ما يجري بين تركيا والعراق اليوم محاولة تركية لإعادة انتاج مشكلة الموصل التاريخية (1918- 1926) بثوب جديد موشح بتسميات مختلفة... لكن الوقائع تشير اليه بوضوح. فهل تركيا جادة في امرها، ولمصلحة من اعادة عجلة التاريخ والتحرك او العمل على ادارة المشكلة من جديد؟! وتعلم تركيا ان لديها مشاكل مشابهة ويتطلب منها الحذر فيها قبل ان تستمر بهذه المشكلة أولاً، وثانياً لا تفيدها صناعة صراعات وأزمات خارجية وأبواب الجحيم داخلها مفتوحة. التدخل التركي سياسياً والتغلغل عسكرياً في مناطق تابعة لمحافظة نينوى ومركزها الموصل لا تعني غير ذلك. وتناقض التصريحات حول المشكلة والخداع والكذب لا يغيّر شيئاً ولا يبرّر لها ما تقوم به. وسبق لها واعترفت بالمشكلة و«صفرتها» مع العراق والقوى التي كانت مهيمنة على المنطقة ورسمت الخرائط القائمة الآن.
كما روت مصادر التاريخ المنشورة عن المشكلة فإن كل محاولات تركيا وصلت الى الاقتناع بوقائع المشكلة كون الموصل جزءاً من أرض العراق، وسكانها بكل تعددهم الديني والعرقي هم من سكان العراق الأصليين. ولذلك اعترفت بها وظلت تناور لمكاسب ومصالح أخرى، عرفتها بريطانيا وقدمتها لها، لا سيما بعد عقد مؤتمر لوزان في عام 1923، تحت إشراف عصبة الأمم المتحدة. وأصبحت هذه المشكلة دبلوماسية بين تركيا والعراق ودولة الاحتلال والانتداب بريطانيا حينها، بعد خسارة الدولة العثمانية في الحرب واستسلام جيشها واقتسام ممتلكاتها في المشرق واليمن والحجاز والبلدان التي كانت تحت سيطرتها وتابعة لإمبراطوريتها قبل ان تتحول الى الرجل المريض في المنطقة. واشترطت عصبة الأمم في قرارها تسوية قضية الحدود العراقية – التركية، بين بريطانيا وتركيا بمباحثات ثنائية خلال عام واحد، وإذا لم يتوصل الطرفان إلى حل، يحال النزاع على مجلس العصبة للبت فيه. ولعدم توصل الطرفين إلى اتفاق بصدد المشكلة، أحالت بريطانيا النزاع على مجلس العصبة عام 1924.

اعترفت تركيا عام 1926
ببقاءمنطقة الموصل جزءاً
من العراق
وقرر المجلس تشكيل لجنة تحقيق دولية من ثلاثة أعضاء محايدين للنظر في النزاع وتقديم تقرير عنه إلى المجلس وبناء على ما جاء بتقرير اللجنة التي زارت منطقة الموصل وأجرت الاستفتاء فيها، قرر مجلس عصبة الأمم في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1925 إبقاء ولاية الموصل - المنطقة المتنازع عليها - برمتها ضمن العراق، وأن تراعى مصالح الاكراد في المنطقة. وأثار هذا القرار احتجاج تركيا التي حذرت من احتمال نشوب حرب بينها وبين بريطانيا ومقابل الرفض التركي للقرار، اتبعت بريطانيا سياسة الترغيب والتهديد، فعرضت على تركيا منحها قرضاً بمبلغ 20 مليون جنيه مع تخفيض كبير للديون العثمانية السابقة، إضافة إلى تحريض إيطاليا، بلغاريا واليونان ضدها. وإزاء تلك الإغراءات والضغوط، وافقت تركيا على إجراء مفاوضات مع بريطانيا والعراق، تمخضت عن توقيع معاهدة ثلاثية بين العراق وتركيا وبريطانيا في الخامس من حزيران/ يونيو 1926 اعترفت بموجبها ببقاء منطقة الموصل جزءاً من العراق، والتنازل عن ادعاءاتها بشأنها مقابل منحها 10% من عائدات النفط المستخرج من منطقة الموصل لمدة خمسة وعشرين عاماً. إلا أن تركيا كانت ولا تزال تنظر الى اطماع لها في المنطقة وتسعى لاستثمار ظروفها، ما أثار شكوك العراق بشأنها، وانعكست على طبيعة العلاقات بين البلدين وكانت أحد العوامل المؤثرة فيها. كانت الاطماع التركية في ولاية الموصل تثار من قبل المسؤولين الاتراك أو الصحافة التركية بين فترة وأخرى، وترددت في فترات قريبة ماضية، وتزداد كلما تعرض أمن العراق لتهديدات أو مخاطر داخلية وخارجية. وتأتي هذه التحركات الاخيرة، ولا سيما العسكرية، لتثير الهواجس وتطرح التساؤلات.
صرح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إن تركيا لم تحترم تعهداً بسحب قواتها من شمال العراق (رويترز 30/12/2015)، وقال بيان للمكتب الإعلامي للحكومة إن رئيس الوزراء أبلغ نظيره التركي في اتصال هاتفي أن وفداً تركيا كان قد وعد بسحب القوات «إلا أن الحكومة التركية لم تلتزم بالاتفاق ونحن نطلب من الحكومة التركية أن تعلن فوراً أنها ستنسحب من الأراضي العراقية وأن تحترم السيادة العراقية وتسحب قواتها بالفعل».
أقرت أنقرة بأنه كان هناك خلل في التواصل مع بغداد بخصوص نشر القوات. ونقلت لاحقاً بعض القوات إلى قاعدة أخرى داخل إقليم كردستان، وقالت إنها ستواصل سحب القوات من نينوى. لكن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قال إن الانسحاب الكامل غير وارد، وكرر العبادي لنظيره التركي أحمد داوود أوغلو القول إن بغداد لم توافق على نشر القوات.
وقال العبادي: «ما من سبب يجعل الحكومة التركية ترسل مدربيها إلى مناطق عميقة داخل الحدود العراقية مثل الموصل لكي تعرض مدربيها للخطر»، مضيفاً أن تنظيم داعش لا يشكل خطراً على تركيا من داخل العراق.
في بيان لمكتب داوود أوغلو اشار الى إنه اتصل بالعبادي ليؤكد أن البلدين «سيواصلان العمل معاً وبتنسيق كامل» ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (!).
بينما اكد وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري أن حكومته ملتزمة باستنفاد كل السبل السلمية لتجنب حدوث أزمة مع تركيا. وأضاف في تصريحات لصحافيين في بغداد: «لكن إذا لم يكن إلا هذا الحل فنعتمد هذا الحل. إذا فرض علينا القتال للدفاع عن سيادتنا وثروتنا فسنضطر إلى ذلك».
رد داوود أوغلو على تصريحات الجعفري في وقت لاحق إنه إذا أراد العراق استخدام القوة فينبغي أن يكون ذلك ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، مشيراً إلى أن بغداد لا تسيطر على ثلث الأراضي العراقية.
حجج تركيا في ممارستها وغطائها محاربة الارهاب وتدريب مقاتلين والتغلغل العسكري تخدم تنفيذ مخططات محور تفتيت المنطقة وتقسيم المقسم فيها، ولا يتم هذا دون اتفاق او وحي من حلف الناتو والولايات المتحدة الاميركية وقاعدتهما الاستراتيجية العسكرية في المنطقة... كل هذا مع ما ورد من تصريحات وتضاربها يذكر بأحلام وأوهام ويصب في اعادة انتاج او صناعة ازمات جديدة في ظروف العراق الحالية والمساهمة في الاخطار المحيقة بمصيره ومستقبله.
* كاتب عراقي