربيّة، تُعاني الأمرّين من الوضع الاقتصادي الصعب، والسعوديّة تضُخ لها المال، مقابل إلزامها باتخاذ مواقف مُعادية لسوريا وللعروبة، إذ أنّه من المُسلّمات أن تتمكّن دولة غير مستقلّة اقتصادياً من انتهاج سياسة خارجيّة مُغايرة لتلك التي تتبناها الدولة الداعمة لها بالمال.

■ ■ ■



وعود على بدء: قام رأس حربة الإمبرياليّة في العالم، أميركا، بمساعدة دولة الاستعمار، بريطانيا، التي منحت ما لا تملك لمن لا يستحّق، أي وعد بلفور المشؤوم، بغزو بلاد الرافدين عام 2003. وحوّلت العراق إلى دويلات إثنيّة وطائفيّة ومذهبيّة. والعراق اليوم دولة مُستباحة من جميع الأطراف، إيران تلعب دوراً مركزياً في تفتيت هذه الدولة المفتتة أصلاً، السعودية تقوم بتصدير الإرهاب والإرهابيين إلى العراق للدفاع عن السنّة العرب، العمليات الإرهابيّة تضرب بشكل يوميّ، والشهداء يسقطون بالعشرات، لا بل بالمئات، ودولة بن غوريون العنصريّة والمُعربدة تقوم بتوثيق علاقاتها الاقتصاديّة مع إقليم كردستان العراق، وبحسب المصادر الإسرائيليّة الرسميّة، فإنّ أكثر من 600 شركة تجاريّة إسرائيليّة تعمل في العراق، بما في ذلك العاصمة بغداد، تحت مسّميات مختلفة. وهكذا تربح الدولة العبريّة الأموال من هذا البلد النازف، في ما يقوم العرب والمُسلمون بقتل بعضهم بعضاً. وعلى الرغم من أنّ هذا البلد العربيّ يتمتّع بثروة نفطيّة هائلة، إلا أنّه سيبقى في مصاف الدول الفاشلة، لأنّ الدول التي استباحته لها أجندات متناقضة، يدفع ثمنها بالدم الزكي المواطن العراقي العادي. علاوة على ذلك، يجب التشديد على أنّ الاستعمار أدخل إلى مُعجم العرب مفردة قديمة - جديدة، فلا يكفينا النزاعات الطائفيّة، بل إنّ الاستعمار وزبانيته أرسى الخلاف المذهبيّ بين السنّة والشيعة، وهذا أخطر بكثير من التقسيم الإثني والطائفي والعرقيّ. هذا وإن كان الذنب والخطيئة ليس الاستعمار وحده، بل الجريمة في النخب التي تزكي هذه النعرات ما يَحول دون قدرة المجتمع على التآخي.

■ ■ ■


ولعلّ في الإشارة الموثقّة لجملة من مواقف قادة الدولة العبرية تجاه سوريا عبرة لمن يريد أن يعتبر من المجيشين المضللين في أخطر حملة أميركية صهيونية لإسقاط سوريا الدولة والوطن والتاريخ والدور والتهديد. ففي مطلع كانون الأول 1988، قال الضابط افرايم لبيد إنّ سوريا ما زالت تشكل العدو الأول، والجيش الإسرائيليّ يبذل الجهود كافة استعداداً لمواجهة هذا التهديد، أمّا يتسحاق رابين فعبّر عن قلقه من تحالف القوى العسكريّة العربيّة عمومًا وقال: قليلون هم الذين يلاحظون حجم كميات الأسلحة الحديثة التي بحوزة الجيوش العربيّة، ففي السنوات الأخيرة بذلت الدول العربية مثل سوريا والعراق جهوداً خاصّة للحصول على أسلحة حديثة مثل صواريخ أرض _ أرض، فاليوم تستطيع سورية والعراق إطلاق صواريخ أرض _ أرض تحمل رؤوساً متفجرّة بوزن يتراوح بين نصف طن إلى طن باتجاه إسرائيل، وزاد: لدى سوريا عدد من الدبابات يساوي ثلاثة أضعاف تلك التي بحوزة فرنسا، وجزم قائلاً إنّ التهديد الفوريّ لإسرائيل هو من جانب سوريا.

■ ■ ■


وهناك العديد من تصريحات قادة دولة الاحتلال التي تؤكّد بشكل غير قابل للتأويل أنّ بلاد الشام ما زالت تُشكّل الخطر الاستراتيجي على إسرائيل. وفي هذا السياق، لا بدّ من الاستعانة بالبروفسور الإسرائيلي المناهض للصهيونية يسرائيل شاحك، الذي كان أكثر إصابة وتصويباً في فكّ رموز الاستراتيجيّة الإسرائيليّة عندما قال: إنّ إسرائيل لا يُمكن أن تسمح لأيّة دولة في الشرق الأوسط بتطوير إمكانات نوويّة أو استراتيجيّة، وتُعطي لنفسها الحق في استخدام ما تراه مناسباً من وسائل لمنع مثل هذا الاحتمال حتى تظل في وضع احتكار التفوق العسكريّ، على حدّ قوله. والشيء بالشيء يُذكر، فإنّ أميركا سواء في ظل المحافظين الجدد (وهم في غالبيتهم من اليهود الصهاينة الأميركيين)، أو في عهد الديمقراطيين، تُعلن أنّها لن تسمح لأيّة دولة في العالم أنْ تكون موازية لها في القوة. نحن إذن أمام مدرسة واحدة ضدّ البشرية، أميركا على صعيد عالمي وإسرائيل على صعيد إقليمي. وبحسب كلّ الدلائل والمؤشرات، نعتقد أنّ ما يجري في سوريا من تدّخل عسكري خارجي ومن تدمير منهجي ومن إصرار على إسقاط سوريا، لا يخدم في المحصلة العامّة الاستراتيجيّة سوى الأجندة الصهيونيّة، وهي كما هو معروف مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالأجندة الإمبرياليّة وبالرجعيّة العربيّة، التي تقودها اليوم، كما في الأمس وأوّل من أمس، وغداً وبعد غد المملكة العربيّة السعوديّة، الذي قال السيسي عن ملكها إنّه كبير العرب!
* كاتب فلسطيني