لم تفلح استراتيجية التراجع الناعم التي اعتمدها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك عام 2000، ولا استراتيجية البتر السريع التي استند إليها متعالياً نظيره إيهود أولمرت عام 2006، ولا حتى فوضى التوترات التي وطأت أرض لبنان بالفتن المذهبية مع اغتيال الرئيس الحريري، بالحد من تنامي قوة حزب الله.


ظل الحزب يشّق لنفسه درباً إلى التألق رغم ضراوة التحديات ورهبة الأوضاع التي جاءت كلها في سياق احتوائه وتجفيف مصادر تهديده بشكل كامل، كما أنّ فوضى التحولات في العالم العربي بدل أن تضعه أمام معضلة الاستمرارية والدور، عاظمت من حظوظه وتفوقه في المساحة الجغرافية التي يسيطر عليها وفي العمق الاستراتيجي الإقليمي، وأدخلته إلى طور متجدد من النشاط زادت من أهميته كأحد أبرز الفاعلين غير الدولتيين وأعطته ميزة التأثير في التوازن الإقليمي بالنظر إلى ثلاثة عوامل رئيسية: إيديولوجية العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومبدئية الصراع مع إسرائيل، وطبيعة العلاقة الجيو سياسية مع سوريا.
الفشل في تطويق الحزب افترض جملة من السياسات والبدائل والمخططات المتواصلة التي جاءت في إطار ما يعرف بـ«الشرق الأوسط الكبير (أو الجديد)» الذي حملته وزيرة الخارجية الأميركية في إدارة بوش الابن كوندليزا رايس. غير أنّ اصطدام هذا «الشرق» بمجاذيف المقاومة خلال حرب تموز الشهيرة دفع بمبتكريه لتغيير اسمه فأُطلق عليه منذ عام 2010 «الربيع العربي»، في مسعى لإنزال الأثقال الإيديولوجية عنه ومنحه قدرة على الاسترسال المرن في دنيا العرب ودينهم. لكن أيّاً من التدابير والضغوط والجهود الآنفة والراهنة التي شاركت فيها أطراف لبنانية وعربية ودولية لتقييد حركة الحزب وعزله وتقليص حجمه في السياسة والأمن لم تنجح، وهذا ما دفع بمحلل إسرائيلي هو غابي باخور للقول: «تبدو صورة حزب الله عند الجمهور الإسرائيلي أقرب إلى مارد عسكري وتهديداته وجودية». في وقت رأى أيضاً قائد الفرقة 91 في الجبهة الشمالية اللواء عماد فارس أنّ الحرب لو انطلقت مرة أخرى مع حزب الله فإنّ إسرائيل كلها ستدخل في «جهنم حمراء». فيما يخلص قائد المنطقة الشمالية اللواء يائير غولان بالقول «إنّ ما يوجد لدى المنظمة (حزب الله) يقضّ مضجعنا».


تبلورت بعد سنة من اندلاع الحوادث في سوريا رؤية في عقل الحزب عما يجب القيام به

ولا شك في أنّ الأزمة السورية التي كانت على درجة عالية من السيولة أحدثت حافزاً لدى إسرائيل لمحاصرة حزب الله وتشتيته سياسياً واستراتيجياً. كانت الفرصة سانحة لتوثيق التحالف مع قوى المعارضة السورية لتحقيق عدد من الأهداف الأساسية. منها، تمزيق الدولة السورية وإنهاكها حتى تموت ليخلفها كيان ضعيف متصالح معها، أو كيانات هجينة متنازعة لكنها مرتبطة تنظيمياً واستراتيجياً بقوى خارجية. ومن الأهداف تعبئة جيش من المرتزقة لمهاجمة حزب الله في عقر داره وتهديد بيئته الداخلية وهذا ما بيّنته الوقائع الميدانية في منطقتي القصير والقلمون المحاذيتين للحدود مع لبنان. كذلك فإنّ إعادة موضعة النظام السوري ضمن فلسفة جديدة ومسار تجفيف نسغه القومي، سيكون كفيلاً بدعم احتمالات الوصول إلى تسوية نهائية للقضية الفلسطينية وعقد صفقات نفطية مع الغرب تبدأ من خطوط مد الأنابيب إلى حقوق استخراج الغاز من السواحل السورية واللبنانية. كما يأتي في مقدمة تلك الأهداف أيضاً فك التحالفات وفصل الجبهات التي أصبحت مترابطة بين كل من إيران وسوريا وحزب الله بدليل التبادل السلس للمنافع والتكاليف والخبرات. وليس هناك أدلّ على هذا الكلام من الموقف الذي أطلقه غولان نفسه عندما قال: «إنّ قيادة الجيش الإسرائيلي باتت تعتبر الجبهتين السورية واللبنانية بمثابة جبهة واحدة»، وما صرّح به القائد السابق للحرس الثوري الإيراني يحيى رحيم صفوي من أنّ «حدود إيران تمتد إلى جنوب لبنان وشواطئ البحر المتوسط».
كانت الأزمة السورية أحد أخطر التحديات التي واجهها حزب الله منذ نشأته، وآخر حلقة من سلسلة الاختبارات القاسية التي وضعته أمام أزمات وجودية وإشكاليات مفهومية وقيمية وسياسية عميقة. المناخات ملتبسة وغائمة، الفتنة المذهبية في حركة صخابة، التهويل على أشدّه، بعض الأصدقاء والحلفاء خصوصاً منهم الفلسطينيون ينقلون البندقية من كتف إلى كتف أو ينسحب ضعافهم إلى الظل، معارضة محلية عنيفة أضفت مزيداً من التعقيد، الصورة في الداخل السوري غير واضحة والمعلومات متضاربة لم يكن يملك معها الحزب غير الصمت والتفحص الطويل قبل أخذ المبادرة والبدء بالعمل المطلوب. كان لسان الحزب يردد ما ردده «دانكو»، ذلك الفتى الشجاع وأحد أبطال الروائي مكسيم غوركي، الذي قال: «لسنا نُبعد الحجر عن الطريق بالفكر وحده. من لا يُقدم على شيء لا يتوصل إلى شيء. ما جدوى استنفاد قوانا في التفكير والأنين؟ وقوفاً. فلندخلن الغابة، ولسوف نجتازها، إذ إنّ لها نهاية... فلنمشِ! هيا إلى الأمام!». وبالفعل، فقد تبلورت بعد سنة من اندلاع الحوادث في سوريا رؤية في عقل الحزب عما يجب القيام به سواء في النطاق المحلي اللبناني أو داخل سوريا نفسها أو على المستوى الإقليمي، للحفاظ على ما يراه الحزب المجال الحيوي والدوائر المباشرة لأمنه ووجوده. إذ استطاع أن يسيّل الإرادة السياسية ويترجمها إلى قدرة فسلوك فحقائق مادية. فكان ما كان من نجاحات ميدانية مذهلة صعقت كل المراقبين والقادة السياسيين والعسكريين المراهنيين على تشظي سوريا وانهيار الدولة الوطنية وانقسام الجيش وبالتالي سقوط الحزب بالضربة القاضية أو برياح السموم الآتية من كل جهات الأرض وأعالي السماء.
مع دخول الأزمة السورية العام الرابع، وبعد مرور ثمانية أعوام على حرب تموز وأربعة عشر عاماً على انتصار أيار، ها هو حزب الله يعيش في صلب مقولة الأمين العام «نكون حيث يجب أن نكون»، واثقاً من خياراته الصائبة التي حمته وحمت لبنان واللبنانيين، وانتصاراته الباهرة التي يواصل إحرازها منذ معركة القصير مايو 2013، فيما ينظر إلى خصومه وأعدائه وهم يتجرعون كؤوس العلقم. بعد ثلاث سنوات من الحرب على الحليف السوري تتضح الصورة أكثر. مستوى مخز للمعارضة المسلحة بكل أطيافها. انكفاء أميركي. عجز فرنسي. فشل في التقديرات والرهانات التركية والسعودية والقطرية. انتهاء حكم الاخوان المسلمين في مصر. خيبة حمساوية. إحباط إسرائيلي وتوجس من المستقبل. حتى آلت الحصائد والوقائع السياسية والعسكرية على خلاف ما كان متصوراً ومخططاً له.
وعليه فإنّ التأثير المتزايد لنفوذ الحزب في المنطقة حصيلة منطقية لإنجازات واقعية لا غبار عليها. وبناء على النتائج التي راكمها لم تعد قيادة النظام الإقليمي والتأثير في سلوك فواعله حكراً على إسرائيل والقوى الدولية التاريخية، إذ بات حزب الله يلعب دوراً بارزاً في سياقات ومساحات وموضوعات متعددة سواء بعلاقات مباشرة أو غير مباشرة. من هنا تحذر إسرائيل من الانزلاق إلى حرب مفتوحة غير محسوبة النتائج والتداعيات وهو ما يعطي حزب الله ميزة تنافسية في هذه الأزمة التي رفعت أيضاً من منسوب القيادة التشابكية في ما بين قوى محور المقاومة المتأتية من التفاعل العميق بين كيانات المحور نفسها كما أشرنا إلى ذلك آنفاً. قديماً قال نابليون: «من يسيطر في المعركة على تقاطع الطرق يصبح سيد الأرض». لا نغالي إن قلنا إنّ هذا المحور يوشك أن يسيطر على تقاطع الطرق حيث تقع فلسطين وسطها. المتغيرات متسارعة وحركة الموازين الإقليمية والدولية تتجه للاستقرار في دوائر استراتيجية جديدة. فهل يصبح هذا المحور ومنه حزب الله سيد الأرض؟ المنجزات تبدأ بخطوة. هذا ما أفضت إليه حكمة دانكو حين قال: فلنمشِ! هيا إلى الأمام!
* كاتب وأستاذ جامعي