لماذا تتجّه التظاهرات إلى ميدان التحرير مثل عباد الشمس باتجاه الوَهج؟

يمتلئ المكان بالحجارة والعربات المحترقة والدبابات والخيام، فيبقى جميلاً مع ذلك. المكان يتبدل، يمتلئ بأمواج من اللِّحى الطويلة، فلا يغضب، أو يبدي بادرة استياء. المكان تحتلّه عربات الأمن المركزي، ويصطف في مداخله جنود الأمن المركزي، ثم يألف الجنود المكان، كأنهم جزء من رحابته الآسرة، المكان لا يلفظ أحداً: «هذه ثورتكم، وهذا بلدكم، وأنا هنا على الدوام».
«التحرير» أغرب ميادين العالم. في جمعة الغضب، تنفست القاهرة مع انسحاب آخر عربات الأمن المركزي وقاذفات القنابل، فاتجهت حشود البشر إلى الميدان، وبدأت اعتصاماً مفتوحاً.
طوال فترة الاعتصام التي انتهت بتنحي الطاغية، حسني مبارك، كان المكان غريباً كأن بناياته وأرصفته وأشجاره تسبح خارج الزمن، فندق «سميراميس» شاغر... «مجمّع التحرير» يخرج من الخدمة، البازارات والمحال إما مغلقة أو مدمرة ومنهوبة بالكامل، ومن بعيدٍ، كان مبنى الحزب الوطني الحاكم يطل محترقاً على المعتصمين، شاهراً لافتة: «عشان تطمّن على مستقبل ولادك»، شعار الحملة التي فاز فيها الحزب ببرلمان الدولة، قبل أشهر قليلة من ثورة الشباب، لكنه الآن الشيء الوحيد المتبقي من نظام أتت عليه النيران بالكامل.
كان الثوار يجمعون أحجار الأرصفة واللافتات والأخشاب والمعادن، الحبيبات يستدفئن من البرد داخل العربات المحترقة والخيام، بشغفٍ يتابعن الشباب وهم يعززون التحصينات على أطراف الميدان، يصنعون من قطع الصفيح دروعاً، ويهيئون خياماً من الأخشاب والملاءات، الحبيبات يبتسمن.
الكون يبدأ وينتهى هنا، والعالم يختفي خلف البنايات القديمة، والشوارع الضاجة بالبلطجية، وحدها الخيام، والوجوه الصامتة، والرؤوس المجروحة، والأذرع ذات الضمادات، وصخب المنصات العالية، والبرد، والإقامة على الأرصفة القاسية، عالمٌ بديلٌ يزدهر بألوان الدم، والشاش الطبي، والملابس المموهة.

المكان جزء من مؤامرة
كبرى تدور حولنا في كل لحظة
من دون أن نشعر

ليس للمكان ذاكرة، المكان دائماً ابن هذه اللحظة، ربما لأننا لا نراه في كل مرة كما هو في الواقع، إنها أعيننا التي تراه مبهجاً، وباعثاً على التعاسة، قاسياً ومقبضاً كأننا نسير في شوارع الجحيم، أو حنوناً يقدم التعازي، فنقبلها منه، من دون أن نقول له: «شكراً».
المكان ليس محايداً على الإطلاق، تسكنه الرغبات الوادعة، والرغبات الشريرة، الشرعية والمُحرّمَة، فيتلوّن بألوانها جميعاً، لا ينتمي لأحد.
المكان جزء من مؤامرة كبرى تدور حولنا في كل لحظة من دون أن نشعر.
قد يكون أليفاً فلا نريد أن نغادره، نود أن نراه، لأنه يحمل جزءاً من ذكرياتنا، لكننا لا نجده دائماً كما تركناه، نعاتبه: كان هنا تمثال، وهنا كانت شجرة، وهناك كان الأولاد يلعبون، ولون البنايات كان مختلفاً، ومن أين أتى كل هذا الزحام؟ فلا يجيب، ربما لأنه لا يعترف بنا أصلاً، يبدو منشغلاً عنا بالعابرين الجدد، أو صامتاً يفكر في أشياء لا تعنينا، أشياء أكبر من تجاربنا، وقدرتنا على التخيّل، وسط شواغلنا التافهة، العارية من كل معنى.
الحقيقة أننا نذهب بعيداً في الوهم، ندّعي أنّ لنا نسباً قديماً مع الأماكن، ونفترض أنها تعرف هذه الصلة أكثر منا، نقول: «هذه مساحة الحب، هذا ملعب المقاومة والنضال، وهذه زاوية الكآبة»، نتألم: لماذا لا يكترثون لرؤيتنا؟ هل كنا تافهين إلى هذا الحد؟
أثناء الثورة، كان «التحرير» سيّداً تتنازع القوى للاستحواذ على أرضه، وبحسب القاعدة، فإن من المفترض أنه إذا انتصر أحد الأطراف، يخلع السيد تاجه، ويمنحه الطرف المنتصر، ثم ينسحب الباقون، تاركين الساحة والشارع والميدان يحتفلون جميعاً بالسيد القائد الأعلى، ذي السحنة الباسمة.
الثوار لا يثقون في أي شيء، الثقة أول طريق الهزيمة، لكنهم توسلوا كثيراً، من دون أن يشعروا، لكي لا يتخلى الميدان عنهم، زرعوا خيامهم في «الكعكة الحجرية»، واحتموا في اتساعه، لم يفكر أحد في بناياته التي اعتلاها القناصة، ولا مداخله التي اقتحمتها الجمال والخيول في ساعةٍ مرعبة.
لو فكروا لحظةً واحدة، لعرفوا أن المكان خادع، لا يؤتَمن على روح، ولا يكترث لدم، ويرفض الانتماء للأبد إلى فكرة واحدة، أو فصيل واحد من البشر.
كيف إذن تمسكوا بهذه المساحة التى تقتلهم فى الحقيقة؟ كيف أصبحوا قطعاً حية من جلالها التاريخي، ودافعوا عنها بالدم والأصحاب والحبيبات؟ في الليل، كان البرد يجبرهم على الصمت، فينكمشون في الخيام، يتدثرون بأغطيتهم الثقيلة فوق الأرصفة الواسعة، الحب ينهض عارياً تحت المروحيات، وشرفات المنازل مفتوحة على الألم.
«مساءُ الخَيْر أيها الموتْ
مساءُ الخَيْر أيتها الحرية».
* روائي مصري