ترافق صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٢٥٤ بصدّد حل الأزمة السورية مع إعلان من مراكز الأبحاث الأميركية عن حل يتضمن مصير الرئيس الأسد في عام ٢٠١٧، وذلك مع اعلان بدء محادثات «جنيف ٣» يوم غد الجمعة.
واضح ترحيل الحل عاماً من اليوم على الأقل، ومفهوم أن الإدارة الأميركية عادة تدخل إجازة في العام الأخير من ولاية الرئيس الأميركي، أي العام الرابع. والرئيس الحالي باراك أوباما يستعد للرحيل بعد إنهاء خدمة ولايتين متتاليتين، وحتى لو عاد حزبه الديمقراطي إلى الحكم، فإن أوباما لم يعد يملك من السلطات ما يكفي لخوض غمار البحث عن الحل السوري الذي لم يمكن القيام به طوال فترة حكمه، وحيث كانت كل الصلاحيات بيده بقوة.
كلام كثير يجرى تداوله عن توافق أميركي - روسي لضرب ما أطلق عليه تسمية الإرهاب، أو أن الأميركيين أعطوا الروس الضوء الأخضر لخوض المعركة ضد الإرهاب بكل قوة.
لكن إذا نظرنا إلى واقع حال الولايات المتحدة الأميركية، وحتى وضع تحالفها برمته، يمكننا معرفة ما يمكن أن تصل إليه التسوية المنطلقة افتراضاً من قرار مجلس الأمن الدولي، وتقدير أبعاد المرحلة المقبلة واتجاهاتها ومسارها.
قبل ذلك، لا بد من لفت النظر إلى أن قساوة الهجوم الروسي على مواقع المسلحين في سوريا جاء بعد خطوات وتطورات عدة، منها يقظة الروس عقب سباتهم إثر انهيار المنظومة السوفياتية، وتطور أوضاعهم التدريجي استعداداً للعودة للعب دور يحمي روسيا من مخاطر الخارج، وتهيئة الظروف للخروج إلى العالم، وتطوير أسلحتهم، واختيار الظرف المناسب للهجوم وهو دخول الولايات المتحدة الأميركية العام الأخير من ولاية الرئيس.

معطيات كثيرة توافرت وأتاحت للروس الهجوم بقوة مؤثرة في سوريا

معطيات كثيرة توافرت وأتاحت للروس الهجوم بقوة مؤثرة في سوريا، لكن آخر ما يمكن القبول به هو أن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر لضرب الإرهاب. والسبب بسيط أن الولايات المتحدة لا تملك من القوة ما يؤمن لها صلاحية السماح أو المنع. ولو كانت تملك القوة، لأمكن التوصل إلى حل تسوية في سوريا، أو لتمكنت من فرض حل سبق أن جربته في غير بقعة من العالم يوم كانت في عز قوتها، ويوم كانت منفردة بالقرار العالمي كدولة عظمى.
كما ان عبارة ضرب «الإرهاب» من الطرف الأميركي دونه التباسات كثيرة، فمن غير المعقول بأبسط الحسابات، أن يتخلى طرف عن قوة بيده بينما لم يعد يملك الكثير من القوة ليقبل بالتفريط بما يملك. وما المنظمات التي أسميت بالإرهاب إلا من صنيعة الحلف الأميركي - السعودي، وهذا لم يعد خافياً على أحد. وبسبب ذلك، كانت الضربات الأميركية على الإرهاب أشبه بالمسرحية، ولم تتعدّ «الزكزكة»، إلى أن جاءت الضربات الروسية المؤثرة والفاعلة لتؤكد هزال الهجوم الأميركي على الإرهاب.

الحل

يحمل الحل السوري احتمالين، إما بالتسوية أو بأن يحسم طرف المعركة لصالحه.
إذا تحدثنا بحل بالتسوية، علينا ان نضع شروطه، ومعرفة متى يمكن أن تقع التسوية. وفي الحالة السورية، وبعد كل الذي جرى على مدى يناهز السنوات الخمس، نجد أن المحور الشرقي ما يزال متقدماً عسكرياً بقوة على المحور الآخر المتمثل بالمنظمات العسكرية الإسلامية التي يطلق عليها اسم المعارضة السورية المسلحة. ميدانياً، لا يملك المحور الغربي في ميزان القوى الداخلي القوة التي تؤهله للجلوس إلى طاولة المفاوضات بهدف التوصل إلى حل، ولا يملك أوراق قوة يضعها على الطاولة، ويحقق بها فرض مطالبه. فبعد الضربات الروسية، حقق الجيش السوري تقدماً واسعاً، وبات ميزان القوى في صالحه، وصالح حلفه. ورقة الداخل السوري ليست رابحة حالياً في الظرف الراهن، ولا يبدو الأفق القريب متغيراً لصالح الحلف الغربي.
من ناحية ثانية، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، استباحت الولايات المتحدة العالم، وحققت مطامحها ومطامعها في أكثر من بقعة في العالم. لكن سياسة الولايات المتحدة اصيبت بانتكاسات استراتيجية وعسكرية كبيرة نتيجة المقاومة التي تعرضت لها، وخسرت الكثير في غير بقعة من العالم. مرّت فترة أصيبت دول العالم بالهلع من تفرد الولايات المتحدة بالعالم، ولم تجرؤ دولة في عقدين من الزمن من تصعيد موقفها ضد الولايات المتحدة.
تطورات تاريخية حصلت أدّت في ما ادّت إليه إلى تراجع حال السياسة الأميركية في العالم، منها هزائم أفغانستان والعراق، ومنها تصاعد قوة دول المحور الشرقي. وغلبت الولايات المتحدة سياسة الاعتماد على الصراع بقوى أخرى، وليس بالتورط المباشر، ومما اعتمدت عليه العسكرة الإسلامية.
في نزوعها نحو السيطرة والتمدد، بحثت الولايات المتحدة عن حلول لأزمتها الاقتصادية البنيوية بعد أن فقدت الكثير من القوة الذاتية في أزمتها المالية التاريخية. وهي فقدت قوة الحلفاء الأوروبيين، ولم تعد أوروبا حليفاً يمكن الاعتماد عليه في التنامي الاقتصادي، فلأوروبا أزمات ربما أعمق من أزمة الولايات المتحدة، وأزمتها جزء من أزمة النظام العالمي، وما آلت إليه حال النظام الراسمالي من تآكل وترهل.
وفي بحثها عن بدائل من الحلفاء، اتجهت الولايات المتحدة إلى تشكيل تكتلات عالمية تحاول بها حلحلة بعض تداعيات أزمتها المالية، وتحقن بواسطتها بعض قوة لشيخوختها، وأكبر وأهم تجربة سعت الولايات المتحدة إليها هي «شراكة دول آسيا المحيط الهادئ»، لكن لم يظهر حتى اليوم ما يمكن الركون إليه في كل هذه المحاولات.
وبين خسائرها الذاتية في المواجهات العالمية، وعدم القدرة على التدخل مباشرة في ساحات العالم لفرض ما يحقق مصالحها، من جهة، وعدم توافر بدائل تدعمها، وتستند إليها لتأمين بديل جديد، من جهة ثانية، مع سقوط الرهانات على تغيير الوقائع في سوريا، تفقد الولايات المتحدة، ويفقد حلفاؤها معها، القوة، وإذا تقدموا إلى طاولة المفاوضات، فسيكونون ضعفاء، ونصيبهم الهزال. لا يملكون ورقة ضغط، وليس بيدهم ما يفاوضون به.
بالمقارنة مع المحور الآخر، وإثر تصاعد قوة الحلف الشرقي، ورأس حربته تحالف روسيا - إيران، فقد حقق الحلف اتفاقية النووي، ووجه ضربات كبيرة للقوات المقاتلة للنظام في سوريا، وتقدم على غير صعيد في العراق، وأفشل حتى اليوم خطط السيطرة على اليمن. حقق المحور انتصارات نسبية تمكّنه من فرض بعض شروط على الأقل، في الوقت الذي يعجز فيه الحلف الآخر عن ذلك.
وبسبب عدم تكافؤ القوى، تصبح التسوية غير ممكنة، فالتسوية تشترط نوعاً من التوازن تسمح بخروج حل يرضي كل الأطراف. ميزان القوى الحالي لا يتيح للحلف الغربي تحقيق شيء، وفرض أية شروط، وتقدم المحور الشرقي لا بد أنه لا يتيح للآخر الدخول في أية تسوية.
من هنا، تأتي خطط الولايات المتحدة الأميركية القائلة بتسوية في العام المقبل ٢٠١٧، وفيها بحث مصير الأسد. تؤجل الحل لأنها لا تملك ما تفرض به رغبتها ومصلحتها، وترخي إرثاً ثقيلاً على القوة التي ستنتصر في الانتخابات الأميركية، وتعجز عن منع ضرب الإرهاب، بل عن حمايته كربيب لها. ومن هنا، سيشكل القرار الأممي مساحة مناورة للحلف الغربي يسعى من خلاله إلى تأجيل البحث الجدي في أي حل، وسيتخذ من لعبة شد الحبل بين ضرب الإرهاب من جهة، ورفده بالقوة العسكرية والبشرية من جهة ثانية، عناصر مناورة تؤجل التسوية.
لكن تأجيل التسوية لا يعني بالضرورة عدم التوصل إلى حل. وما الوقائع الجارية على الأرض إلا إرهاصات حل من جانب واحد، وفيها يتولى الحلف الشرقي تشديد ضرباته على الأرض، خصوصاً في سوريا، ويتقدم الجيش السوري بهدف استعادة القدر الأكبر من المناطق التي وقعت بأيدي المقاتلين الإسلاميين المعارضين، ولن يعود الحديث عن التسوية بعد إعادة تشكل السلطة الجديدة في الولايات المتحدة، إلا ويكون الوضع الميداني قد تثبت في سوريا بما يرغبه الحلف الشرقي.
ليس العام الجديد عالم تسوية، بل عالم حل من جانب واحد، قد لا يؤمن للحالة التي ستتشكل في سوريا الاعتراف به من الحلف الغربي، لكن بإمكانه التعايش والتنامي والاستمرار في الحلف الشرقي على المستويات السياسية والاقتصادية والتنموية، فآسيا هي الكتلة الناهضة والتي سيكون بمقدورها تشكيل عالم اقتصاد، وعمل ونمو واسع بمشاركة أكبر الدول، وأقواها، وأكثرها عدداً، ولن يكون النظام السوري القادم، برئاسة الأسد، بحاجة لاعتراف محور الغرب به إذا استمر هذا المحور على تعنته.
ما إن وقع على الاتفاق النووي، حتى هرعت الدول الأوروبية إلى الانفتاح على إيران، تبحث عندها عما فقدته مع السعودية الغارقة في وحول تخبطها في سوريا واليمن والعراق وغير ساحة. وعند تثبيت واقع الانتصار السوري، لن يكون غريباً مشهد الدول عينها مسرعة للاعتراف بما تحقق وفرض، وما على المحور الشرقي المتحول إلى الهجوم منذ مدة إلا التسريع في خطوات انتصاره، فيستريح ويريح العالم معه.
وسيكون القرار الأممي الأخير مجرد إضافة لقرارات الأمم المتحدة غير النافذة إلى أجل غير معروف.

* كاتب لبناني