تنطلق، خلال أقل من أسبوع، الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأميركية، حيث يختار كلّ من الحزبين ممثلاً له ليخوض سباق الرئاسة، وما زال يتصدّر المعسكر الجمهوري، بوضوح، الملياردير دونالد ترامب، الذي كان أبرز انجازٍ له حتى اليوم هو في انتاج برنامج ألعاب تلفزيوني ناجح ــــ "المتدرّب" ــــ واختراع عبارة "أنت مطرود"، يقولها للمتسابق الخاسر (من ناحيةٍ أخرى، اختار الناخبون في غواتيمالا، منذ أسابيع قليلة، مهرّجاً لرئاسة الجمهورية ــــ تسميه الصحافة الغربية "ممثل كوميدي" ــــ وفضّلوه على الخيار اليساري).

الصحافة الأميركية "الليبرالية"، التي تؤيّد الحزب الديمقراطي، نشرت العديد من التحقيقات التي تكرّر فكرة مركزية، هي أن المشكلة ليست في دونالد ترامب، بل في الحزب وناخبيه و"ثقافتهم" التي (وهنا الرسالة المبطّنة) صارت تقوم على العنصرية والبارانويا وتصديق أيّ شيء، حتّى أنّ الجمهور اليميني قد رفع الى واجهة السباق في استطلاعات الرأي، منذ وقتٍ مبكر، مجموعةً من المرشحين المتنافسين هم أشبه بعربة المهرجين في السيرك (التعبير لمات طيبي)، والمشهد سيكون كوميدياً بغض النظر عمّن يتم اختياره (سواء بن كارسون غريب الأطوار، أو ترامب ومعه ثلّة من المرشحين لم يتم انتخابهم لأي منصب منذ أن كانوا في المدرسة، بل إنّ أكثر المتنافسين الجمهوريين "مشروعية" وعقلانية وذكاءً ــــ ماركو روبيو ــــ هو رجلٌ ولد كاثوليكياً، ثم انضم الى الديانة المورمونية، ثم تحوّل الى البروتستانتية، ثم عاد كاثوليكياً ـــــ وهو شديد التديّن).
ولكنّ المنظّر الجمهوري دايفيد فروم ــــ الذي كان يكتب خطابات جورج بوش في رئاسته الأولى، ومن بينها خطاب "محور الشر" الشهير ــــ يقدّم تحليلاً أكثر عمقاً عن سرّ شعبية مرشّحين مثل ترامب، وهو أساساً تحليلٌ طبقي. يدّعي فروم أنّ الحزبين الأميركيين الرئيسيين يتعايش في كلّ منهما تيّارٌ نخبوي يمثّل مصالح الأعمال والطبقات العليا، وتيّار شعبوي يعكس خطاب الطبقة العاملة ومخاوفها؛ وهو ما يتمظهر في مواجهة بين قطب نخبوي وآخر شعبوي في أكثر الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين (هوارد دين مقابل جون كيري، ميت رومني مقابل رون بول، الخ).
المهم هنا هو ليس الانتماء الطبقي للسياسي وأهوائه، بل خطابه وشعاراته، والجمهور الذي يستميله، ومقدار التنازلات التي يقدّمها للشركات الكبرى (باراك اوباما، مثلاً، هو مرشّح "نخبوي" والملياردير ترامب "شعبوي"). كان الحزب الجمهوري قادراً، على مرّ السنين، على إدارة هذا التناقض واحتوائه، ومنع ظهور ــــ أو نجاح ــــ مرشحين من خارج مؤسسة الحزب (يسمّون "مرشحين متمردين" في الخطاب السياسي والإعلامي). ثمّ حصلت الأزمة الاقتصادية عام 2008، وهي ضربت بشكلٍ خاص الطبقات الشعبية ووظائفها ومستوى حياتها ودخلها (فيما تمّ، بالمقابل، انقاذ رساميل "وول ستريت"، واستردّت الأسهم أكثر قيمتها منذ وقوع الأزمة). أمام ازدياد المعاناة في صفوف الناخبين البيض التقليديين، لم تعدل قيادة الحزب الجمهوري عن تمثيل المصالح المالية الكبرى، وبخاصة في مسألة الهجرة التي أصبحت المقياس المركزي للناخب الجمهوري في تقييمه للمرشحين، وأهم مصدرٍ للغضب والاحتجاج في صفوف القاعدة (تعتمد قيادات الحزب، في مسألة المهاجرين والهجرة غير الشرعية، موقفاً أكثر ليونة بكثير من غالبية جمهورها المتشدّد، وهذا يعكس مصالح أصحاب الأعمال والشركات الكبرى التي تستفيد من الهجرة واليد العاملة الرخيصة، شرعية كانت أم غير شرعية).
هنا، يقول دايفيد فروم، شعر الناخب الجمهوري أنّ حزبه يخدعه، وأن المرشحين هم دمى يحرّكها الممولون وسيقودونه نحو مزيد من الإفقار والخضوع، فارتفعت أسهم "المرشحين المتمردين" (وبعضهم، كترامب وكارسون وفيورينا، من الصعب تصنيفهم كسياسيين أصلاً)؛ فيما اختفى أغلب المرشحين الذين كانت "المؤسسة" تحضرهم للمنافسة على كرسي الرئاسة، كسكوت ووكر وجيب بوش.
ترامب، يمثل، وفق هذا التحليل، "صوت المقهورين"، أي البيض من الطبقات السفلى الذين تدنت مداخيلهم باستمرار ولم يعودوا يؤمنون بالحلم الأميركي، وقد باعهم ممثلوهم خطاباً دينيا محافظاً فيما هم يخدمون المصالح المالية الكبرى على حسابهم، وهم في سوق العمل يتنافسون مباشرة مع المهاجرين. لماذا اختارت، هذه الجماهير، اذاً، التعبير عن غضبها واحباطها عبر مهرجين مثل ترامب وكارسون، وليس عبر ممثلين أكفاء وجديين؟ هنا الجانب الذي يلمّح اليه فروم ولا يقوله مباشرة، اذ انّه يعتقد بوضوح أن مؤيد ترامب هو ليس فقط "الناخب المظلوم"، بل ايضاً "الناخب الغبي": أقل من 19 في المئة من مؤيدي ترامب حصّلوا تعليماً جامعياً، غالبيتهم العظمى تريد سحب الجنسية الأميركية من ابناء المهاجرين غير الشرعيين، وثلثاهم (كبعض اخواننا في الخليج) يؤمن باصرار أن باراك اوباما هو مسلم الديانة. الرسالة التي يريد فروم ايصالها هي أن على نخبة الحزب أن تحتوي هذه الفئة وتستميلها، بدلاً من تركها لـ "خوارج" مثل ترامب.
الكلام هنا هو عن الأسباب التي تجعل الناخبين يصوّتون بهذه الطريقة أو تلك، أمّا في ما يتعلّق بفائدة وقيمة هذا التصويت ككلّ، أو قدرة الانتخابات على تغيير شيءٍ جوهري في النظام الأميركي، فهذا سؤال مختلف تماما. ما لن يتغيّر ــــ في كلّ الحالات ــــ هو نخبوية السياسة الأميركية والنادي الضيّق الذي يخرج منه قادتها؛ وهو عاملٌ لا يقدّره الكثير من الاجانب. تخيّلوا مثلاً لو أن هيلاري كلينتون واجهت جيب بوش في الانتخابات المقبلة، وهو ما زال احتمالاً نظرياً قائماً. سيكون الناخبون أمام خيار بين ابن رئيس، هو ايضاً أخو رئيسٍ، يطالب بولاية رابعة لعائلته، وبين زوجة رئيس تطمح لولاية ثالثة لآل كلينتون (وهذا ليس في بلدٍ قبلي من العالم الثالث، بل في أقوى دولة في العالم). جون كيري، كمثال عن هذه النخبة، ينتمي من جهة ابيه الى احدى العائلات المؤسسة لماستشوستس، وشوارع بوسطن تحمل أسماء أجداده، فيما عائلة امّه كانت تحتكر، في القرن الثامن عشر، التجارة البحرية مع الهند. هذا هو المجتمع الذي ينتمي اليه آل بوش وكيري وكينيدي، والذي وصفه الكاتب الراحل غور فيدال قائلاً انّه، بفضل ولادته وأصله فحسب، لو انّه أراد ــــ حقاً وبشدة ــــ أن يصير رئيساً للجمهورية لفعل، فالرئيس هو دوماً أحد أصدقائه أو أقاربه، ولكنه اختار الأدب والحياة الحرة.