إذا كانت المادّة 62 من الدستور نصّت على أنّه «في حال خلوّ سدة الرئاسة لأي علّة كانت تُناط صلاحيّات رئيس الجمهوريّة وكالةً بمجلس الوزراء»، إلا أنّها لم توضح ما إذا كانت تقصد جميع صلاحيّات الرئيس أم فقط تلك المتعلقة بتسيير المرفق العام.


ولم تبيّن كيفيّة تولي مجلس الوزراء لهذه الوكالة، وما إذا كان يحتاج إلى إجماع في القرارات التي يتّخذها بالوكالة عن الرئيس باعتبار أنّه لا يمكن تجزئة شخصيّة الرئاسة أم تكفيه أكثرية الحضور بنصاب الثلثين المحدّدة لقراراته العاديّة بحسب البند 5 من المادّة 65 من الدستور أم تلزمه أكثرية الثلثين قياساً على الأكثرية المطلوبة للمواضيع الأساسية المحدّدة في الفقرة الأخيرة من المادّة إيّاها، وهل يتعيّن أن يوقّع جميع الوزراء على المراسيم التي يُصدرها مجلس الوزراء بوكالته عن رئيس الجمهورية أم يُكتفى بتوقيع رئيس الحكومة والوزير المختصّ؟
أرى أنّ وكالة مجلس الوزراء عن رئيس الجمهوريّة تنحصر بالأعمال المتعلقة بحفظ المهل الدستوريّة وتسيير المرفق العام، ولا يمكن أن تشمل صلاحيّاته الذاتيّة أو الاستنسابية أو التصرفية لأنّ رئيس الجمهوريّة بحسب المادّة 50 من الدستور يحلف يمين الإخلاص للأمة والدستور عندما يتولّى الرئاسة، وترتبط صلاحيّاته بطبيعة الحال بقسَمِه. وهو إجراءٌ لا يقوم به رئيس الحكومة ولا الوزراء، ناهيك عن أنّ صلاحيّات الرئيس تتصل بالتوازنات الطائفية التي تحكم توزيع المواقع الدستوريّة في الدولة. وقد نصّت الفقرة «ي» من مقدّمة الدستور صراحةً على أنّ «لا شرعيّة لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك»، وهي ذات قيمة سامية وموقع توجيهيّ ومرجعيّ للأحكام الواردة في متن الدستور.
من غير أن ننسى أنّه لم يتمّ لغاية اليوم بذريعة التوازنات الطائفية القبول بأن يتولّى نائب رئيس الحكومة بالوكالة صلاحيّات رئيس الحكومة كلياً أو جزئياً في حال غيابه أو تعّذّر قيامه بمهماته.


من غير الجائز أن يقوم البرلمان بالتشريع في ظلّ شغور سدّة الرئاسة

وفوق ذلك، فإنّ الوكالة في القانون العام «هي حالة موقتة واستثنائية، وتهدف أساساً إلى تأمين استمراريّة عمل المرافق العامة (...). (و) ممارسةُ الوكيل لصلاحيات الأصيل هي محصورة، انطلاقاً من هدف الوكالة، في الأعمال المؤدية مباشرة إلى تأمين استمرارية المرافق العامة» (تُراجع دراسة الدكتور محفوظ سكينة المنشورة في السفير 30/3/2008)، علماً بأنّه من الواجب تفسير الاستثناء بنطاق ضيّق.
ــ لئن كان من الواضح أنّ شغور سدّة الرئاسة ليس من بين الحالات المحدّدة في المادّة 69 من الدستور لاعتبار الحكومة مستقيلة إلا أنّ قراءة مجمل أحكام الدستور تقود إلى القول بوجوب تعاملها والتعامل معها كأنّها كذلك خلال فترة الشغور وحتى انتخاب رئيس جديد وتأليف حكومة جديدة، فتكتفي بتسيير المرافق العامّة وحفظ المهل القانونيّة واتخاذ تدابير العجلة والضرورة من غير أن تقوم بأعمال تصرّفيّة. وذلك بسبب انتفاء رقابة رئيس الدولة صاحب اليمين ومالك حق الفيتو الموقت على قرارات مجلس الوزراء ولأنّه من غير الجائز أن يكون الأخير «خصماً وحكماً» في آونة واحد وأن يتولّى كوكيل مراقبة أعماله بنفسه بسبب ما يُسمّى «تعارض المصالح»، كما أنّ رقابة البرلمان ستكون معطّلة كونه سيتحوّل لحظة الشغور الرئاسي إلى هيئة انتخابية لا تستطيع القيام بأيّ عمل بما فيه حجب الثقة عن الحكومة قبل انتخاب رئيس الدولة بحسب التفسير الراجح للمادّتين 74 و75 من الدستور، وهو ما يؤدي إلى الاختلال في توازن السلطات المنصوص عليه في الفقرة «هـ» من مقدّمة الدستور.
أما التذرّع بأنّ الدستور لم يجعل الشغور الرئاسي من بين الحالات المحدّدة في الفقرة د/1 من المادّة 69 لاعتبار الحكومة مستقيلة، لا بل إنّه أناط بها صلاحيّات الرئيس وكالةً في حال خلو سدة الرئاسة لأي علة كانت بموجب المادّة 62، فمستوجب الردّ لأنّ حالات خلو الرئاسة التي قصدها المشترع الدستوري في هذه المادة لا تقتصر على الإخفاق في انتخاب رئيس جديد إن لم نقل أن هذه الحالة كانت الأقل احتمالاً في ذهنه، بل تشمل الحالات التي ينتج فيها الشغور من طارئ يحدث خلال الولاية الرئاسية ويؤدي إلى تعليق موقت لعمل الرئيس مقرون باحتمال عودته إلى نشاطه مثل إحالته على المحاكمة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء إذ يكفّ عن العمل إلى أن يفصل المجلس بالقضية بحسب المادّة 61 من الدستور، وإذ ذاك تستعيد الحكومة فاعليّتها في حال تقرّرت براءة الرئيس، علماً بأنّه كان من البديهيّ أن يتحاشى الدستور التصدّي لحالة الإخفاق في انتخاب الرئيس كسبب متميّز من أسباب شغور الرئاسة لأنّه في ذلك يقرّ ضمناً أنّ الآليّات والتحوّطات التي يحتويها لم تضمن تحقيق ذلك كفاية.
ــ من غير الجائز أن يقوم البرلمان بالتشريع في ظلّ شغور سدّة الرئاسة لأنّ لرئيس الجمهوريّة حق طلب إعادة النظر في القانون ضمن مهلة الشهر المحدّدة لإصداره، فيُصبح في حلّ من إصدار القانون إلى أن يُوافق عليه المجلس بعد مناقشة أخرى وإقراره بالغالبيّة المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً بحسب المادّة 57 من الدستور، ما يعني أنّ للرئيس صلاحيّة الفيتو الموقت ولكن الفاعل على القوانين التي يسنّها البرلمان، الأمر الذي يفضي إلى القول إنّ قيام المجلس النيابي بالتشريع في ظلّ غياب الرئيس يشكّل انتهاكاً لقاعدة التوازن في السلطات المنصوص عليها في الفقرة «هـ» من مقدّمة الدستور. ولا يصحّ التذرّع بأنّ بمقدور مجلس الوزراء القيام وكالة عن الرئيس بردّ القوانين وممارسة الرقابة على التشريعات التي يسنها البرلمان أو بالطعن بالقوانين أمام المجلس الدستوري لأنّ أعضاء مجلس الوزراء لم يُقسموا اليمين على المحافظة على الدستور، ما يجعل رقابتهم على القوانين مشوبة بعيب فقدان القَسَم.
وفوق ذلك، لا يجوز التشريع في ظلّ شغور الرئاسة، لأنّه يعود لرئيس الجمهورية بحسب المادّة 19 من الدستور حق مراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين، وهو ما اعتمده المجلس الدستوري في قراره رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005 في ما خصّ التشريع في ظلّ استقالة الحكومة إذ اعتبره غير جائز لأنّه يحرم رئيس الحكومة من ممارسة حقه بمراجعة المجلس الدستوري لطلب إبطال القوانين، بالرغم من أنّه كان بإمكان المجلس الدستوري حفظ حق رئيس الحكومة المستقيلة الطعن بالقوانين بوصفه عملاً يخضع لمهلة مسقطة، إلا أنّه آثر القول «إنّ حرمان رئيس مجلس الوزراء المستقيل من حقه الدستوري بالطعن بنصّ تشريعي ما من شأنه أن يفتح كوة في النصّ التشريعي المذكور يتسلل منها إليه عيب عدم الدستوريّة إذ يصبح هذا النصّ التشريعي بمنأى عن كلّ مراجعة لإبطاله جزئياً أو كلياً بقرار من رئيس مجلس الوزراء يتخذه بالاستناد إلى حقه المحفوظ له في المادّة 19 من الدستور. فتنتفي في ذلك، على قلتها، إحدى حالات ممارسة المجلس الدستوري لاختصاصه المكرس دستوراً بمراقبة دستورية القوانين (...) من شأنه أن يبطل هذا القانون لمخالفته نصّ المادّة 19 من الدستور لهذه الجهة».
ولقد سبق وأكّدت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل في استشارتها رقم 581/2013 تاريخ 26/6/2013 أنّ «إعمال مبدأ فصل السلطات على إطلاقه مناف لمفهوم آحادية ووحدة سلطة الدولة. لذا يجب، في ظل مبدأ فصل السلطات، المحافظة على التلاحم فيما بينها»، ولفتت إلى «أنّ الدستور اللبناني (...) اعتمد نظام وحدة الدولة وأبقى على مفهوم فصل السلطات ضمن أطر التعاون المتبادل والمتكافئ بين السلطات»، واعتبرت أنّ «ممارسة المجلس النيابي لصلاحياته التشريعية الكاملة إبان وجود الحكومة في وضع تصريف أعمال يحرم السلطة التنفيذية من حقها الدستوري ويمسّ المبدأ العام المتمثل بوحدة قرار الدولة الذي يوجب على سلطاتها ممارسة عملها بالتكامل في ما بينها»، بالرغم من أنّ الوضع في حالة استقالة الحكومة أقلّ خطراً من الشغور الرئاسي كونها تبقى قائمة ولو من أجل تصريف الأعمال. وإذا كانت المادّة 75 من الدستور قضت بأنّ «المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يُعتبر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية ويترتب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أو أيّ عمل آخر»، وهو ما أدّى إلى انقسام الرأي بين من يعتبر أنّها قصدت حظر التشريع أو القيام بأيّ عمل آخر في ما خصّ الجلسة التي يعقدها البرلمان بغرض انتخاب الرئيس وبين من يعتبر أنّها عَنَت حالة البرلمان المدعوّ للالتئام بحكم القانون من أجل انتخاب رئيس للجمهورية طالما أنّ سدّة الرئاسة شاغرة، فإنّ إمعان النظر في منطوق المادّة 74 من الدستور من شأنه أن يحسم الجدل باتجاه وجوب امتناع البرلمان عن القيام بأيّ عمل قبل انتخاب رئيس جديد للبلاد متى وقع الشغور في رئاسة الدولة كونها نصّت على أنّه «إذا خلت سدّة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو سبب آخر فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون»، ما يعني أنّها جعلت من انتخاب الرئيس غايةً فوريّة وأوليّة للبرلمان تتقدّم لزوماً جميع أعماله.
ولكن من الواجب التذكير بأنّ الظروف الاستثنائية والضرورات الوطنية تبيح المحظورات سواء في ما خصّ عمل البرلمان أو الحكومة، وقد لحظت هيئة التشريع والاستشارت في استشارتها المذكورة أعلاه التي حرّمت فيها على البرلمان التشريع في ظلّ استقالة الحكومة أنّ «مجلس النواب يبقى، عند تواجد مجلس الوزراء في وضع تصريف الأعمال، سلطة دستورية قائمة، يتعيّن عليها إقرار القوانين عند تواجد حال الضرورة التي تعرّض الدولة أو مؤسساتها للخطر أو عندما يجب إصدار قوانين تتوقف عليها ممارسة أو حماية حقوق دستورية».
أمّا كيف يمكن تلافي الشغور الرئاسي، فالحلّ بسيط وجذري في آونة واحدة: ليت رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب ينكبّون في الساعات المتبقية من الولاية الرئاسية الحالية على إجراء تعديل دستوري موضعي حتى لا نجد أنفسنا مضطرين إلى إجرائه بعد الشغور الرئاسي بالاستناد إلى نظرية الظروف الاستثنائية وحالة الضرورة. ويقوم على جعل انتخاب الرئيس (الماروني بطبيعة الحال) مباشراً من الشعب ونلغي بالتالي إمكانيّة تعطيل النصاب وكذلك احتمال عجز أيّ من المرشحين عن كسب تأييد الأكثرية المطلقة من النواب من غير الدخول في مخاطر تخفيض النصاب والأكثرية النيابية المطلوبة للفوز وتداعياتها على مشروعية الرئيس الوطنية والميثاقية ونطبّق الفقرة «د» من مقدّمة الدستور التي تنصّ على أنّ الشعب مصدر السلطات، علماً بأنّ انتخاب الرئيس من الشعب لا يقتصر على الأنظمة الرئاسية بل يشمل أيضاً الأنظمة غير الرئاسيّة بشرط أن يكون للرئيس صلاحيات جادّة في السلطة كما في نظامنا إذ لا يزال يملك صلاحيّات أساسيّة وأبرزها التوقيع على مرسوم تأليف الحكومة وردّ القوانين والمفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة.
أما الهاجس من جعل انتخاب الرئيس رهن إرادة الأكثرية الاسلامية فصار أقلّ حضوراً بعدما باتت الانقسامات السياسية طاغية في الساحة الإسلامية وهو أمرٌ آخذ بالتجذّر، ولكن ومن باب التحوّط الضروري أقترح الاشتراط على المرشح لرئاسة الجمهوريّة أن يُقرن ترشّحه بتوقيع مئة ألف ناخب مؤيّد على الأقلّ موزعين مناصفةً بين المسيحيين والمسلمين، ما يُثبت حيثيّته في ساحته المسيحية ويبدّد الخشية من إنزال شخصيّة مارونية ضعيفة في بيئتها على الكرسيّ الأولى بمظلّة إسلاميّة، عدا عن أنّ التأثير الاسلامي في انتخاب الرئيس من طريق البرلمان أكبر من التأثير المسيحي لأسباب تتصل بكيفيّة انبثاق المجلس النيابي ومن غير أن نغفل أنّ البرلمان الحالي بات خارج مدّة وكالته الشعبية وبالتالي مشروعيّته بفعل قانون التمديد المطعون بدستوريته.
* محام وباحث دستوري
(كلمة ألقيت خلال ندوة لـ«الحركة الوطنية للتغيير الديمقراطي»)