لثلث قرن من الزمان (1952-1987) مارس رشيد كرامي السياسة في بلده لبنان بأقرب ما يكون وما يمكن من شرائط النزاهة والوطنية والتفاني والعروبية... كلها في آونة واحدة.

هو نعم وريث أبيه المفتي الوطني عبد الحميد كرامي، لكنه، بجدارة ذاتية الاستحقاق، صعد سلم العمل العام بأفضل ما يكون الأداء، رغم صغر سنه عند نقطة الانطلاق.

كان الاصطفاف في ذلك العام الحاسم _1955_ (الذي تولى فيه رئاسة الحكومة أول مرة) قد أخذ يرتسم بحدةٍ بين معسكر تبعيةٍ يصل بغداد بعمان ببيروت بالرياض، وبين بؤرة تمرد واستقلال في القاهرة... وبينهما ساحة الشام ميدان تجاذب واصطراع.
في لبنان كان كميل شمعون رئيس البلاد يلقي بمجاديفه مع رياح حلف بغداد - الإنغلوأميركي الإسناد - وهو ما تجلى بعد السويس بالذات.
عند ذاك المنعطف كان رشيد كرامي واحداً من أبرز الخارجين عليه والساعين - بدءاً - لنهيه عن غيه، ثم إسقاطه بعد تبين إصراره على المضي في نهجه.
وصل بالأخير الحال إلى أن زوّر الانتخابات البرلمانية صيف 57 وهندسه، أي التزوير، ليكفل إسقاط كل معارضيه وفي الصدارة منهم رشيد كرامي.
كانت تحولات شمعون طلقة البدء للحرب الأهلية التي تفجرت عنفاً ودماءً في مايو/ أيار 58.
قاد كرامي جبهة الشمال وعن يمينه - بشكل أو بآخر- سليمان فرنجية ورينيه معوض، وكفل خروجها عن سلطة شمعون بأقل الخسائر.
عرف جمال عبد الناصر رشيد كرامي عن كثب في تلك الفترة... بدايةً عبر عبد الحميد السراج، رجله القوي في دمشق والمشرف على الملف اللبناني... وبعدها بالتماس المباشر إثر تأليف كرامي وزارة تسوية ما بعد الحرب خريف ذلك العام.
والحق أن ما مكّن كرامي من أن يكون قماشة مختلفة عن مجايليه من الساسة اللبنانيين - وحتى من ضمنهم الوطنيون والعروبيون - هو، فضلاً عن مزايا شخصية تحلى بها، تشكيله شكل ثنائياً متجانساً ومتكاملاً مع رجل دولة من الطراز الأول، بكل ما تحمله تلك الصفة من قسمات: رؤيوية واستقامة ووطنية، هو فؤاد شهاب.
والحاصل أن كرامي تعاون مع شهاب في مطلع عهده رئيساً للوزراء ثم - لأكثر من عام - أخلى السبيل لصائب سلام، ومن ثم ليعود مطلع 1962 شريكاً في خطة تنمية طموحة وعادلة، وفي بناء مؤسسات عصرية للدولة. وفي استنان سياسة خارجية قوامها قاسم مشترك أعظم مع عبد الناصر وما يمثّل... وقاسم مشترك أدنى مع الولايات المتحدة وتوابعها.
ما كان لشهاب أن يحظى بأفضل من كرامي رئيساً للحكومة... والعكس صحيح.
عبر تلك السنوات اكتشف عبد الناصر معدن الرجل، الذي ينم عن رجاحةٍ في الرأي وصلابةٍ في المبدأ مع اعتدالٍ في التناول، فنال منه كل إعجاب وتقدير، ومن ثم تعامل معه كواحد من أبرز الحلفاء والأصدقاء، إن لم يكن الأبرز... وبامتياز.
تعرض لبنان لأول اختبار نهج مع نهاية رئاسة فؤاد شهاب في أيلول عام 1964... كان همّ عبد الناصر استمرار النهج الشهابي من دون التدخل في كيف وبمن... من ثم ترك لشهاب اختيار من يستنسبه خليفةً موافقاً سلفاً عليه.
والشاهد أن شهاب - لسوء حظ لبنان - أخطأ الاختيار بتزكيته شارل حلو خليفةً، تحت ظن أن سالف كتائبيته فضلاً عن فرانكفونيته كفيلتان بنيل رضا اليمين المسيحي، واستهواء شارل ديغول، وبعلم أنه مزنّر بالمكتب الثاني لا يستطيع عنه فكاكا.
كانت هناك فرصةٌ لقديرٍ مثل فؤاد عمون وحتى لعبد العزيز شهاب، لكن الأفضل والأجدر كان اللواء جميل لحود.
التزم حلو بالسياسة الشهابية حتى حرب عام 1967... وشكّل كرامي الوزارة مطلع عهده ممضياً بصحبته قرابة عام ونصف العام.
ومن أسف أنه خرج - أو أُخرج - في ربيع 66 بما أتاح لحلو أن يهندس عملية تدمير بنك «إنترا»، بتواطؤٍ مع وزيره بيار إده.
ما كان للمارونية السياسية وهي ترى صرحاً مصرفياً واستثمارياً وصل لشأوٍ لم ينافسه عليه غيره أن تتركه في يد فلسطيني، حتى لو شاركها الديانة... والأكيد أن شهادة نجيب علم الدين عن تدمير «إنترا» المدبّر والممنهج تفي بجلوِ أي غامض.
عاد كرامي بعد فضيحة «إنترا» محاولاً لجم حلو واحتواءه في ما بقي من ولايته، أي نصفها الثاني، لكن صدمة 67 كانت لها مفاعيل كبرى في لبنان.
ائتلف رموز المارونية السياسية الثلاثة: الجميل وشمعون وإده - على تنافرهم- مسنودين بحلف ثلاثي آخر: صائب سلام وكامل الأسعد وسليمان فرنجية، ليخوضوا جميعاً وبنجاحٍ الانتخابات البرلمانية ربيع 68.
كانت تلك المعركة أول جولة في صراع انتزاع لبنان من عروبته وإلحاقه بمناطق النفوذ الأطلسي. سبقتها في نهاية 66 بروفةٌ صادحةٌ عندما ساند فيصل السعودية الشيخ شفيق يموت مرشحاً له في معركة الإفتاء، في حين وقف عبد الناصر خلف مرشحه الشيخ حسن خالد، وكانت الهزيمة من نصيب فيصل... لكن ربيع 68 كان شيئاً آخر.
والحق أن ذلك العام كان مفصلياً بيقين، إذ شهد تبارز حيثيةٍ شبه جديدة على لبنان هي ظاهرة العمل الفدائي الفلسطيني، والذي دق أبوابه بتهيبٍ في البدء، ثم اندفع كالسيل بعد أيلول 70.
وجد اليمين المسيحي نفسه وهو من جهةٍ يحمد الله على هزيمة عبد الناصر، ومن جهة أخرى يسبّ الدين على ابتلائه بالمقاومة الفلسطينية، والتي قدّر أنها جيش المسلمين اللبنانيين بالضرورة وبطبائع الأمور معاً... ومن ثم بنى حساباته على ذاك الأساس.
حاول كرامي بعد الانتخابات أن يوازن تأثيرات الحلفين الخصمين، وإن بنجاح متقطع و- الأخطر من ذلك - بزلات كان أفدحها قضية الميراج في أكتوبر/ تشرين الأول 69.
ليس قطعياً الجزم بأن لفؤاد شهاب سابق اطلاع أو رضا على هذه العملية، أم هي اجتهاد تلامذته في المكتب الثاني، لكن الراجح أن كرامي كان غائباً عن صورة المسألة بدليل أنه من استمات لغسل أدرانها... وفشل.


ليس قطعياً الجزم بأن
لفؤاد شهاب سابق اطلاع
أو رضا على هذه العملية
رفض الرجل فتح النار على التظاهرة المساندة للمقاومة في نيسان 69 واعتزل الحكم - إلا لتصريف الأعمال - طيلة أشهر سبعة، رافضاً أن يمكّن حلو من استخدام الجيش لضرب المقاومة.
والثابت أن كرامي كان من دعاة تقسيم العمل بين الدولة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية بما يكفل سيادة الأولى وهيبتها وسريان أنظمتها، وسلامة المقاومة وحرية عملها المقاوم... في آونة واحدة.
من هنا تأييده لاتفاق القاهرة (نوفمبر/ تشرين الثاني 69)، والذي كان عبد الناصر عرّابه الأول والأخير، ووفق الاعتبارات سالفة الذكر.
سبق هذا الاتفاق بأسابيع قلائل حادث الميراج الذي خططه ونفذه غابي لحود، مدير المكتب الثاني، في محاولة للتحبّب من الولايات المتحدة لعلّها لا تمانع انتخاب خليفةٍ شهابي لحلو، وللبرهان لها أن شهاب ورجاله ليسوا في جيب عبد الناصر.
اعتبر الأخير أن فعلة الميراج هرطقةٌ بوّاحةٌ لا تغتفر، لا سيما وهو في غمار خوضه أقسى معاركه، ومن خلفه الداعم الرئيس الاتحاد السوفياتي.
من أسفٍ أن عبد الناصر لم يقبل نفي شهاب لسابق علمه، ولا اعتذاره عن فعلة رجاله.
لقد حاول رشيد كرامي - بما أوتي من قدرة إقناع - تليين قناة بعد الناصر فلم يجد لذلك سبيلاً... ليته - أي عبد الناصر- استجاب ومشترطاً أن يكون مرشح الرئاسة لعام 70 هو فؤاد شهاب عيناً، وليس أحداً سواه.
والحاصل أن غضب عبد الناصر الباتر هو السبب الرئيس وراء اعتذار شهاب عن الترشح، ومن ثم فوز خصم الشهابية سليمان فرنجية بفارق صوت واحد.
عبر السنوات الخمس الأول - وهي جلّ فترة فرنجية - كان رشيد كرامي زعيم المعارضة الشهابية... وخلالها أمسى حليفاً موثوقاً وعاقلاً للمقاومة الفلسطينية.
بعد غياب عبد الناصر المفاجئ وجد كرامي لزاماً أن يوثق صلاته مع نظام حافظ الأسد الجديد في سوريا، ولكن من موقع الندّ واحترام النفس ورفض الاستزلام.
من هنا ترجيح الأسد له مرتين رئيساً للحكومة: الأولى في حزيران 75 مع بداية الحرب الأهلية، والثانية مع نهاية أهم جولاتها في نيسان 84، وليترأس في المرتين وزارتي مصالحة داخلية.
رفض الرجل الزج بالجيش في أتون الحرب الأهلية طيلة العام الأول من عمرها، وقبل أن يتمزق الجيش إرباً في آذار 76.
كانت محنته كبيرة عندما اصطدم الأسد بعرفات في مدينته ذاتها – طرابلس- خريف 83، وكانت أكبر عندما اجتاحت القوات السورية مدينته مرة ثانية في تشرين أول 85 - بصحبة حلفائها المحليين - لاستئصال شأفة الأصولية السنّية، وهي التي تحنّ لعرفات وأيامه.
لم يتوانَ كرامي عن معارضة رجل الولايات المتحدة حينها - أمين الجميل - وهو في عزّ بأسه، فأسّس جبهة الانقاذ الوطني مع آخرين وخاض بها معركة إسقاط اتفاق 17 أيار.
ثم حاول في وزارته الأخيرة - والتي جاوز عمرها سنين ثلاث - أن يجترح صلحاً أهلياً جديداً يوقف الحرب الأهلية بعد دزينة سنين من اشتعالها، ويمكّن من إعادة البناء، ومن صيغة ميثاقية جديدة تماشي معطيات الواقع والعصر.
ولأنه من هو وما يمثّل: الوطنية اللبنانية بهواها العروبي ونفسها الليبرالي واستقلاليتها الموزونة... كان من لزوم ما يلزم أن يُخرجه من الساحة كل من هم على تضاد مع هذه السمات.
من هنا تنطّح أحد اثنين من أشهر القتلة في لبنان لهذا الدور في الأول من حزيران 87.
سبعة وعشرون عاماً مضوا على رحيل شهيدٍ استحق توصيفه بما يحمله من معان، وكرّس حياته - الخاصة والعامة - للبنان ولوطنه العربي ولأمته العربية وللانسانية جمعاء.
قُتل رشيد كرامي ثانيةً بإخراج قاتله من السجن بأوامرٍ من سادته... لكنه ما لبث يحيى في ضمائر كثيرين مثلاً أنموذجاً لسياسي من بلادنا استطاع أن يكون آدمياً ونزيهاً ووطنياً وماهراً وعروبياً وصلباً... كلها في آونة واحدة ... وفي لبنان.
* كاتب عربي