منذ مدّة أضحت «خطط التنمية» بالنسبة إلى الحكومات خارج أوروبا وأميركا (في الغرب لا توجد تنمية من أجل الفقراء أصلاً) الشمالية مرتبطة بالإنفاق الزائد والوقح على البنى التحتية المخصّصة للأغنياء والسيّاح. قبل ذلك كان الوضع مختلفاً قليلاً بالنسبة إلى معظم دول الجنوب. لم يكن الإنفاق قد ارتبط بعد بالأنماط الاستهلاكية المترفة التي تستبعد الفقراء وتنشأ على حسابهم، وكانت الفوائض الناجمة عن عملية الإنتاج توزّع «بالتساوي» بينهم وبين الطبقة الوسطى.


هذه الصيغة بالتحديد هي التي أوصلت «حزب الشغّيلة» البرازيلي إلى السلطة، وسمحت لرئيسه لولا دا سيلفا بأن يحكم البلاد لدورتين متتاليتين. فبعد سنوات طويلة من حكمي اليمين ويسار الوسط (اليسار التقليدي في البرازيل كان داعماً قويّاً ووقحاً لسياسات صندوق النقد والبنك الدوليين وكان أيضاً ضدّ مدرسة نقد التبعيّة لهما) المحابيين للأغنياء والاحتكارات التجارية أضحى استقرار البلاد في خطر. وبدت الحاجة ملحّة أكثر من أيّ وقت مضى لأنماط إنتاج مختلفة تأخذ في الاعتبار وجود شرائح لم تستفد بالمرّة من التراكم الرأسمالي السابق، ولم تشعر أصلاً بوجود الدولة في مناطقها. لنقل إنّ الدولة كانت موجودة ولكن عبر انحيازها المطلق إلى الأغنياء على حساب الآخرين، ومنهم أولئك الفقراء والمهمّشون. وما فعله لولا ببساطة أنّه أجرى تعديلاً ملحوظاً على آلية التدخّل، فبقيت الدولة «منحازة إلى الأغنياء» ولكن بمقدار معيّن. مقدار يسمح بانسياب الثروة من فوق إلى تحت على نحو لا يمسّ كثيراً بمصالح الاحتكارات، ويحفظ في الوقت نفسه حقوق الفقراء ويمنع إخراجهم من دورة الإنتاج. يمكن أن يكون ما فعله الرئيس السابق «مرادفاً» لعمل جون مينارد كينز- الاقتصادي الانكليزي الشهير- الذي سمح من موقعه كمنظّر رأسمالي بتدخّل الدولة في الاقتصاد لتوسيع القاعدة الاجتماعية للحكم الرأسمالي ومنع انهياره كما أوشك أن يحصل عام 1929 مع حلول «الكساد الكبير». ومن هنا ربما أتت نظرية «الفساد الصغير» المعمول بها لحدّ الآن في أكثر من دولة رأسمالية. ولدى تناول تجربة لولا بالتحديد يتّضح أنّ النظرية هذه كانت تطبّق «بحذافيرها»، فالنهب في عهده بقي مستمرّاً، ولم يتأثّر التفاوت الاجتماعي والطبقي كثيراً بإصلاحاته. هكذا، بقي الغني غنيّاً، ولكنه لم يزد غنى بخلاف ما يحصل في نظرية التراكم الكلاسيكية. ظلّ هذا الأخير يصبّ في مصلحة الاحتكارات وأصحاب الرساميل، ولكن بوجود سلطة منتخبة مدعومة من غالبية شعبية وقادرة على فرض خياراتها الاجتماعية على الجميع بما في ذلك اليمين ويسار الوسط بدأ يتحوّل - أي نتاج التراكم - إلى رأسمال اجتماعي، ويستخدم أكثر من ذي قبل في الاقتصاد الحقيقي. هذه الآليّة سمحت للحوامل الاجتماعية التي يتحدّر منها الفقراء بالولوج إلى عملية الإنتاج مدعومين من الدولة التي ساعدتهم وفرضت على المصارف إقراضهم بفوائد محدودة، ثمّ لمّا اشتد عودهم بدأت تنشئ لهم «مشروعات صغيرة ومتوسّطة»، ما ساعد على خلق «وظائف» وتشغيل عشرات ألوف العاطلين من العمل.


تُراكم روسيف «إنجازاتها الحالية» على أنقاض ما فعله لولا حين انحاز للفقراء


أضحى الفقراء مع هذا التطوّر جزءاً من العملية الاجتماعية التي «أطلقها لولا»، وتوسّعت بفضلهم القاعدة الاجتماعية للحكم، ما مكّن الرجل من المضي في خططه لإسكات الاحتكارات وأصحاب الرساميل و«شراء صمتهم». في هذا الوقت بالتحديد عاشت البرازيل «عصرها الذهبي» وأصبحت نموذجاً «للتنمية المستقلّة» وغير المنصاعة لوصفات البنك وصندوق النقد الدوليين. فهي تخلّصت من ديونها أثناء تحقيق التراكم أعلاه، ولم تضطرّ إلى الاستدانة الخارجية كي تنجز ما أنجزته. وبفضل هذا التخلّي أيضاً اجتازت الأزمة المالية عام 2008، ولم تعان من تبعاتها كما فعلت كثير من الدول، فقدّمت بذلك برهاناً إضافياً على إمكانية أن تعمل الرأسمالية (وهي في حالة البرازيل طرفيّة وغير مندمجة بالكامل مع المنظومة الرأسمالية العالمية) وتربح بالتوازي مع إبقاء هوامش تحفظ توازن المجتمع ولا تتيح تدميره. بقيت هذه الصيغة قائمة إلى حين نهاية ولاية لولا الثانية عام 2010. بعد هذا التاريخ انتقلت السلطة بالاقتراع العام إلى «وريثة» لولا ورفيقته في الحزب ديلما روسيف. لم يتوقّع الكثيرون أن تواجه الرئيسة الجديدة تحدّيات كبيرة، فإرث لولا كان كبيراً بالفعل، والقاعدة الاجتماعية التي كانت تدعمه أوصلت روسيف إلى الحكم «بغالبية مريحة»، وكان من المتوقّع أن تتابع هذه الأخيرة ما فعله سلفها لجهة دعم القطاعات الفقيرة والمتوسّطة والحرص على استمرار تدخّل الدولة لمصلحتها. وبالفعل بدأ عهدها كذلك، ولكنها عانت كما يحدث عادة لدى خلافة زعامة كاريزمية كبيرة من الصراعات السلطوية، متمثّلة في رغبة المعارضة (وخصوصاً «الاشتراكيون الديمقراطيون» الذين مثّلهم حينها حاكم ولاية ساو باولو السابق جوزيه سيرا) بإضعاف الحكم الجديد. فبالنسبة إلى «اليسار» القريب من أوساط الأعمال والبنوك يعتبر ارث لولا عبئاً حقيقياً على الدولة، وقد عبّر عن هذا الأمر أكثر من مرّة منافسه السابق جوزيه سيرا حين انتقده على اقتطاع جزء كبير من موازنة الدولة لمصلحة برنامج المنح العائلية المخصّص للفقراء والمهمّشين (أسهم هذا البرنامج في انتشال عشرات آلاف العائلات من الفقر وتوفير فرص عمل لملايين المواطنين). لا يعترض هؤلاء على تدخّل الدولة في الاقتصاد عموماً، ويعتبرون أنّ وجهة التدخّل أهمّ من التدخّل بحدّ ذاته، وفي حالة لولا لم تكن الوجهة تناسبهم، رغم كلّ التنازلات التي قدّمها الرجل للمستثمرين وأصحاب الرساميل والاحتكارات ، ففي النهاية سيغلبك الرأسمال ما لم تكن تملك مشروعاً حقيقياً لهزيمته أو تحجيمه. بهذا المعنى فإنّ «التسوية الاجتماعية التاريخية« التي أوصلت لولا إلى السلطة قد انتهت مع ذهابه، ونظراً لافتقار وريثته للكاريزما والقدرة على إدارة التناقضات الاجتماعية فقد انفرط عقد «التحالف الطبقي« الذي قاده الرجل، وخصوصاً بعد عودة أصحاب الرساميل والمحتكرين لممارسة نفوذهم السابق. تشهد على ذلك ممارسات السلطة العاجزة عن احتواء الاحتجاجات التي اندلعت في العام الماضي ضدّ الغلاء والتضخّم والإسراف في تمويل بطولة كأس العالم لكرة القدم. في البداية لم تكن الاحتجاجات مؤثّرة كثيراً، وبدت أقرب إلى العوارض المرافقة «لتحلّل» السلطة اجتماعياً وانفضاض شرائح اجتماعية كبيرة عنها، منها إلى الانتفاضة الشعبية مثلاً. أذكر أنّها تميّزت بوجود كثيف للطلبة والمنتمين للطبقة الوسطى، إلى جانب الشرائح المهمّشة الشجاعة التي تولّت الصدام كما هي العادة مع الشرطة وأجهزة الأمن. حصل ذلك في صيف عام 2013 بالتزامن مع احتجاجات «ساحة تقسيم» و«حديقة جيزي» في تركيا أو بعدها بقليل، وهذا بحدّ ذاته مؤشّر على طابعها المضاد للتهميش، والمرتبط بموجة الاحتجاجات التي تعمّ العالم حالياً. لو لم يشعر هؤلاء المنتمون إلى الطبقتين الوسطى والفقيرة بأنّ السلطة التي دعمتهم في السابق قد تخلّت عنهم تحت ضغط اللوبيات المالية لما «انتفضوا» عليها بالشكل الذي جرى، ولتعاملوا مع تنظيمها لمونديال الكرة على نحو مختلف. قبل انتقادهم المتكرّر للإنفاق الطائل والمجّاني على الملاعب والمنشآت التحتية الخاصة بها اشتكوا من أمور أخرى يعتبرونها أولويّات، ويلومون روسيف شخصيا على إهمالها كما لو كانت من الكماليات أو من سقط المتاع كما نقول عنها في العربية. بدأت القصّة في أواسط تموز 2013 حين رفعت الحكومة تعرفة النقل الخاصّة بالمواصلات العمومية. نزل الناس حينها إلى الشوارع معلنين رفضهم التعرفة الجديدة ومطالبين بإلغائها عملاً بما وعدت به الرئيسة روسيف في بداية عهدها، حين تعهّدت مكافحة الفقر والتهميش. وبالفعل استطاع المحتجّون التأثير في الحكومة، إذ سرعان ما سحبت هذه الأخيرة التعرفة الجديدة من التداول وأعادت العمل بالتعرفة القديمة.
كان ذلك اختباراً مبكّراً للسلطة التي شعرت لأوّل مرّة بأنها تخسر قاعدتها الاجتماعية، وتقترب بالتالي من لحظة الصدام الفعلية. بعد ذلك بدأت تظهر إلى العلن عبر الصحف ووسائل الإعلام، وخصوصاً المعارضة منها، الكلفة المرتفعة لاستضافة مونديال الكرة في حزيران 2014، وأخذ الناس يشتكون من ارتباط هذا الإنفاق باحتياجات تعتبر السلطة وحدها أنّها من الأولويات. روسيف قالت في خطاب أخير قبل يومين من افتتاح المونديال «بأنّ دورة كأس العالم ستترك إرثاً غنيّاً للأجيال المقبلة يتمثّل في البنية التحتية المتطوّرة التي شيّدت لاستضافتها». ثم أضافت قائلة إنّ حكومتها أنفقت في مجالي الصحّة والتعليم في الفترة بين عامي 2010 و2013 أكثر بكثير ممّا أنفقت على بطولة كأس العالم (بلغ مجمل الإنفاق عليها 11 مليار دولار). لا يجب أن ننسى هنا الحقيقة البسيطة التي تربط الإنفاق بالاستهلاك، وعلينا أن نتذكّر ونذكّر الرئيسة روسيف بأنّ البنى التحتية التي أنشأت لاستضافة المونديال لا تدخل ضمن الاحتياجات الأساسيّة للطبقات التي جلبتها إلى الحكم. قد تخدم الأغنياء والطبقات المترفة، أو لنقل، وهذا الأصحّ، إنّها خصّصت لهم ولنظرائهم من السيّاح الأجانب. وهذه حقيقة لا يجب أن تغيب عن «المناضلة اليسارية» التي أتت من حزب قاده لسنوات عامل سابق من عمّال المناجم الكادحين. الرئيسة اعتبرت الرأي الذي يقول بأنّ الإنفاق على البطولة سيقلّل من الاستثمار في مجالي الصحة والتعليم بأنّه يمثل «مأزقاً زائفاً». وهذا بحدّ ذاته زيف إيديولوجي، لأنه يتجاهل الانحياز الطبقي الذي أجريت بموجبه عمليات الإنشاء، ويتعامل معها - أي عمليات الإنشاء - على أساس أنها استثمار طبيعي مثل باقي الاستثمارات التي أنشأتها الدولة وعادت بالمنفعة على الجميع، لا على طبقة بعينها! يتأكّد الانحياز أيضاً من حجم العنف الذي ووجه به الفقراء والمهمّشون الذين يسكنون أحياء الصفيح الواقعة في شمال العاصمة ريو دي جانيرو.
تذرّعت السلطة هنا بسيطرة عصابات المخدّرات على تلك الأحياء (وهذا صحيح على الأغلب، رغم أنه لا يتعلّق بالموضوع بتاتاً) وقامت بما يشبه عملية الاحتلال لها، فأخلت عبر قوّات الجيش ومشاة البحرية سكّانها من الفقراء وأجلتهم بالقوّة من منازلهم، معتبرةً أنّ هذه الخطوة ضرورية لتأمين مطار «داليو» المعدّ لاستقبال مشجّعي الفرق المشاركة في كأس العالم، حيث يصل إليه الطريق السريع المحاط بهذه الأحياء. لحسن الحظّ أنّ هنالك صوراً لهذه العملية استطاع ناشطون برازيليون نشرها على الانترنت، وهي تظهر مقدار الوحشيّة التي استخدمها الجيش ضدّ السكّان الفقراء. ولدى متابعتها جيّداً يتبيّن أنّها تنتمي إلى النّسق ذاته من العنف الذي حرصت السلطة على إظهاره في مواجهة الاحتجاجات قبل عام من الآن.
هكذا، لا تعود السلطة «منحازة إلى الأغنياء« والمستفيدين من سياحة المونديال فحسب، وهو ما تنفيه الرئيسة روسيف، بل ومتجاهلة أيضاً لحقيقة أنّها تراكم «انجازاتها الحالية» على أنقاض ما فعله لولا حين انحاز للفقراء وانشأ لهم المساكن والبنى التحتيّة التي تناسب احتياجاتهم. حينها أيضاً صرفت عشرات ملايين الدولارات على الإنشاءات، لكن بخلاف الآن لم يحتجّ أحد على إنفاقها، ولم تشعر طبقات عريضة من المجتمع بأنّ ذلك يحصل على حسابها. ما الذي تغيّر إذاً؟ وكيف تصادف أنّ القاعدة الاجتماعية التي استفادت من الإنفاق أيّام لولا هي التي تعترض عليه بنسخته الحاليّة في عهد ديلما روسيف؟ هنا بالضبط يكمن المأزق الزائف أيّتها الرئيسة المناضلة.
* كاتب سوري