استناداً إلى فرضية أن الرئيس ميشال سليمان كان يرغب في التمديد ويعمل من أجل حصوله، نقع على السبب الرئيسي الذي دفعه الى التخلي عن «وسطيته» في السنة الأخيرة من ولايته. لقد حظي كل من الرئيسين السابقين، الراحل الياس الهراوي والعماد اميل لحود، بنصف ولاية إضافية. هو لم يتيسر له ذلك. كان الامر يحتاج الى توافقات حال دونها التزام «حزب الله» وحلفائه تبني ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية.


وفيما كان فريق 14 اذار ينتشي بالمواقف الجديدة للرئيس سليمان: «اعلان بعبدا» ومشروعه للاستراتيجية الدفاعية، علاقته المتنامية مع قيادة المملكة العربية السعودية (الهبة السخية)، موقفه الرافض قتال حزب الله في سوريا، واخيراً وصفه لثلاثية الشعب والجيش والمقاومة بالمعادلة «الخشبية»... في هذا الوقت، كانت تسوء علاقة الرئيس سليمان بحزب الله الى درجة القطيعة والتشهير.
لم يكتف الرئيس بذلك. حاول توثيق مواقفه في خطاب جامع انهى به ولايته يوم السبت الماضي، آملاً ان يشكل ذلك سقفاً لا يستطيع الرئيس المقبل أن ينزل دونه او ان يتجاهله على الاقل. هو، اذاً، حاول التمديد لنهجه بعد ان تعذر التمديد لشخصه، واعداً، في الوقت ذاته، بأن يواصل نشاطه تحت عنوان «الوسطية» في المرحلة المقبلة، بعد ان اكسبها مضموناً مختلفاً (مع استعداد لتدوير بعض الزوايا («السفير»، عدد 28 أيار).
هذا وسواه مما اعلنه الرئيس في «خطبة الوداع» يستحق ما هو اكثر اتزاناً وموضوعية من التهجم والعتب، أو من التهليل والتصفيق. لا يتسع الحيّز المتاح هنا لنقاش كل ما ورد في الخطاب أو لم يرد من مواقف وتوجهات. نكتفي بعدد من العناوين الأساسية.
قارب الرئيس سليمان الازمة الداخلية على طريقه نظرية «حروب الاخرين على ارضنا». فالتباعد بيننا لم يكن يوماً إلا نتيجة تأثيرات خارجية. هذا نصف الحقيقة. اما الحقيقة الكاملة فهي اننا ارتضينا نظام وصيغة التحاصص والتطييف، واننا نرسخها كل يوم في الحقول كافة، خلافاً للمصلحة وللوحدة الوطنية ولمبادئ المساواة وضرورات الاستقرار والعدالة والسيادة... ما يغري دائماً بالتدخل من قبل الخارج الذي هو مرحب به دائماً لاستجداء الدعم والمنافع، ولتثبيت التوازنات الداخلية أو لتعديلها... إن أساس الوحدة الوطنية هو اقامة نظام مساواة بين اللبنانيين. مدخل ذلك تطبيق الدستور بتحرير الادارة من القيد الطائفي، وبإنشاء مجلس نيابي خارج هذا القيد، وبانشاء «مجلس شيوخ» بموازاة ذلك، لطرح ما يمكن ان يكون ضرورياً من الهواجس المتصلة بالشؤون والعلاقات الخارجية او الداخلية. لقد قارب الرئيس سليمان هذه المسائل من دون خطة ولا مثابرة. لا ننكر الصعوبات، لكن الرئيس كان يستطيع ان يفعل اكثر في مجال السعي لتطبيق اصلاحات الدستور و«اتفاق الطائف». احد الاسباب تأثره بالبيئة المحيطة ما جعله يتحدث عن «المناصفة» من دون توطينها، تحديداً، في «مجلس الشيوخ» المنصوص عنه في المادة 22 من الدستور.
ذكر الرئيس في خطابه أن ولايته «خلت من اي احتلال إسرائيلي أو أي وجود عسكري سوري ومن اي حرب داخلية». لا يجوز، مهما كان السبب، اغفال استمرار وجود العدو الاسرائيلي في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وسواهما. اما الوجود السوري، فلم يكن يوماً أكبر مما هو في المرحلة الراهنة مع احتمالات ومخاطر ليست بسيطة! وفيما يتصل بـ«الحرب الداخلية» فقد ظلَت حاضرة جزئياً من الشمال الى البقاع الى «قصقص»! ثمرة ذلك مزيد من الانقسام وتعطيل المؤسسات والشغور والفراغ والعجز وتعريض لبنان لكثير من الازمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والامنية... ليس الرئيس هو المسؤول، لكن من الضروري وضع الاصبع على الجرح لمحاولة ايجاد العلاج. يجب القول هنا إن فرصاً ثمينة جرى تفويتها من قبل الطاقم الحاكم في لبنان بعد الهزيمة الاسرائيلية والانسحاب السوري، لبناء علاقات سليمة في الداخل ومع الخارج، يكرسها نظام سياسي يقوم على انقاض النظام المتخلف الحالي الذي يفرط بمصالح اللبنانيين وبانجازاتهم ويهدد وحدتهم واستقرارهم ومستقبلهم.
وارتكب الرئيس سليمان خطأ فادحاً، حين طالب بالغاء «الثلاثية» بسبب تدخل حزب الله في سوريا. يمكن لهذا التدخل ان يكون موضع نقاش.
لكن ما لا يجوز تجاهله ابداً هو موضوع التهديدات والانتهاكات الصهيونية. لا يواجه ذلك، حتى إشعار آخر، بغير دور مركزي للمقاومة، وبالتعاون مع الجيش ومع المواطنين. ثمة تجربة في هذا المجال تم اختبارها. وهي تجربة مستوفية شروط النجاح رغم تفوق العدو وهمجيته ووحشيته.
كان بمقدور الرئيس سليمان الذي حمله توافق داخلي وخارجي، إلى سدة الرئاسة، أن يقود حواراً عميقاً حول الازمات، وخصوصاً، من خلال المؤسسات الدستورية. وان يستند في ذلك الى ما هو واضح وحاسم في النصوص الدستورية، وإلى ما عاناه لبنان واللبنانيون من خسائر بشرية ومادية، والى قدراتهم الاستثنائية، في المقابل، في حقل المقاومة وفي التعلق بالحرية... اكتفى الرئيس بموقف «وسطي» في الغالب، الا في السنة الاخيرة، حين انحاز ففقد القدرة على بلورة نهج وسطي ايجابي، يمتص التوترات والمبالغات، من جهة، ويؤسس لاشتقاق المشتركات والتوحد حولها، من جهة ثانية.
لقد اوصى الرئيس ببعض التعديلات الدستورية والقانونية. لا تأتي هذه التعديلات ضمن سياق اصلاحي جدي، بل لتحسين التوازنات في نطاق المحاصصة نفسها التي يعبر عنها دائماً التمسك بـ«المناصفة» اي بالتفسير المشوه لنصوص الدستور وروحه منذ حكومة الاستقلال الاول (رياض الصلح) الى اصلاحات «الطائف». نستطيع القول وفقاً للمواقف والمعطيات، إن تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية بإعطائه حق النقض، هي مدخل لنزاع طائفي جديد. الحل، تكراراً، بإصلاح جذري لا بتعديل توازنات لا يمكن تعديلها!
يسجل للرئيس انه تمسك بالنسبية في قانون الانتخاب. يتحمل الاخرون مسؤولية عدم اقرارها. دعوته الشباب «الى انشاء تجمعات واحزاب عابرة للطوائف» هي دعوة ايجابية لا بد ان ترتبط، كما ذكرنا، بمشروع لتحرير النظام السياسي من الفئويات التي تستخدم الدين والطائفة والمذهب لاغراض سياسية خاصة.
يستطيع الرئيس سليمان ان يباهي، رغم ما ينسب اليه من نيات، بأنه لم يمدد ولايته. اما ازمة الشغور والفراغ، فهي مسؤولية الجميع، خصوصاً، أنه يضرب المؤسسات جميعاً بانتظار... «تدخلات» من الخارج لايجاد تقارب بين اللبنانيين، وليس دائماً للتسبب بمزيد من «التباعد» بينهم، كما اشتكى الرئيس السابق!
* كاتب وسياسي لبناني