اثار انهيار الجيش العراقي في مدينة الموصل (الاكبر بعد بغداد) عاصفة لم تهدأ بعد من المفاجآت والهواجس والمخاوف. هي لن تهدأ في وقت قريب بالتأكيد. كل ذلك مفهوم وطبيعي، نظراً لسرعة انهيار القوة العسكرية التي يُفترض أن تُدافع عن المدينة (حوالى خمسين الف) التي تبلغ ، كما ذُكر، عشرة اضعاف قوة المهاجمين بمقياس العديد والعتاد واللوجستيات. ثم لأن تنظيم «داعش» هو قوة صغيرة، ولكنها شديدة التطرف الى حدود الغربة والغرابة الكاملتين، ولأن سلوكه قد اتسم بنوع وبحجم من الارهاب والقتل والتكفير غير مسبوقين.


ايضاً لأن هذا التنظيم ناشط في اكثر من ساحة عربية وافريقية واسلامية (هو وسواه من فروع تنظيم «القاعدة» واشباهه) وخصوصاً في ساحتين متلاصقتين ومتداخلتين هما العراق وسوريا، واللتين هما، أيضاً، مفتوحتان على ساحات قد سبق للتنظيم واشباهه اختراقها وبناء مواقع فيها أو على الاقل تنفيذ عمليات داخلها كانت ذات «طنة ورنة»! هذا طبعاً، الى السمة العالمية للمشروع المتطرف المذكور، ما جعله مركز استقطاب وجذب لآلاف المغامرين ممن سيكون لهم دور لاحق في بلدانهم، وهي، في جزء منها، من بلدان المركز (المتروبول) الاستعماري القديم والجديد: عنينا الدول الاطلسية في اميركا الشمالية واوروبا الغربية على وجه الخصوص.
يجدر القول إنّ ما بدا مفاجئاً حقاً هو ما حققه تنظيم «داعش» من انتصارات سهلة وسريعة في مواجهة سلطة أنفقت عشرات المليارات على جيشها وقوى أمنها، بحيث بات جيشها قادراً على التدخل خارج حدوده ما دفع بالبعض، ولأسباب غير كافية (على الاقل) وبشكل متسرع، الى تصنيفه ومرجعيته السياسية في عداد قوى «الممانعة».
لقد جرت محاولة اعتماد هذا التوصيف بنفس انتصاري وبغض النظر عما يتصف به سلوك السلطات العراقية من أشكال الفئوية والاستئثار والممارسات المذهبية في سياساتها، من جهة، وعن علاقة الدعم التي ظلت تحظى به من قبل المحتل الاميركي، من جهة ثانية (ضمن حساباته الاستراتيجية لاعادة ترتيب علاقاته في المنطقة، بما يخدم خططه في تعزيز هيمنته على سياساتها وموقعها وثرواتها الاسطورية...).
لقد ظل الطابع الفئوي هو ما يميز تركيبة السلطة التي تولى بناءها الغازي الاميركي طيلة احتلاله التي استمرت حوالى عشر سنوات. وكانت هذه الفئوية مصدر تذمر من قبل قوى سياسية متزايدة وصولاً الى الوسط الشيعي نفسه. الخلل الاصلي هو بالتأكيد ذلك الذي نجم عن نظام المحاصصة المذهبية والاتنية الذي اعتمده المحتل الاميركي، والذي ارتضته قوى سياسية لم تتردد في استبدال ديكتاتور بمحتل! يقود ذلك، الى أن سبب عدم الاستقرار في العراق انما يعود، بالدرجة الاولى، الى «العملية السياسية» التي فُرضت عليه بقوة الاحتلال وبمشاركة الفئويات التي ارتضت، كما ذكرنا، استبدال هيمنة داخلية بهيمنة خارجية، واستبدال استبداد فردي باستبداد فئوي...
كان هذا هو المناخ الداخلي المشحون والمضطرب الذي تغذى منه التطرف ليتحول فيما بعد الى واجهة لعدد من الاتجاهات السياسية المتضررة، كما تشير الى ذلك الاحداث الاخيرة: اتجاهات ضاعف من محفزاتها الشعور بالقهر لدى فئة واسعة من العراقيين نتيجة الاحتلال ونتيجة سياسة «الاجتثاث» التي استهدفت، من دون تمييز، فئة سياسية واسعة ووازنة في المجتمع العراقي المدني والعسكري. كذلك نتيجة سياسة تهميش أوساط شعبية عانت أيضاً من سوء الخدمات ومن كوارث التفجيرات ومن الفساد والهدر والتمييز والبطالة.
يضاف إلى ذلك أيضاً الصراع الاقليمي الضاري الذي اقترن دائماً، وبالنسبة لجميع الاطراف، بالضربات والوسائل الممنوعة، والذي يمكن تصنيفه كسبب رئيسي في ذلك التطور الدراماتيكي الذي بدأ من مدينة الموصل وعصف بكل محافظة نينوى ويقترب، الآن، من العاصمة العراقية نفسها.
ثم الا يقع ذلك، أي دفع الغرائز والفئويات والعصبيات الى حدودها القصوى، وفي كل الساحات العربية تقريباً، ضمن سياق خطط خارجية مكشوفة لتفتيت المنطقة وتشتيت قواها ووضعها على سكة وحيدة، هي سكة الانقسام والتشرذم والصراعات والتقاتل، وخصوصاً، على اسس طائفية ومذهبية وإثنية؟
إن تعاظم الظلم والاحتلال والنهب والاستبداد، هو ما ولّد سابقاً ويولّد اليوم ردود الفعل المحتجة والغاضبة. وطبيعي أنّ ردود الفعل هذه، قد تصبح عبثية ومتطرفة في غياب بدائل كانت، إلى الامس القريب، ناشطة وحاضرة لصياغة محاولات او حتى مشاريع تحررية شبه مكتملة العناصر على غرار ما حصل في غير ما منطقة وبلد في العالم، وكان من ثمراته انتصار تجارب، بدت واعدة، لرفع الظلم والاستغلال والعدوان والنهب والتسلط الخارجي أو
الداخلي.
المسؤولية كبيرة اليوم، بقدر ما هي الاحداث خطيرة ومدمرة. وهي تقع بالدرجة الاولى، على اولئك المستعمرين، الغزاة والطامعين الذين لم يترددوا يوماً في استعمال ابشع الاساليب من اجل فرض سيطرتهم او المحافظة عليها وتعزيزها. وهم لهذا الغرض، قد شجعوا التطرف، بل هم من انشأوا شبكاته وخلاياه الاولى، وان عجزوا، في مراحل لاحقة، عن ضبط ايقاعه وفق مصالحهم وحاجاتهم. ولم تقتصر لعبة استخدام التطرف على «الكبار» فقط، فها هي اجهزة وحكومات عديدة، تلجأ الى المتطرفين لتحقيق بعض مآربها. يحدث ذلك في اكثر من ساحة ومنطقة. النتيجة هي ما نشاهده اليوم، وكنا نحن، في لبنان، قد خبرنا مرارته في نهر البارد مع «فتح الاسلام»، ومن خلال موجة الاغتيالات والتفجيرات التي تعاقبت على النحو الكابوسي الذي قد يصبح خطره اكبر بعد تطورات العراق الاخيرة.
يستدعي كل ذلك، فيما يستدعي، اعادة بحث جدية وعاجلة في تجاربنا وبرامجنا وأخطائنا، من أجل الشروع في بناء المشاريع الوطنية والقومية التحررية التي تفتح نافذة امل، بصحة والبرامج وواقعيتها وبالكفاح من اجلها، نحو التغلب على المشاريع الاستعمارية وعلى المستفيدين منها، وعلى ردود الفعل اليائسة والارهابية، في الوقت عينه.
* كاتب وسياسي لبناني