يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من مشكلة انعدام الجنسية، وتكاد لا تخلو دولة من هذه الظاهرة. في المنطقة العربية، وفي دول الخليج تحديداً، يوجد ما يقارب مئات الآلاف من عديمي الجنسية والذين يطلق عليهم مصطلح “البدون”.

أن يكون الشخص عديم الجنسية أو «بدون» يعني أن لا يعتبر مواطناً من قبل أي دولة، كما ينعدم الرابط القانوني بينه وبين الدولة التي ولد ويعيش فيها.

نشأت ظاهرة البدون مع تشكل الدولة الحديثة والهوية الوطنية، حيث توجب على الدول الناشئة أن تعرف نفسها عن طريق ترسيم الحدود وتحديد من هم سكان الدولة ضمن هذه الحدود.
في منطقتنا العربية بعد تفكك الامبراطورية العثمانية واندلاع موجة التحرر من الاستعمار، سعت كل دولة الى تطوير هويتها الخاصة، لتواجه مسألة من هم المواطنون الذين يشملهم مفهوم المواطنة في كل دولة. وقد كان للظروف الاجتماعية والسياسية والديموغرافية والاقتصادية أثر كبير على محتوى قوانين التجنيس وكيفية تنفيذها.
هناك مئات الآلاف من البدون في المنطقة لأسباب عدة، منها: تغاضي بعض الجماعات البدوية عن التسجيل من أجل الحصول على أوراق إثبات الهوية واستمرارها في ممارسة حياتها، كما كانت في السابق بدون أي وثائق رسمية، أو أنه في أثناء تشكل الدولة كان الحصول على الجنسية معيقاً لأسلوب الحياة الذي تتبعه هذه الجماعات والذي يقوم على الترحال الدائم. ولا تقتصر حالات انعدام الجنسية على البدو، بل هناك أعداد من المهاجرين الذين تركوا بلدانهم ليستقروا في المنطقة إما لأسباب اقتصادية أو دينية أو بسبب الحروب، مثال على هؤلاء المهاجرين جماعات “الروهينغا” من ماينمار الذين هاجروا إلى دول عدة حول العالم؛ من ضمنها المملكة العربية السعودية، التي بدأوا بالوصول إليها منذ عام 1948 وتم منحهم تصاريح إقامة، وفي بعض الحالات منحوا الجنسية. ومع ذلك، في أعقاب 1972 تغيرت قوانين الجنسية وأصبحت الروهينغا تخضع لمعايير جديدة جعلتها تصنف من ضمن عديمي الجنسية.
إن الحصول على جنسية ما يعني أن يتمتع حامل الجنسية بمجموعة من الحقوق المدنية والسياسية وأن يحصل على كل أشكال الحماية التي توفرها دولة الجنسية لمواطنيها في مقابل عدد من الواجبات التي يجب عليه تقديمها للدولة. ويمكن القول إن مضمون الحقوق التي يتمتع بها رعايا الدولة تختلف عما يحصل عليه غير المواطنين _ وفي بعض الدول حتى المواليد في الدولة لأبوين أجنبيين _ حيث يحصل حاملو الجنسية على امتيازات لا تتوفر لغيرهم.


التعامل مع ملف
عديمي الجنسية في العالم العربي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة السياسية

في الدول التي تحرم مواطنيها من حق المشاركة السياسية، كدول الخليج مثلاً، تكون الامتيازات التي يحصل عليها المواطنون دون غيرهم مرتبطة بحقوق الإنسان الأساسية، كالرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي وحق التملك وحرية التنقل والعمل. هنا يجد البدون نفسه يعيش في حرمان لعدم قانونية أوضاعه في بلاده، ولأنه لا يحمل أي جنسية، فلا يوجد ما يلزم الدولة بتقديم أي خدمات له حتى بصفته مواطناً لدولة أخرى تربطها بها معاهدات أو التزامات دولية، ما يجعل الحقوق التي يحصل عليها مرتهنة بمدى احترام الدولة التي يعيش فيها لأبسط حقوق الإنسان.
تبدأ معاناة البدون منذ الولادة، حيث يولد الطفل بدون شهادة ميلاد، سواء كان لأبوين من فئة البدون أو حتى وإن كانت الأم تحمل جنسية ما، فإن جنسيتها لا تمرر لطفلها؛ وذلك بسبب التمييز ضد المرأة في قوانين الجنسية في معظم الدول العربية. يكبر هذا الطفل ليواجه صعوبات في الالتحاق بالمدرسة، وإن توفرت له هذه الفرصة فإن تحصيله العلمي يتوقف عند الشهادة الثانوية، وإذا أراد مواصلة الدراسة فلا توجد أمامه طريقة سوى الالتحاق بإحدى الجامعات الخاصة ذات التكاليف الباهظة، إضافة إلى ذلك، لا يسمح له بالعمل أو السفر، وإذا قرر الزواج فإن زواجه لا يوثق في المحكمة بشكل رسمي، ولأن فئة البدون محرومة من الرعاية الصحية؛ فإن المرأة من هذه الفئة تضطر في حالات كثيرة لأن تستعير هوية امرأة أخرى لتتمكن من الولادة في أحد المشافي. وفي حالة الوفاة، فإن المتوفى من هذه الفئة يحرم من حقه بالحصول على شهادة وفاة كما حرم قبلها من أن يعيش حياة كريمة. أما أحياء البدون فهي معزولة وتفتقر إلى أدنى المتطلبات الأساسية للحياة. علاوة على ذلك، يعاني البدون من التهميش والتمييز الاجتماعي، حيث ينظر إليه في حالات كثيرة باعتباره مجرماً أو دخيلاً على المجتمع. بين مطرقة الدولة وسندان المجتمع، ينشأ جيل من المهمشين المعرضين لشتى أنواع الأمراض النفسية جراء شعورهم بالظلم والحرمان، ما يدفع نسبة غير قليلة منهم إلى الانتحار أو تعاطي المخدرات أو ارتكاب الجرائم.
في الخامس عشر من شهر مايو (أيار) لهذا العام، أضرم البائع المتجول محمد الحريصي النار في جسده احتجاجاً على مصادرة بضاعته ومنعه من البيع على قارعة الطريق من قبل أمانة الرياض. الحريصي من عديمي الجنسية، وتعيش عائلته _ التي جاءت من منطقة على الحدود السعودية اليمنية _ في حي فقير جنوب الرياض تملأه القمامة والكلاب الضالة. محمد واحد من عشرات الآلاف من البدون الذين يعيشون على أرض المملكة العربية السعودية منذ عقود ولأجيال متلاحقة. يصعب تحديد أعداد هذه الفئة على وجه الدقة؛ وذلك بسبب سياسات التعتيم والتكتم التي تمارسها السلطات السعودية على أي معلومات تتعلق بهم.
يوجد عديمو الجنسية في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية، ويتركز غالبيتهم في المنطقة الشمالية، وهم من أبناء القبائل التي كانت تتنقل بين السعودية والعراق والكويت والأردن مثل قبيلتي شمر وعنزة، كما توجد أعداد من هذه الفئة جنوب المملكة في محافظات عدة مثل نجران وجازان، وفي المنطقة الحدودية مع دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان شرق المملكة، توجد أعداد من البدون من أبناء قبيلة البلوش، وفي منطقة الحجاز غرب المملكة، يوجد أبناء قبيلة «الروهينغا» الذين تتراوح أعدادهم بين 300 إلى 500 ألف شخص، ويتركز وجودهم في عشوائيات مكة المكرمة الفقيرة ويعرفون بالبورميين. لم يحصل هؤلاء على هوية إما لعدم إدراك أجدادهم لأهمية التسجيل من أجل الحصول على أوراق ثبوتية أو لظروف الترحال الدائم، أو لأسباب متعلقة بترسيم الحدود، إضافة الى أعداد ممن كانوا يحملون هويات وتم سحبها لأسباب مختلفة ليصبحوا بدون، هم وأبناؤهم من بعدهم. يحصل البدون على ما يعرف بـ«البطاقات السوداء» وهي بطاقة تعريف مؤقتة صالحة لمدة خمس سنوات، ولا توجد مراكز تجديد سوى مركز وحيد في مدينة حفر الباطن شمال المملكة، مخصص لكل حاملي البطاقات السوداء من جميع المناطق، يفتح لمدة لا تتجاوز الأربعة أشهر مرة كل خمس سنوات. ومن يتخلف عن التجديد، فإن حياته تتوقف حيث لا يستطيع ممارسة أبسط حقوقه كاستخدام حسابه المصرفي أو حتى قيادة السيارة.
مع الصعوبات التي تنطوي عليها محاولة الحصول على إحصاءات موثوقة بشأن أعداد البدون، فإنه يصعب قياس ما إذا كانت المشكلة في ازدياد أو تناقص، ولكن جميع المؤشرات تشير إلى أن المشكلة في تزايد مستمر، وخاصة في ظل السياسات التي تفاقم المشكلة بدلاً من أن تسعى الى حلها، من ضمن هذه السياسات: اعتبار الجنسية امتيازاً يمنح من قبل الدولة، حيث تربط الجنسية بالولاء، وبهذه الحالة تمنح الدولة نفسها الحق بسحب الجنسية عمن يخرج عن «الطاعة» كما حدث في عدة دول مثل قطر، أو كحادثة معاقبة عدد من النشطاء السياسيين بسحب جنسياتهم في الإمارات العربية المتحدة، وفي الإمارات أيضاً قامت السلطات بشراء جوازات سفر من جزر القمر وخيّرت البدون على أراضيها إما بقبول هذه الجوازات أو أن يتم التعامل معهم بصفتهم مقيمين غير قانونيين ليكون مصيرهم السجن أو الترحيل. واتبعت الكويت _ التي تشهد نشاطاً دائماً للبدون _ سياسات تضييقية مشابهة، وبسبب ما يتمتع به بدون الكويت من تنظيم واستمرارية، فقد استطاعوا جذب انتباه العديد من وسائل الإعلام الكبرى لمعاناتهم، وخاصة بعد احتجاجاتهم في فبراير (شباط) 2011 وتعرض عدد من النشطاء للاعتقال والتعذيب.
ومن ضمن السياسات التي تفاقم المشكلة «تسييس التجنيس» حتى لا يختل التوازن الديموغرافي، أو ليتم تغيير هذا التوازن لأسباب طائفية أو قبلية، كما في حالة البحرين والعراق ولبنان وسوريا وغيرها. بالإضافة الى ذلك، فإن قوانين الجنسية في معظم الدول العربية تؤدي إلى خلق حالات جديدة من البدون، ولا سيما حين تصبح حالة انعدام الجنسية وراثية، يرثها الأبناء عن الآباء، ويحرم المولود من حقه الطبيعي بالتمتع بجنسية البلاد التي ولد على أرضها، أو اتباع قوانين التمييز بين الجنسين، كما تمت الإشارة سابقاً، حيث لا يحصل الطفل على جنسية والدته، بالإضافة إلى أن من يتقدم لطلب جنسية فإنه يواجه شروطاً تعجيزية وإجراءات معقدة جداً.
ووفقاً لتقرير نشرته المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فقد تمكنت عدة دول من إحراز تطورات هامة في ما يتعلق بحالات وجود عديمي الجنسية على أراضيها، كما هي الحال في بنغلادش ونيبال وأوكرانيا وغيرها من الدول التي تصنف ضمن الدول الفقيرة، ومن الممارسات التي اتبعتها هذه الدول: اعتماد استراتيجية ذات رؤية واضحة، وتوفير ميزانيات كافية لإجراء بحث شامل وحصر عديمي الجنسية، وإجراء إصلاحات قانونية في ما يخص قوانين الجنسية.
إلا أن التعامل مع هذا الملف في العالم العربي مرتبط بشكل وثيق بالحالة السياسية؛ لذا يتم التعامل معه بحساسية شديدة، وعلى الرغم من وجود جهود لتصحيح أوضاع البدون من قبل بعض الحكومات، إلا أنها جهود بطيئة وغير كافية، وخاصة في ظل اتباع السلطات سياسات القمع والعزل والتعتيم لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وتركها حل هذا الملف للزمن، من دون أن تدرك أن الاستمرار بهذه السياسات ورفض التغيير، وعدم السعي لإيجاد حلول تقضي على المشكلة من جذورها ما هو إلا تعميق للأزمات الاجتماعية والسياسية القائمة.
* كاتبة سعودية