يتصاعد الخطر الذي تمثّله الدولة المسخ (داعش) في نينوى وصلاح الدين وديالى مع اعلان هذه المحافظات ولايات تابعة لها (وكلها مناطق تماس متاخمة لاقليم كردستان العراق). ويستهدف هذا التنظيم الارهابي المناطق الكردستانية المستقطعة خارج الاقليم، لا سيّما في خانقين وطوزخورماتو وجلولاء، وخصوصاً مقار الاتحاد الوطني الكردستاني في محاولة واضحة للانتقام من هذا الحزب على خلفية مواقفه القومية المبدئية في دعم الادارة الذاتية الديمقراطية في «روج آفا» (غرب كردستان) ودعم المقاومة الملحمية بقيادة وحدات حماية الشعب (YPG) في وجه «داعش» وأخواتها التعريبية التكفيرية منذ أكثر من عامين.


تلك المواقف كان لها دورها المشهود في النصر العارم للاتحاد الوطني الكردستاني في الانتخابات الأخيرة إن على صعيد جنوب كردستان والعراق ككل أو على صعيد انتخابات مجالس محافظات الاقليم.
ففي ظلّ هذه الأجواء وتصاعد المدّ الحربي الداعشي المتربصّ بكردستان على طرفي الحدود بين العراق وسوريا، تتأكد مرة أخرى حقيقة أنّ الأمن القومي الكردستاني كل لا يتجزأ من سري كانيه إلى خانقين. إذ أنّ وحدات حماية الشعب - ونقولها للمرة الألف - تمثّل خطّ الدفاع الأول عن أجزاء كردستان كافة، لا سيما جنوب كردستان (كردستان العراق)، من خلال تصديها ودحرها المتواصل لجحافل الظلام الداعشية والقاعدية على امتداد جغرافية «روج آفا»، من عفرين إلى ديريك.


استراتيجة «داعش»
قائمة على توأمة جهودها الإرهابي في البلدين
إذ أنّ «داعش» بالتعريف منظمة ارهابية عابرة للحدود العراقية – السورية، ومضمار نشاطها الظلامي هو العراق وسوريا على حدّ سواء، بل إنّ استراتيجيتها قائمة على توأمة مجهودها الارهابي في البلدين والعمل على وصل مناطق نفوذها على طرفي الحدود. ولولا تلك المقاومة ولولا تلك الادارة في غرب كردستان (كردستان سوريا) لكانت الآن جحافل التعريب والتكفير الهمجية تقيم على الحدود بين جنوب كردستان وغربها، ولتشرع في هجماتها على جنوب كردستان وخصوصاً على المناطق الكردستانية خارج الاقليم. وليس سراً أن بقايا البعث الصدّامي تمثّل حاضنة لهذا التنظيم على المقلبين السوري والعراقي، حيث بعض البيئات المتزمتة التي يتملكها حنين نوستالجي إلى أمجاد «سيف» العرب و«بطل» الأنفال و«قاهر الكرد والمجوس»، تجد تعويضها وتجسيدها الراهن في دولة الارهاب والظلام والتخلف الداعشية.
ولعلّ اقتحام «داعش» مدينة الموصل يشكّل خير شاهد على مدى الخطر الذي تمثّله هذه الجماعات الارهابية التابعة لتنظيم القاعدة على المشروع الديمقراطي التحرري الكردستاني برمّته، هي التي ما فتئت تخوض حرباً ضروساً بكلّ معنى الكلمة ضد التجربة الديمقراطية في «روج آفا» بهدف اجهاضها. فهي - والحال هذه - تمثل مخلب قطّ ضد القضية الكردية، وضد الوجود والحق الكرديين على امتداد كردستان الكبرى. ولعلّ الدعم الاستخباري واللوجستي الذي تحظى به هذه الجماعات من قبل تركيا، على سبيل المثال، في هجماتها ضد «روج آفا» يكشف كنه المخططات الرامية إلى دفع فروع «القاعدة» وملاحقها نحو التصادم مع الحركة التحررية الكردستانية في عموم المنطقة، بغية اجهاض التبلور المضطرد للربيع الكردستاني بما هو قاطرة التحولات الديمقراطية البنيوية في الشرق الأوسط ككلّ. لا سيما مع تبلور نموذج الادارة الذاتية الديمقراطية في «روج آفا» وتحوّله إلى نموذج حيّ وملموس على الأرض يقدّم وصفة خلاص لكل شعوب المنطقة الواقعة بين سندان النظم العسكرية الاستبدادية ومطرقة الاسلام السياسي بطبعاته الإخوانية والقاعدية (داعشية وغير داعشية) على قاعدة التعدد والتنوع والتوافق في اطار تعاقدات وطنية لبناء دول ديمقراطية تعددية لا مركزية، بعيداً من نماذج الدولة المركزية الأحادية القومية أو الدين التي لا حاجة للاشارة إلى وصولها إلى حائط مسدود بعد طول استبداد.
وعليه، من الضرورة المبادرة فوراً إلى وضع استراتيجية عمل كردستانية لمواجهة هذا الخطر الداهم. فمن سري كانيه إلى الموصل إلى خانقين تخوض «داعش، ومن خلفها، حرباً دموية مفتوحة ضد الشعب الكردي بل ضد الشعب الكردستاني بمختلف مكوناته. ولعلّ المواقف التضامنية للإدارة الذاتية في «روج آفا» مع جنوب كردستان وخصوصاً مع الاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان له نصيب الأسد من استهدافات «داعش» الارهابية نظراً إلى دوره المحوري في تعضيد النضال الديموقراطي التحرري ليس على صعيد العراق وجنوب كردستان فقط بل على صعيد أجزاء كردستان كافة، فضلاً عن اعلان القيادة العامة لوحدات حماية الشعب أن قواتها في خندق واحد مع جنوب كردستان شعباً وبشمركة، معربةً عن استعدادها لارسال وحدات متمرسة وخبراء عسكريين للاسهام في الذود عن هذا الجزء من كردستان كتفاً بكتف قوات البشمركة في وجه جحافل الظلام.
فهذه المواقف تعدّ مدخلاً لتبلور صيغة تكامل وتعاون كردستاني عريض سياسياً وعسكرياً لدرء الأخطار المحدقة بكردستان وشعبها فالعدو واحد والمعركة واحدة.
* كاتب كردي