(«ها أنت تعود للحكم يا أبي»، أول جملة قالتها رئيسة الوزراء الباكستانية الراحلة بنازير بوتو بعد تولّيها الحكم مباشرةً)


انتصر الرئيس بشار الأسد في الانتخابات المحلية كما سينتصر في المعارك التي تحدث على الأراضي السورية عاجلاً أم آجلاً. ذلك أمرٌ بات في حدود الممكن، بعدما كان أول أيام الأزمة السورية، أقرب إلى الخيال.

الرئيس الشاب الذي لم يكن قد خبر شؤون الحرب أبداً قبل سنيها الثلاث، فاجأ الجميع بصلابته أمام استحقاقاتٍ سريعة وكثيرةٍ داخليةً وخارجية.
ترنح النظام كثيراً ولم يسقط، تآكل من الداخل ولم يهترئ، حتى أن أكثر المؤمنين بالنظام ساورته شكوكٌ كثيرة بأنَّ بقاء الأسد في قصر المهاجرين بات أياماً معدودة، لكن صلابة النظام – والأسد شخصياً - أثبتت فعاليةً كبيرة.
لكن ما لا يمكن الشك فيه أبداً، هو أنَّ ما لدى الأسد اليوم، هو نتاجٌ لما صنعه والده، الرئيس الراحل حافظ الأسد. فالأسد الأب، والذي اعتلى سدة الحكم إثر انقلابٍ «أبيض»، (دعاه بالحركة التصحيحية على رجل سوريا القوي آنذاك صلاح جديد) مهد لحكم مختلفٍ ودولةٍ عميقة، يظل مسيطراً عليها – هو شخصياً - حتى بعد نزوله
القبر. وفي ذلك تشابه مع رئيس أسبق لباكستان هو ذو الفقار علي بوتو (والد رئيسة الوزراء الراحلة بنازير بوتو) الذي قال للجنرال ضياء الحق وهو أمام المشنقة: «سأحكم باكستان من القبر». لا يزال حافظ الأسد يحكم سوريا من قبره. جاهد الحرس القديم الذي تركه الأسد الأب لوراثته، لكنه بعد رحيل ابنه البكر (باسل إثر حادث سير) المعدّ للحكم، تخلّص منهم جميعاً: أحالهم على التقاعد، ببعض غلظة وكثير حزم. هو لم يكن يتوقع – بالتأكيد - ثورةً مشابهةً على ابنه البعيد من السياسة والقليل الخبرة، لربما جل ما كان يخشاه هو انقلابٌ أبيض (أو أحمر) على أكبر تقدير، لكن إذا كان ما حصل يعد مفاجأةً؛ فإن صمود الأسد الابن سيجعل الأب مدهوشاً وإن مرتاحاً وسعيداً في آونة واحدة.
ولكن قبل الحديث عن الانتصار المقبل، وعلى عادة العرب: معرفة الخصم أصل النصر. كان معارضو النظام ومناوؤه أقرب إلى النصر، وخطفها الأسد منهم. هذه هي كل الحكاية. فالثوار الحديثون امتلكوا أول الأزمة الشيء الأكثر أهمية في أي ثورة: «الزخم» (momentum)، والزخم هو تلك الطاقة التي تدفعك مباشرةً باتجاه هدفك، وتجعل خصومك خائفين للغاية، غير مدركين ما العمل. لم يعتد النظام القاسي أي معارضةً من قبل، فجأة وجد نفسه في حال مشابهة لأنظمة سقطت قبله.
وما حدث في تونس وليبيا ومصر كاد يتكرر بنسخة كربونية في سوريا: شباب غاضب، تظاهراتٌ بأعداد كبيرة، نشطاء مع أيام جمعة تحمل أسماء خاصة، دعم إعلامي «عالمي» هائل، ضغوط سياسية خارجية داعمة للثورة. ولأن ما حدث كان جديداً، كان من الطبيعي أن تحصل الأخطاء من الطرفين: النظام فعل كل ما فعلته الأنظمة التي سقطت قبله، العنف المفرط، القسوة الهائلة، ولكن ذلك كلّه لم يكن ذا فائدة، بدا الشعب السوري مصمماً على النجاح بثورته تلك. وسقط الثوار في فخ العسكرة. العسكرة التي لم يجيدوها بعد، لأسباب كثيرة أبرزها أنها تحتاج مراساً وسنين طوالاً، فضلاً عن استجلاب أعداء لا يحتاجون إليهم من خلال معاداة حزب الله وإيران منذ بدايات الأزمة ومن دون سبب منطقي واع (سوى محاباة الغرب). على الخط نفسه، دفع الغرب بكل إسلامييه إلى بؤرة سوريا: هنا نهاية المطاف، لقد جرت رعايتكم كي تَفْتَرِسوا
هنا!
لِمَ يفوز الأسد سياسياً؟ عسكرياً؟ لِمَ فاز في الانتخابات السورية؟ ما سر الحشود الهائلة من السوريين النازحيين إلى لبنان المقبلين على الاستفتاء بـ«نعم» كما لو أنَّ النظام لا يزال بعافيته؟ ولماذا منعت دولٌ غربية وعربية السوريين على أرضها من المشاركة في الانتخابات؟ الإجاباتُ سهلةٌ بسيطة. برهن الرئيس الأسد أنه لايزال الورقة الصعبة التي لا يختلف عليها السوريون كثيراً، فهم وإن كرهوه وشتموه عند بدايات الثورة، عادوا وتنبهوا إلى أن أحداً من منافسيه في المعارضة لم يمتلك أياً من كاريزمته وصلابته وإطلالته السياسية.
فالأسد، من خلال بقائه داخل سوريا، أثبت أنه ليس شجاعاً فحسب، بل هو قائدٌ محارب، والقائد المحارب يستحق التقدير في أعراف العرب؛ عرف السوريون ذلك وقدّروه
جيداً. فهو مثلاً لم يشارك شخصياً في معارك مطار منغ أو صمود سجن حلب أو تحرير مناطق كثيرة، لكن إصرار ضباط وجنود الجيش السوري على الهتاف باسمه «تباركاً» في كل حين وصوره المتناثرة في كل مكان، جعلت للرجل مكانةً قدسية، قل أن تكون لرئيس في عمره.
في الإطار عينه، لم تستطع المعارضة بجميع أطيافها أن تظهر نفسها كوريثٍ شرعي منطقي للنظام السوري بتمظهراته كلّها، ويكفي أن نعرف مثلاً أن الشرطي السوري – التابع للنظام - لا يزال يحرر بطاقات لمخالفي نظام السير حتى اللحظة، بينما لم تستطع المعارضة تشغيل مدرسةٍ واحدة بشكلٍ طبيعي أكثر من أيامٍ معدودة في المناطق التي سيطرت عليها.
لم تكن المعارضة السورية جاهزة كي تحكم أي شيء، لذلك كان من الطبيعي أن يأتي الإسلاميون ذوو الخبرة والمراس في المعارك والتنظيم ليحلوا مكانها ويسيطروا بسرعةٍ بالغةٍ على أغلب المناطق التي كان الجيش الحر يسيطر عليها.
تلك كانت الطامة الكبرى. فـ«داعش» مثلاً تنظيمٌ مبتدع قائمٌ أساساً على الإخافة والترهيب، أكثر من كونه نظاماً شبيهاً بتجربة حزب الله اللبناني، فهو يعتمد – قبل أي شيء - على أسلوب حرب الغوار السريعة ولكنه في الوقت نفسه حال سيطرته على المكان، يقوم بتطبيق أقسى شروط الإسلام بحسب ما يراه: يقتل المخالفين حتى ولو كانوا أطفالاً (أعدم «داعش» طفلاً في العاشرة من عمره، قبل أيام بحجة أنه رافضيٌ كافر)، يصلب أي مخالفٍ لشعائره (صلب شاب مسيحي لأكثر من عشرة أيام في الرقة لأنه مارس طقوساً «كفرية» بحسب المحكمة التي أمرت بقتله ثم صلبه)، ولا يتعامل باللين في أي شأن (تحكى بعض القصص المنقولة أن أحد أمراء «داعش» أمر بجلد جثّة لأنّها لم تكن طويلة اللحية).
لكن أكثر ما دفع السوريين إلى اعطاء النصر للأسد؟ هنا مربط الفرس: العنصرية المذهلة التي مارسها أشقاؤهم العرب عليهم، فالسوريون كانوا قد جربوا البلاد العربية سابقاً، لكنّهم لم يجربوا الحاجة إلى تلك البلاد وأناسها، فهالهم ما شاهدوه
وخبروه.
بيعت الفتيات السوريات في أسواق النخاسة والعبودية الجنسية العربية، وعوملت عائلاتهم في دول الجوار بأقذر الطرق الممكنة، فبحسب المرصد الأوروبي لحقوق الإنسان هناك شبكات في كل من تركيا والأردن ولبنان، «تستورد» فتيات سوريات قاصرات - لغاية اللحظة - لتشغيلهن في ألمانيا في أعمال مختلفة أبرزها تجارة
الجنس.
كل هذه الأمور جعلت السوريين يدركون بأنّه لا حلّ لهم سوى ما يعرفونه واعتادوا عليه وألفوه: سوريا الأسد. بلدٌ هادئ، أطفالٌ يغدون إلى مدارسهم، رجالٌ يبحثون عن عملٍ قد يجدوه، شرطيٌ قاسٍ بعض الشيء، لكنه لا يقطع الرؤوس.
لهذا أيضاً ينتصر الأسد اليوم، وسينتصر الأسد غداً، ففي النهاية يبقى هو الضمانة الوحيدة لعودة الحلم المفقود عينه: سوريا نفسها؛ سوريا كلّها.
* كاتب فلسطيني