لا تتعلّق هذه المقالة بالموقع السياسي الذي انتمى سمير قصير إليه، ولا بالجريدة الذي التصق اسمه بها لسنوات، ولا بدوره - مع القوّاتي إيلي خوري - في تصميم شعارات ورموز لأسوأ حركة سياسيّة مرّت على لبنان منذ القضاء على مشروع بشير الجميّل. ليس هذا هو موضوعي. سيقتصر الكلام هنا عن كتاب له صدر بالفرنسيّة بعنوان - حسب الترجمة العربيّة المنشورة - «تأمّلات في شقاء العرب». هذا الكتاب صدر أيضاً في ترجمة سريعة (نسبيّاً) بالإنكليزيّة بعنوان «أن تكون عربيّاً».


ولن يتعرّض نقدي لمضمون الكتاب - المضمون فقط - لمشروع وخلفيّة ترجمة الكتاب (إذ ان الترجمة عن الفرنسيّة إلى الإنكليزيّة مُوّلت من قبل «هيئة أهل القلم» البريطانيّة بالإضافة إلى «دعم» من قبل وزارة الخارجيّة الفرنسيّة من خلال القسم الثقافي للسفارة الفرنسيّة في لندن، بحسب ما يرد في الصفحة الأخيرة من الترجمة الإنكليزيّة). مُلفت، طبعاً، متى وكيف تقرّر وزارة الخارجيّة الفرنسيّة أو هيئة غربيّة ان كتاباً لعربي أو عربيّة يستحق الترجمة إلى لغاتهم: مشروع الترجمة الأدبيّة والسياسيّة عن اللغة العربيّة تفلّت من أيدي العرب وبات يخضع لمعايير غربيّة صرفة. هناك كتب لـ«شعراء وأدباء» عرب - لم يسمع بهم معظم الشعب العربي - تُرجمت إلى لغات لم تُترجم إليها كتب طه حسين أو ميخائيل نعيمة أو توفيق الحكيم أو بدر شاكر السيّاب أو خليل حاوي. هناك الكثير من الكتب السياسيّة والفكريّة المهمّة في العالم العربي المعاصر وهي لم تُترجم إلى لغات غربيّة، مثلاً: لم تُترجم كتابات محمد عابد الجابري أو جورج طرابيشي أو ياسين الحافظ أو محمد شحرور - بصرف النظر عن التقييم النقدي لهؤلاء - أو غيرهم الكثيرين. هل يمكن لحكومة غربيّة أن تتبنّى كتاباً بالعربيّة لو لم تكن طروحات الكتاب متوافقة بالكامل مع التوجّهات السياسيّة تلك الدولة، خصوصاً أننا نعلم انه لو صدرت كلمة مؤيّدة للمقاومة ضد العدوّ الإسرائيلي عن شاعر أو مطرب عربي فإنه يوضع فوراً على قائمة غربيّة «سوداء» (طلبت الحكومة البريطانيّة طرد السفير السعودي غازي القصيبي من أراضيها ومن منصبه بعد كتابته لقصيدة أزعجت الاحتلال الإسرائيلي)! الحكم في هذا للقرّاء طبعاً. ما علينا. قد تكون هذه تفاصيل - وهي ليست كذلك أبداً - عند البعض. لندخل في موضوع الكتاب.


الركاكة النظريّة في
الكتاب تتركّز حول التكرار الرتيب لكلمة «حداثة»
لقد درّج فؤاد عجمي في كتابه «المحنة العربيّة» عادة غير محمودة في الكتابة عن العالم العربي في الغرب: بدأ في عام 1981، عند نشر كتابه «المحنة العربيّة» عن دار نشر جامعة كمبردج، أسلوب التحرّر الكلّي من اللغة والمنهج الأكاديمي في علوم الاجتماع الغربيّة عند الحديث عن العالم العربي. لم يكن كتاب عجمي إلا مجموعة من الخواطر والتعميمات المكتوبة بأسلوب إنشائي أخّاذ (وإن أصبح هذا الأسلوب مملاً ومُكرّراً ورتيباً في كتابات عجمي اللاحقة)، ما ساهم في انتشارها خصوصاً أن عجمي في كتابه ترجم للقارئ الغربي نقاشات أجريت في العربيّة عن أسباب ومضاعفات هزيمة 1967. لا يمكن أن يُكتب كتاب كهذا، مثلاً، عن الشعب المكسيكي أو الأفريقي. تضيق كليّات علم الاجتماع هنا بما يُنظر له على أنه اعوجاج أو حيْد عن لغة وأسلوب ومنهج مُتعارف عليه أكاديميّاً. وحاول كثيرون وكثيرات بعد صدور كتاب عجمي تقليده في محاولة لكسب نجاحه مجدّداً، لكن تلك المحاولات لم تنجح. يندرج كتاب سمير قصير - الذي تحدّث عن «نواقص خطيرة» في الثقافة العربيّة - في هذا الباب (ولا تضيف تقدمة روبرت فسك له أية مصداقيّة لأن الرجل فاقد المصداقيّة في عمله الصحافي الذي يزخر بالأخطاء وباتهامات بفبركة مواقف وأحداث، لكن وليد جنبلاط يرتاح لمجلسه).
قد يكون كتاب قصير أسوأ من كتاب عجمي إذ أنه يفوقه في تشخيص الأمراض العربيّة وعزوها إلى عامل نفسي (هي كانت أكثر ثقافيّة في كتابات عجمي وإن كان تبنّى التحليل النفسي المبتذل للعرب فيما بعد)، كما أنه يفتقر أكثر منه إلى المعلومات والاستشهادات (غير تلك العامّة مثل إعلامنا أن ابن رشد هو فيلسوف). لا يخفي قصير أجندته إذ انه يقول في مقدمة الكتاب: «إن شعوراً من الاضطهاد، وكراهية للذات عند البعض، وقلق عميق يسود في العالم العربي». لا يمكن إطلاق تعميمات نفسيّة من هذا النوع - مِن مَن تخصّص في علم الاجتماع - عن أي شعب آخر. تصوّر (وتصوّري) ردّة فعل المختصّين الأكاديميّين والأكاديميّات لو ان هناك من وصّف الحالة النفسيّة المريضة لملايين الأفارقة بأسلوب كهذا. ويُكرّر قصير في مختلف أنحاء الكتاب كلاماً عن الإحباط العربي ويقول هناك شعور «منتشر بصورة كبيرة ومُتجذّر بعمق» ان ليس للعرب - بملايينهم - من مستقبل (لن أستطيع أن أستشهد هنا بأرقام الصفحات لأن النسخة التي قرأتها على برنامج «أويستر» للكتب كانت إلكترونيّة وتخلو من ترتيب الصفحات المطبوعة). ويضيف قصير أن عقدة العرب هي دفينة نحو الغرب الذي لا يجوز مقارنته بالعالم العربي لأنه - أي الغرب - مبني على «المواطنيّة المبنيّة على «هابياس كوربس» (حق الفرد القانوني) وعلى حقوق الإنسان». ويرفض فرضيّة المقارنة بين الحضارتيْن العربيّة والغربيّة - بسبب تفوّق الثانية، إذ أن يبدأ كتابه بالحديث عن حضارات متصارعة في بداية الكتاب، ليعود ليرفض مقولة سامويل هتنغتون في آخره. وبسبب هذه العقد التي تتحكّم بالفرد العربي فإنه يصبح «مشوّهاً بالفطرة» - الكلام لقصير طبعاً. لكن قصير لا يشرح لنا قدرته أو اهليّته للتشخيص النفسي للحالة العربيّة. وحكم قصير القاطع (والمفارقة انه كُتب قبل زمن اندلاع الانتفاضات العربيّة) مفاده: «ما تبقّى هو حال من الضعف المُزمن الذي يجعل من فرص النهوض مستحيلة». وهذا التحليل النفسي مُلائم للسياسات الغربيّة الاستعماريّة لأنه يزيل كاهل اللوم عنها، ويضعه على الشعب العربي المُستعَمر: إن المُستعمِر بريء، «يا حضرة القاضي»، كما يقولون في الأفلام المصريّة. ويشطّ في تضاعيف الكتاب في وصفه الطبّي لحالة العرب إذ تجده يقول: هناك «حالة من الإحباط الفظيع التي حقنت التاريخ العربي المعاصر بالتوتّر وأغرقته باضطراب غير خاضع للتبسيط». أين العلاج؟

يمكن لمستشرق
غربي أن يعزو مقاومة حزب الله للعدوّ الإسرائيلي إلى عشق الدم

لكن الإشارات السياسيّة في الكتاب تتوافق مع السياسات التي تبنّت في الغرب مضمون الكتاب. ماذا يعني، مثلاً، أن يُكرّر قصير مقولة أن غزوات أميركا العسكريّة ترتدي طابع «شرطي» المنطقة، مَع ما في هذا الوصف (المُستعمَل بوفرة في الغرب) من إجحاف لأنه يضع الإجرام في تضاد مع غزو أميركا، فيما الإجرام يكمن في حروب أميركا: أميركا هي مجرم المنطقة لا شرطيّها. ويصدّق قصير ان إمكان رفض الغزو الأميركي يمكن أن تأتي فقط من «المجتمع المدني» الغربي، وأن العرب لا قدرة لهم على معارضة الاحتلال (طبعاً، إن مقاومة الاحتلال، وطرد أميركا من العراق وأفغانستان، لم يقم بها المجتمع المدني الغربي). ويُكرّر قصير تلك الأضحوكة التي ترد على ألسنة يساريّين سابقين (والمطرودين من أحزاب يساريّة) عن أن حزب الله «احتكر» مقاومة العدوّ وكأن الحزب منع بالقوّة احزاباً يساريّة من قتال العدوّ. ينسى هؤلاء مشاهد الشيوعيّين في بيروت والجنوب في عام 1982 (قبل الاجتياح الإسرائيلي وخلاله وبعده)، عندما كانوا يحرقون الأدبيات الماركسيّة إمعاناً في تنصّلهم من الشيوعيّة، وينسى هؤلاء ان قطاعاً عسكريّاً بحاله في الأحزاب اليساريّة تقاعد عن النضال بمجرّد ان بدأ الغزو. هل هناك مَن يشرح لنا كيف احتكر حزب الله مقاومة العدوّ؟ هل أوقف الحزب يساريّاً كان في طريقه لتفجير دبّابة للعدوّ يوماً ما؟ هل منع الحزب أحداً من اغتيال قادة جيش لحد؟ أكثر من ذلك، يلوم قصير «ثقافة» تمجيد المقاومة في صفوف الشعب الفلسطيني لأنها تلوّث سمعته... في الغرب.
ويرى قصير أن ردة الفعل الدينيّة (هو يقصد الإسلاميّة فقط) في العالم العربي هي بذاتها دليل أو «مؤشّر» إلى حالة «الإحباط» أو «التوعّك» العربيّة (كلمة «ماليز» الفرنسيّة ليست سهلة الترجمة). لكن ماذا إلى ماذا يؤشّر صعود الدين وردوده في أميركا، مثلاً، أو في الهند؟ لماذا تكون كل العلامات المَرَضيّة العربيّة حصريّة واستثنائيّة وكأن الجذام (العقلي والنفسي) أصابهم دون غيرهم؟ ويلوم قصير ما أسماه بـ«تعثّرات» أو «أخطاء» الاحتلال الأميركي في العراق في تفسير انبعاث الحركات الدينيّة، أي ان الاحتلال - من دون أخطاء - كان يمكن ان يؤدّي إلى ما هو أفضل (أي غير ديني إسلامي الطابع). وقصير يتحدّث عن «تأثير حقيقي» للحكم السعودي في العالم العربي، من غير أن يضيف أن هذا التأثير ينبع من السلطة الماليّة له (والعسكريّة للراعي الأميركي). أي ان هذا التأثير، بتعريف حنة أرندت هو دليل على عدم التأثير. وتصنيفات النظم في المنطقة عند قصير لا تحيد ولا قيد انملة عن أدبيّات فارس سعيد وشلّة «الأمانة العامّة» (وهي في «حالة انعقاد دائمة» منذ نحو ثلاث سنوات عجاف): يُقرّر قصير أن في كل العالم العربي وعرضه (وهذا قبل عصر الانتفاضات المتعثّرة) ليس هناك إلا نظامان ديكتاتوريّان، في سوريا وليبيا، أي في البلديْن اللذيْن لم يكونا على وئام مع الحكم السعودي. يا للصدف. نستنتج ان باقي النظم حالات متنوّعة من الحكم اللطيف. أما نظام الأردن فهو في تصنيف قصير «شبه ديمقراطي».
وكان القارئ قد استراح لو أن قصير لم يتحفنا بتكرار للكثير من الكتابات السطحيّة عن العالم العربي، والتي لم يقرأ كتّابها من المصطلحات العربيّة إلا واحدة، مثل استعانته بمصطلح «العصبيّة»، مرّة أخرى، لتفسير السياسة في المنطقة. والمزعج في حديث قصير في موضوع الحركات الإسلاميّة (ومعرفته بالإسلاميّات وبالتراث العربي الأدبي والتاريخي، ضحل للغاية، وتكفي تعريفاته السريعة عن الفلاسفة العرب والمسلمين أو في تلخيصه المضحك - في اختزاله - لتاريخ العلوم عند العرب لتبيان ذلك) أنه لا يخفي نزعة عداء (طائفيّة؟ سياسيّة؟) ضد الشيعة فيلوم العداء العربي للغرب على دور الثورة الإيرانيّة في تصدير هذا العداء «من خلال الشيعة في جنوب لبنان»، وكأن لا أسباب عقلانيّة للعداء العربي للغرب. لكن العداء للحركات الإسلاميّة بصورة عامّة عنده لا يختلف عن الكتابات الغربيّة عنها (الأقل منزلة من الاستشراقيّة الكلاسيكيّة) بعد 11 أيلول والتي ترى تشابهاً بينها وبين الحركات الفاشيّة في أوروبا.
لكن الركاكة النظريّة في الكتاب تتركّز حول التكرار الرتيب لكلمة «حداثة» من دون إعطاء مضمون لها، ومن دون إظهار معرفة بنقد الحداثة، غربيّاً على الأقل، لأن المعيار المعرفي عند المؤلّف هو غربي (كان الكاتب سيُفاجأ لو قرأ تراث «مدرسة فرانكفورت» في نقد الحداثة). كل ما في العالم العربي من «أمراض» تُعزى عنده الى عدم تلقّف «الحداثة». خذوا وخذن هذه الجملة: «إذا لم يستردّ العرب تاريخهم، ستبقى علاقتهم مع الحداثة في القرن الواحد والعشرين يلفّها سوء الفهم». و«النهضة»، عند قصير، هي أيضاً غير مُعرّفة وهي متلازمة مع الحداثة، فيكون التمهيد لها، تاريخيّاً. وقصير في حديثه عن «روّاد النهضة» يبدو غير ملمّ بأعلامها وبكتاباتهم فيربط إنجازات إبراهيم اليازجي بالشعر فقط ويربط إنجازات بطرس البستاني بتأليف «دائرة المعارف». علاقته بالتراث الأدبي والتاريخي العربي علاقة سائح، لا أكثر. ولا يختلف قصير في تناوله لموضوع النهضة عن تناول عتاة المُستشرقين بالنواحي الطائفيّة إذ يرى في اشتراك الشيخ يوسف الأسير في ترجمة الإنجيل «أقوى رموز انسانيّة النهضة وأكثرها تأثيراً». لماذا؟ لا ندري. وجهله في التراث الشعر العربي يدعه يصفه بصفات لا علاقة لها البتّة به. وهو يرى ان أحمد شوقي هو الذي جدّد في كتابة الشعر العربي (أية مفارقة هي هذه؟) وأن نزار قبّاني كتب في «مديح المرأة» (لعلّه يقصد في مديح نهديها، وأوّل كتاب شعري لقبّاني كان بعنوان «طفولة نهد» في عام 1948).
وصاحبكم لا ينفر من القوميّة إلا إذا كانت عربيّة فيقول إنها هي التي شوّهت مفاهيم «حقوق الإنسان» التي روّج لها روّاد النهضة، من دون أن يعلمنا عن واحد منهم روّج لحقوق الإنسان. لم تكن حقوق الإنسان رائجة آنذاك، ولم يكن تمويل الاتحاد الأوروبي والوكالة الأميركيّة للتنمية تروّج لتلك المفاهيم لأغراض الباطل. وهو يعيد مقولة برنارد لويس عن ان الحريّة لم تعنِ عند العرب حريّة الفرد. وتصانيفه للقوميّات يخضع لتعصّب قومي للقوميّة اللبنانيّة (والفرغونيّة في مصر) فيقول إن الأخيرتيْن تأثّرتا بـ«التراث الليبرالي» - لعلّه يعني آل الجميّل هنا - فيما يرى في القوميّة السوريّة تقليداً للقوميّة الألمانيّة العنصريّة. نسأل: من ارتكب من الجرائم العنصريّة تاريخيّاً؟ القوميّة اللبنانيّة ام السوريّة؟
لكن مرامي الكاتب تتوضّح في القسم الأخير من الكتاب، وتراه عفواً، ومن دون توضيح او تصريح أو تعريف، يشير إلى ما يعنيه بمفهوم «الحداثة» و«النهضة»: إنه تقليد الغرب. فتراه يبتهج (لمعالم «النهضة») لتقليد الغرب في التصميم الداخلي والفن (ويظنّ قصير، مثل بعض الذين لم يتعمّقوا في التراث الإسلامي ان «الحظر» الديني على التصوير منع رسم الأشخاص من قبل المسلمين: يبدو انه لم ير قسم الفن الإسلامي في متحف الـ«لوفر» في باريس، ولم يشاهد تصويراً للرسول نفسه من قبل مسلمين من فارس وبلاد الأفغان). هو يُسرّ لأن أم كلثوم أدخلت الغيتار الغربي على الموسيقى العربيّة (هو يقول إن ذلك حدث في السبعينيات فيما أن ذلك حدث قبل عقد من ذلك، على الأقلّ). ويعلن عن غبطته لأن الأغاني العربيّة «انكمشت» إلى «المعيار الغربي» في مدّتها الزمنيّة. إنها النهضة والحداثة، يا قوم. ويظنّ قصير أن النساء المسلمات كنّ قابعات في المنازل قبل ظهور هدى شعرواي (وحديثه عن شعراوي لا يمتّ بصلة إلى النقد الطبقي النسوي لتأثيرها ودورها المحدود). وما يزعجه في ضعف «الحداثة» في الخليج هو الحجاب إذ انه يزعجه كما هو يزعج الرجل الأبيض في الغرب. حتى «الترويج» للغة العربيّة (وهو يراه قوميّاً) يزعج الكاتب لأنه «يشحن العداء نحو ثقافات أخرى». بالحرف. كأن يُقال ان الترويج للغة الفرنسيّة في فرنسا أو الأنكليزيّة في أميركا يشحن العداء ضد ثقافات أخرى. لكن لا غرابة في قوله إذ إنه يتحدّث عن «هديّة التحديث» التي منحها الاستعمار لنا. تقرأ سمير قصير وتتذكّر ما كتبه شكيب أرسلان في دفاعه عن نفسه عندما اتُهم بأنه نصير للحكم العثماني: قال إنه كان يمكن له ان يكون نصيراً للتحرّر العربي آنذاك لولا أن رموزها كانوا في الحقيقة من دعاة الاستعمار الغربي.
وعندما يقترب الكاتب من الزمن الحالي تراه يفيض في استنباط مفاهيم وحتى مصطلحات الاستشراق المُبتذل (وهو غير الاستشراق التقليدي الرصين في علمه ومعرفته وجدّته بالرغم من مراميه ومقاصده). قصير يتحدّث في الكتاب عن عقدة «الاضطهاد» عن العرب وحتى عن «ثقافة الموت». هناك كتابات أكاديميّة غربيّة سخرت ودحضت المقولات عن «ثقافة الموت» عند العرب (كما فعل روبرت بيت في كتابه عن العمليّات الانتحاريّة بعنوان «الاستماتة للفوز»، والذي رصد تاريخ العمليّات الانتحاريّة ووجدها مرتبطة بالردّ على الاحتلال الأجنبي وليس بالدين). ويعترض قصير على النقمة العربيّة ضد الغرب ويقول إن هناك شعوباً أخرى تعرّضت للمهانة والقمع على يد الغرب. لكن ماذا يريدنا قصير ان نفعل؟ أن نتوقّف عن الاعتراض، أم أن نعترض لكن على اضطهاد غيرنا؟ ومن يفعل ذلك بين الشعوب؟
وهناك نزعة قويّة عند الكاتب ضد حزب الله وهو يخلط بينه وبين الدين الشيعي فيغرق في تعميمات سطحيّة وخاطئة لا يقع فيها في الغرب إلا غير المُتخصّصين لا بل المُتعصّبين. هو يقول في الفصل الأخير إن حزب الله «أبقى على رمزيّة الدم وطوطم الاستشهادي - وهو يعزّز هذه الرمزيّة من خلال ممارسة عاشوراء». تتضمّن هذه الجملة جملة من المغالطات وهي مؤشّر إلى الجهل الذي يعمّ بين بعض اللبنانيّين عن طوائف الغير (هذا ليس مستغرباً، إذ ان مذيعة لبنانيّة سابقة في محطة «العربيّة» اعترفت مُشمئزّة على محطة مصريّة ان أوّل مرّة رأت فيها الحجاب - الذي أزعجها - كان في القاهرة في أواخر الثمانينيات). لا يعلم قصير عن «التطبير» ولا يعلم موقف مرجعيّات الحزب الدينيّة منه. لا يمكن لمستشرق غربي أن يعزو مقاومة حزب الله للعدوّ الإسرائيلي إلى عشق الدم. هناك طائفيّة بغيضة في هذا الفهم خصوصاً عندما يلصق بالشيعة ما أسماه بـ«ثقافة الموت»: هذا تفسير لجأ إليه الصهاينة للدعاية ضد المقاومة في جنوب لبنان. هل كانت منظمّات المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة اللبنانيّة مُصابة هي أيضاً بعشق رمزيّة الدم عندما قاومت العدوّ الإسرائيلي؟ هو لم يقل ذلك. ويظنّ الكاتب ان عاشوراء أتت من إيران فيما كانت زيارة قبر الحسين بدأت بعد سنوات فقط من وفاته، وكان تذكّر عاشوراء يجري رسميّاً من قبل السلطة البويهيّة والفاطميّة والسلجوقيّة. ويجزم قصير ان «سعاة الشهادة» ظهروا أوّل ما ظهروا عند الشيعة. ينسى تاريخ الشهادة عند المسيحيّين وعند غيرهم في تاريخ الشرق، وينسى تاريخ القتال عند الخوارج، مثلاً. أما لجوء حركات سنيّة إلى «العمليّات الانتحاريّة» فيقول قصير عن ذلك: «إن حركة «حماس» على علاقة جيّدة جدّاً مع حزب الله اللبناني». فسّرَ الظاهرة.
وفي الخلاصة، يعظ سمير قصير العرب ويحضّهم على قبول «القيم الديمقراطيّة» لأنها باتت جزءاً من «التراث العالمي المشترك». لعلّ ذلك فات صنّاع القرار الأميركيّين والإسرائيليّين في حروبهم وغزواتهم. وينهي الكاتب كتابه الصغير بالحديث عن النموذج البطولي لسعد الدين إبراهيم لكنّه يستبشر خيراً في بعض الظواهر في المجتمع العربي حيث يُقلّد الغرب وذلك بتشجيع من «تمويل التعاون السياسي الأوروبي» و«إن. جي. أو» في بلادنا.
لم أتوقّف عن تصوّر ردة فعل الراحل إدوار سعيد على هذا الكتاب. الذي عرف سعيد كان يلاحظ ان الاستشراق على يد العرب كان أكثر إزعاجاً له من الاستشراق على يد الغربيّين. تأسّس رفض إدوار سعيد في كتاب «الاستشراق» على رفض القطع الإبستمولوجي بين «الشرق» وبين «الغرب». لكن منهج سمير قصير في كتابه يذهب أبعد من الاستشراق التقليدي: إذ ان قصير يشخّص لمرض يصيب الشعب العرب حصريّاً، من دون غيرهم من الشعوب، ولأسباب لا علاقة لها البتّة باستثنائيّة الهجمة الأميركيّة - الإسرائيليّة على الشعب العربي. في سرديّة قصير، يتصف العرب بأمراض نفسيّة (وفيزيولوجيّة) عويصة لا يشفيهم منها إلا مفهوم الحداثة المُبسّط والتبسيطي الذي يستعمله قصير، والذي لا يعني إلا فتح العالم العربي أمام هجمة غربيّة أكثر ليونة. إن «شقاء العرب» يتأتّى أحياناً جراء الكتابة عنهم.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)