في 15 أيار/ مايو مرّت الذكرى السادسة والستون لنكبة العرب في فلسطين. كالعادة صدرت بيانات سياسية من منظمات فلسطينية معدودة، كررت ما قالته منذ تأسيسها عن ذكرى النكبة. ونامت في غيرها من بلدان عربية كان صوتها عالياً يوماً عنها، عن القضية المركزية للأمة. انشغلت عواصم بنكباتها الداخلية وتركت ذكرى النكبة لأهلها أو على الأصح لبعضهم ممن لا يزال يمسك جمرها ولا يتوانى عن حمل الحجر. لافت للانتباه هذا الهجر شبه الجماعي من قوى الأمة، من الأحزاب السياسية في العالم العربي. أين التظاهرات والاعتصامات والقرارات بالمقاطعة للعدو وآلاته وأدواته ومؤسساته؟ أين العرب؟ وين العرب... وين، كما غنت جوليا بطرس يوماً!


مرت الذكرى حزينة كما حصلت أوانها. ماكو أوامر! صمت ملعون ومخجل يقدم للعدو ما حلم به يوماً ايضاً. ولكن ما رفع العتب ان اليسار في لبنان لم يفوّت الفرصة، متجاوزاً أخطاء تاريخ والتباسات زمن ماض. هذا اليسار اعتصم امام الاسكوا في قلب عاصمة الحرية بيروت. نشر صوراً له وبياناً مختصراً. لم تعن وسائل الاعلام الناطقة باللغة العربية بكل انواعها بهذا الحدث وهذا التجمع وهذا اللقاء. هل هو موقف ام انشغالات بأمور اخرى لم يكن هذا الخبر بمقامها أو اهميتها الاخبارية والإعلامية؟! إنها نكبة العالم العربي، تعيش ذكراها بأيامها وسنواتها ومحنتها وآلامها وقسوتها وحزنها وصبرها ووو...
كي لا أجحد حقها أعيد نص البيان: «لمناسبة الذكرى السادسة والستين لنكبة فلسطين، نظّمت أحزاب «اللقاء اليساري العربي» في لبنان اعتصاماً سياسياً أمام الاسكوا. شارك في الاعتصام ممثلات وممثلون عن الحزب الشيوعي اللبناني والحزب الديمقراطي الشعبي وحركة الشعب والتنظيم الشعبي الناصري والتيار الوطني الحر، إضافة الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب الفلسطيني وجبهة التحرير الفلسطينية. بدأ الاعتصام بكلمة للأستاذ ربيع بيرق حول المناسبة. بعد ذلك تحدّثت السيدة خالدات حسين باسم لليسار الفلسطيني، فأكّدت على حق الشعب الفلسطيني في النضال من أجل العودة، رافضة ما يحاك ضده عبر المشروع الاميركي الجديد المسمى «الاتفاق – الاطار»، ودعت الدولة اللبنانية الى تأمين الحقوق المدنية والاجتماعية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين. ثم تحدث الأستاذ أسد غندور باسم أحزاب «اللقاء اليساري العربي»، مركزاً على تواطؤ الأنظمة العربية مع المشاريع الاستعمارية الجديدة ضد شعب فلسطين والشعوب العربية عموماً، لافتاً النظر إلى «مشروع الشرق الأوسط الجديد» التفتيتي ومؤكداً مجابهته.
أخيراً، تلا السيد أيوب غراب المذكرة الموجهة الى الأمين العام للأمم المتحدة (مرفقة)، وجرى تسليمها الى ممثل الاسكوا.
أين الأحزاب الاخرى؟ أين الشخصيات الوطنية والقومية؟ أين؟ أسئلة... أسئلة تتكرر من دون اجوبة وبلا عقبى ضمير وخشية من حساب التاريخ وعقابه. كلنا يعرف ان الشعب يمهل ولا يهمل وأن التاريخ يسجل ولا يصفح في صفحاته لمن ينسى دوره وموقعه ومكانه وواجبه. هل نكتفي بما حصل وننام بانتظار الذكرى السنوية المقبلة؟ إن ما جرى مؤشر وإشارة الى ما يتوقع وما يراد له ان يكون.
في مخاطبة الامين العام للأمم المتحدة، التي اصدرت قرار التقسيم ومئات القرارات الاخرى التي لم تطبق كما التزمت هي وادارة الولايات المتحدة الأميركية بقرار تأسيس النكبة، معلومات ومواقف سياسية معلومة، وتناقضات سياسية مكررة، وشهادة للتاريخ بأداء الواجب وضرورة العمل على انقاذ شعب وارض تنتهك ابسط الحقوق المشروعة والمعروفة له وفيها.
ست وستون عاماً ومازالت محاسبة اليسار على الهرولة وراء ما قاله اندريه غروميكو في الأمم المتحدة حينها، اعترافاً بقرار التقسيم، وتفسيراً له. ولكنها لم تطالع ما قدمه فهد، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي (اعدم عام 1949)، رغم كل ما حصل وتناقلته الاخبار والإشاعات والوشايات ومراكز المخابرات والثقافة والتجنيد لتلك المهمات والصفقات. إنها سخرية القدر اللئيمة في زمن غادر. لم يشر غروميكو لهذا الحدث الجلل في مذكراته، بينما افرد فصلاً عن أزمة «الشرق الاوسط» في الستينيات وتأكيد موقف الاتحاد السوفياتي من القضية المركزية والسلم والأمن في العالم.
أما فهد فقد حدد الموقف بسطور واضحة في اكثر من رسالة له، لا سيما بعد تأسيسه عصبة مكافحة الصهيونية عام 1946، ومنها مذكرة مفتوحة الى الحكومة العراقية مؤرخة في 21/ 11/ 1945، كتب في فقرة تحت عنوان موقف الحكومة تجاه الصهيونية، ما يلي: «تدعي الحكومة القائمة انها تناصر عرب فلسطين ضد الصهيونية، لكن الشعب العراقي لا يلمس هذه المناصرة واختباراته اليومية تبرهن أنه على أن الحكومة العراقية تمنع الشعب العراقي من مناصرة عرب فلسطين، تمنعه عن مكافحة الصهيونية وبهذا تسهل على الصهاينة وعلى القوى الرجعية – الاستعمارية وغيرها - السير بخططهم... إن الحكومة منعت وتمنع الشعب العراقي من اقامة اجتماع في سبيل فلسطين، انها منعت عصبة مكافحة الصهيونية من إقامة اجتماع في يوم وعد بلفور الاسود، إنها احتلت نقابات العمال في ذلك اليوم لكي لا يجتمع العمال فيها، انها منعت التظاهرات في سبيل فلسطين...».


أين التظاهرات والاعتصامات والقرارات بالمقاطعة للعدو وآلاته وأدواته ومؤسساته؟

وأكد «أن الحكومة العراقية تحاول ان تخفي المسؤولين الحقيقيين عن نكبة شعبنا العربي في فلسطين، تريد ان تستر الاستعمار البريطاني المسؤول الاول، ان تخفي الصهيونية، باعتبارها تمثل مصالح الشركات اليهودية الكبرى في بريطانيا وأميركا فتظهر اليهود العرب الذين لا صلة تربطهم بالصهيونية الاستعمارية والذين عشنا وإياهم اجيالا عديدة من دون تصادم بيننا كأنهم المسؤولون فتوجه النقمة ضدهم». (يراجع كتاب سالم عبيد النعمان، نصف قرن من تاريخ وطن، ص 281 وما بعدها). وأكد ذلك في منهاج الجبهة الوطنية (لعام 1946) الذي كتبه ووزعه على القوى السياسية ودعا فيه الى نصرة فلسطين ضد الاستعمار والصهيونية وضد دعاة الخطط الاستعمارية المبيتة لها وتأييد الشعب الفلسطيني في مطالبه التالية:
1ــ الغاء الانتداب ووعد بلفور وتصفية حكومة الانتداب وجلاء الجيوش الاجنبية عنها.
2ــ تأليف حكومة وطنية ديمقراطية مستقلة.
3ــ وقف الهجرة وانتقال الاراضي من حوزة العرب وعرض قضيتها على مجلس الامن.
في ضوء توجيهات فهد، وإثر تطور الموقف بعد اقرار التقسيم، أصدرت القيادة الميدانية نشرة داخلية اوائل كانون الأول/ ديسمبر 1947، بيّنت فيها موقف الحزب. جاء فيها أن «موقف الاتحاد السوفياتي بخصوص التقسيم وفّر للصحف المرتزقة ومأجوري الإمبريالية فرصة لا للتشهير بالاتحاد السوفياتي فقط، بل أيضاً بالحركة الشيوعية في البلدان العربية... ولذلك، فإنه يجب على الحزب الشيوعي تحديد موقفه من القضية الفلسطينية بحسب الخطوط التي انتمى اليها والتي يمكن تلخيصها بالتالي:
أـ إن الحركة الصهيونية حركة عنصرية دينية رجعية، مزيفة بالنسبة إلى الجماهير اليهودية.
ب ـ إن الهجرة اليهودية... لا تحل مشكلات اليهود المقتلعين في أوروبا، بل هي غزو منظم تديره الوكالة اليهودية... واستمرارها بشكلها الحالي يهدد السكان الأصليين في حياتهم وحريتهم.
ج ـ إن تقسيم فلسطين عبارة عن مشروع إمبريالي قديم يستند الى استحالة مفترضة للتفاهم بين اليهود والعرب.
د ـ إن شكل حكومة فلسطين لا يمكنه أن يتحدد إلا من قبل الشعب الفلسطيني الذي يعيش في فلسطين فعلاً، وليس من قبل الأمم المتحدة أو أية منظمة أو دولة أو مجموعة دول أخرى.
ه ـ إن التقسيم سيؤدي الى إخضاع الأكثرية العربية للأقلية الصهيونية في الدولة اليهودية المقترحة.
و ـ إن التقسيم وخلق دولة يهودية سيزيد من الخصومات العرقية والدينية وسيؤثر جدياً على آمال السلام في الشرق الأوسط.
ولكل هذه الأسباب فإن الحزب الشيوعي يرفض بشكل قاطع خطة التقسيم. (يراجع كتاب حنا بطاطو عن العراق، الكتاب الثاني، ص 256-257).
مراجعة هذه الصفحات لا تثني عن التذكير بالنكبة وأزلامها، وفي هذه الذكرى الحزينة والإشارة فيها لموقف اليسار لابد من الاشارة ايضاً الى ما تقوم فيه «قوى الرجعية العربية» من تكرار لمواقفها ذاتها، وبحسب تطور ادواتها ووسائلها، فتفرغ امكاناتها المالية الكبيرة لشراء المؤسسات الاعلامية والكتاب والمفكرين لإنكار تلك النكبة او تشويه سجل التاريخ فيها وحولها. ولكن اليسار في وقفته هذه رد عليها بإمكاناته وقدراته ولغة المواجهة ضد كل لغات الصمت والاستبداد والعار. إذ لا بدّ من تصعيد لغة اليسار والتغيير الآن.
* كاتب عراقي