ليس سهلاً قياس مواقف وآراء الشعوب في السياسة الخارجيّة، خصوصاً في بلاد مثل أميركا حيث نسبة الذين واللواتي يتابعون مجريات السياسة الخارجيّة قليلة جدّاً (أقل من خمسة في المئة). وفي هذه البلاد، تصلح نظريّة جون زالر (في كتابه «طبيعة وجذور رأي الجماهير») عن تأثّر آراء العامّة بـ«النخبة». وفي أميركا، حيث تندر متابعة الرأي العام للسياسات الخارجيّة، فإن آراء الرأي العام ليست إلا تلخيصاً أو تقليداً لآراء النخب، وهي في ذلك (خلافاً للرأي العام في أميركا اللاتينيّة أو أوروبا) ليست مستقلّة عن آراء النخب. وقد قامت «واشنطن بوست» في التسعينيات باختبار بسيط: سألت عيّنة عن رأيها في حجم المساعدات الأميركيّة لدولة العدوّ الإسرائيلي، وقد وافق عليها أكثر من ٧٠٪ من المُستطلَعين. لكن الجريدة عادت وطرحت سؤالاً ثانياً على العيّنة نفسها أعلمتهم فيها أن حجم الدعم هو الأكبر وأنه يفوق التمويل الأميركي لمنظمّة الأمم المتحدة، ثم سألتهم عن جوابهم عن السؤال الأوّل نفسه: فكان أن هبطت نسبة الدعم إلى أقلّ من خمسين في المئة.
لكن الرأي العام العربي يختلف عن الشعب الأميركي. هو يتابع عن كثب مجريات السياسة الخارجيّة وإن قلّت الدراسات في هذا الموضوع. لكن عادة متابعة الأخبار بين العرب (في الوطن وفي المهاجر) هي سمة من سمات الثقافة العربيّة التي تلفت الأجانب. حاولت «سي. أن. أن» في بداياتها ان تكون محطة إخباريّة رصينة لكنها لم تنجح وتحوّلت إلى قناة تسلية ومنوّعات و«سطحيّات» السياسة وشخصيّاتها. هي كانت في بدياتها تقّرر عن الجمهور وبناء على حرفيّات المهنة ما الذي يجب ان يحظى بالتغطية الإعلاميّة ثم تحوّلت إلى محطة تعطي الجمهور ما يسلّيه. والسياسة الخارجيّة لا تسلّي الجمهور الأميركي المشغول (مثل بعض الجمهور العربي) بنشاطات الشقيقات كارداشيان.

هل يُعقل أن نسبة ٣٠٪
من الشعب الفلسطيني أعطت توصيفاً إيجابيّاً للسياسة الأميركيّة

وفي القسم السادس من «المؤشّر العربي» يُستطلَع العرب في آرائهم في الهويّة والانتماء. ويختار المُجيب (والمجيبة؟) هنا بين ثلاثة خيارات: واحد يجعل من العرب «امة واحدة ذات سمات واحدة» (مع ان التعريف يذكّر بالشعار البعثي السقيم) وأخرى ترى فيهم «أمة واحدة لكن كل شعب من شعوبها يتميّز بسمات خاصّة»، وآخر لا يرى في العرب إلّا أمماً وشعوباً مختلفة لا يجمعهم إلّا روابط ضعيفة. لكن التعريف الثاني والأوّل يختلطان، ممّا يميّع (ويُضعف) الإجابة القوميّة. لكن مع ذلك، فإن هناك نسب مترواحة في الإجابات: التعريف القومي الأوّل لم يحظ على نسبة تفوق النصف إلّا في موريتانيا والكويت فقط بين كل الدول، فيما حازت الإجابتان الأولى والثانية على أكثر من النصف في كل الدول إلا في لبنان، الذي اختار فيه نحو ٦٠٪ الإجابة عن رفض الانتماء العربي. أي أن توليفة «الطائف» لم تعمّر، ولم تكن تعبّر عن آراء مَن يرى في نفسه أوروبيّاً تائهاً في الصحراء. ولا نستطيع الإفاضة في التحليل في هذا القسم لأن الخلل في السؤال أضاع فرصة التعمّق. ثم لماذا لم يعطَ العرب في الاستطلاع خيار اختيار الطائفة والمذهب كمُعبّر عن الهويّة؟ وهل ان الشعوب في بعض الدول العربيّة كانت تقرن الطائفة بالهويّة العربيّة، كما رسّخ ذلك آل سعود وسائر سلالات النفط والغاز؟ كان هذا القسم يحتاج إلى تفصيل وتدقيق أكبر. ولماذا غاب سؤال عن تفضيل الهويّة «القُطريّة» (على ما في الكلمة من نفحة بعثيّة مقيتة) في زمن تمعن فيه كل الحكومات العربيّة في ترسيخ الهويّة القُطْريّة على نسق عقيدة حزب الكتائب الشوفينيّة؟
أما تقييم السياسات الخارجيّة الإقليميّة فقد فازت فيها الحكومة التركيّة حيث اختار نحو ٦٠٪ التوصيف الإيجابي (الصرف أو «إلى حدّ ما») لسياساتها، فيما تلتها الصين (٥١٪) ثم فرنسا (٤٥٪) ثم روسيا (٣٤٪) ثم إيران (٢٨٪) ثم أميركا (٢٧٪). كما أن إيران حازت أعلى نسبة في التوصيف السلبي (٥١٪) تلتها أميركا (٤٩٪). هنا، نجد ان الرأي العام العربي يقترب (لكن لا يتطابق البتّة) مع سياسات السلالات الحاكمة في الخليج، وهي التي تهيمن على الثقافة والإعلام في كل العالم العربي. لكن التساؤلات السابقة تصلح هنا: هل يمكن للمُجيب في دول الخليج ان يُعطي توصيفاً لا يتطابق أو يتقاطع مع سياسات حكوماته؟ ونرى ذلك في تضاؤل نسبة التوصيف السلبي للسياسة الأميركيّة في دول الخليج الأكثر تسلطيّة، كما نسبة التوصيف السلبي للسياسة الأميركيّة تتعاظم في الدول التي يُتاح فيها للمرء هامش أكبر للتعبير (مثل لبنان وتونس وموريتانيا). لكن هل يُعقل ان نسبة ٣٠٪ من الشعب الفلسطيني أعطت توصيفاً إيجابيّاً للسياسة الأميركيّة (وهي تقترب من النسبة في السعوديّة) (ص. ٢٨٠)؟ وهل يعقل ان النسبة نفسها أعطت هذا التوصيف للسياسة الأميركيّة في لبنان حيث هناك فئة تعارض السياسة الأميركيّة وأخرى (في ١٤ آذار) توافقها، لكن تعترض على ما تراه من تمنّع منها في خوض المزيد من الحروب والغارات والعدوان في أماكن شتّى في العالم العربي؟
أما تقييم السياسة الإيرانيّة في المنطقة، فهو توافق بصورة عامّة مع سياسات ومعايير دول الخليج. ولا شكّ أن الاستطلاع كشف عن عمق العداء العربي (الحالي) للسياسات الإيرانيّة وعن نجاح دول الخليج من وراء إعلامها المُهيمِن في تعبئة الرأي العام ضدّ إيران وسياساتها. لكن الإستطلاع لم يشمل في الأسئلة تقييم السياسات الإسرائيليّة وعن مدى تقاطعها مع سياسات دول الخليج، لعلّ في السؤال تذكير بالتحالف الخليجي - الإسرائيلي المُسيطِر على المنطقة العربيّة (كان نتنياهو صريحاً للغاية في حديثه في «دافوس» عن علاقاته الوديّة مع دول الخليج ومع ما أسماه بـ«الدول السنيّة»). حتى في لبنان، فإن نسبة التعاطف مع السياسات الإيرانيّة لم تتعدّ نسبة الـ٣٨٪ (أي أقل من حصّة الجمهور الشيعي زائد الجمهور العوني المُتحالف معه). ولم تشذّ إلا فلسطين عن قاعدة العداء الشامل ضد سياسات إيران (وإن لم تتعدَّ نسبة التعاطف هناك الـ٣٦٪). وتُلحظ صعوبة إجراء الاستطلاع في حجم الذين رفضوا الإجابة (٢٥٪ في مصر - وهذه نسبة كبيرة جداً في أي استطلاع وتنمّ عن ظروف غير مريحة للمستطلعين - و٢٦٪ في تونس بالرغم من مساحة التعبير الأوسع من غيرها في تونس) (ص. ٢٨٢).
ونالت السياسات الروسيّة أكبر نسبة تعاطف في الكويت (٦٣٪، وهذه نسبة كبيرة بالفعل) يليها العراق (٤٦٪) ثم لبنان ومصر (٤٣٪). أي ان محاولة دول الخليج في تعبئة الشعب العربي ضد السياسات الروسيّة بسبب تدخّله العسكري إلى جانب النظام السوري لم تنجح بالكامل، لكن نسب التقييم السلبي كانت عالية جدّاً في الأردن والسعوديّة. ومن الملحوظ ان الأردن سجّلت أعلى نسبة عداء ضد السياسات الفرنسيّة (ص. ٢٨٢) إذ ان التقييم السلبي (المحض و«إلى حدّ ما») نال حصة ٦٦٪. وهذه الخاصيّات الغريبة تطرح علامات استفهام حول مصداقيّة التقرير بصورة عامّة: كيف تنال السياسات الفرنسيّة حصّة سلبيّة في الأردن أكثر من دول المغرب العربي المُستعمرة سابقاً (وإلى حدّ ما حاليّاً) من قبل فرنسا؟ هل هناك سوء فهم أم عدم اتساق منهجي في الاستطلاعات بين الدول؟ ولماذا تنال الصين أيضاً نسبة تقييم سلبي عالية جداً (٦٢٪) في الأردن؟ يبدو ان هناك مشاكل في إجراء الاستطلاع وفي فهمه في الأردن. وقد أعطى ٤٤٪ من شعب فلسطين تقييماً سلبيّاً لسياسات الصين، مع ان تحديد سياسات الصين في المنطقة العربيّة أمرٌ ليس يسيراً. وفي السعوديّة تتطابق كالعادة في التقرير أجوبة الرأي العام مع السياسات الرسميّة لآل سعود حيث لم تتعدّ نسبة التعاطف مع سياسات إيران هامش الخطأ.
نالت السياسات
الروسيّة أكبر نسبة
تعاطف في الكويت،
يليها العراق

وقد أجاب الرأي العام عن سؤال حول اعتبار القضيّة الفلسطينيّة «قضيّة كل العرب» (خلافاً لاعتبارها شأناً فلسطينيّاً). وهنا يتفق العرب بنسب عالية على اعتبارها قضيّة «كل العرب» مع ان النسب تتضاءل في دول مصر (٢٥٪ ضد) والعراق (١٧٪) ولبنان (٢٨٪) وفلسطين (٢٥٪) (ص. ٢٩٠). وهنا تطرح الإجابات تساؤلات أكثر مما تجيب على تساؤلات. هل يعقل أنّ ٢٥٪ من الشعب الفلسطيني لا يعتبر قضيّة فلسطين قضيّة كل العرب؟ فيما يرى ٨٩٪ من الشعب في الأردن (بأكثريّته الفلسطينيّة) ان قضية فلسطين هي قضيّة كل العرب. أما عن اتجاهات الرأي العام نحو الاعتراف بإسرائيل، فإن نسبة الذين وافقوا على الاعتراف بالعدوّ الإسرائيلي لم تتعدّ العشرة في المئة في كل الدول العربيّة باستثناء السودان (١٨٪) ومصر (١٦٪) ولبنان (١٦٪). وحتى في السعودية فقد عارض ٨٦٪ الاعتراف بإسرائيل. وهذه النسب العالية في رفض العدوّ الإسرائيلي تثبت عمق الهوّة بين الحكّام وبين الشعوب، وأن السلام مع العدوّ الإسرائيلي لا يمكن إلّا ان يكون (على طريقة السادات والهاشميّين في الأردن وآل الجميّل في لبنان) مفروضاً بالقوّة على الشعب، وليس مختاراً من قبلهم. كما ان الآراء هذه تثبت بطلان تمثيليّة «مبادرة السلام العربيّة» لمزاج وتطلّعات الشعوب العربيّة. وتكون دولة الجزائر دوماً في طليعة الدول المعادية لفكرة السلام مع العدوّ الإسرائيلي لأن بومدين والثورة الجزائريّة رسّخا في الثقافة السياسيّة في الجزائر التعلّق بهدف تحرير فلسطين.
وقد أورد الجدول في ص. ٣٠٧ تحديد الشعب العربي للدول الأكثر تهديداً لأمن الوطن العربي (من دون استطلاع فهم المواطنين لماهية تعريفات القوميّة). وقد نالت دولة العدوّ الإسرائيلي معدّل ٤٥٪ (وهو معدّل قليل مع ان الإجابة فصّلت بين أميركا وأوروبا وبين دولة العدوّ)، فيما نالت إيران معدّل ١٠٪، وأميركا معدّل ٢٢٪. وهنا يظهر الفارق بين المزاج الشعبي وبين مزاج الطغاة المهووسين بالخطر الإيراني دون غيره من الأخطار الخارجيّة. لكن هل يعقل ان ٢٥٪ فقط من شعب فلسطين رأى الخطر من إسرائيل فيما اختار ٤٩٪ الخطر الأميركي؟ هل هذا يعني ان نسبة الـ٤٩٪ لا ترى خطراً من جهة العدوّ؟ كان يجب رصد النتائج من دون التمييز. وتحديد الخطر الإيراني لم ينل أكثر من عشرة في المئة إلّا في السعوديّة (٢١٪) والأردن (٢٠٪) والعراق والكويت (١١٪). لكن كيف تتفق هذه الأرقام مع أرقام سابقة عن التعاطف والتقييم السلبي للسياسات؟ كما انه لا يمكن الاعتماد على «معدّل» الإجابات العربيّة لأن التقرير قرّر تجاهل الوزن الديمغرافي للدول العربيّة في احتساب الإجابات على النطاق العربي العام.
وضمّ الاستطلاع سؤالاً ملتبساً عن نسبة تأييد «خلو منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي». لكن لماذا هذا السؤال الذي صيغَ بصورة يُجَهَّل فيها هويّة الدولة الوحيدة التي تمتلك أسلحة نوويّة، أي دولة العدوّ الإسرائيلي. لماذا لا يكون السؤال عن تلك الدولة بصورة مُحدّدة (هذا إذا أردنا استثناء الغوّاصات الأميركيّة - المُحمّلة بالرؤوس النوويّة - المُنتشرة في المياه الإقليميّة في الشرق الأوسط)؟ هل المُراد بذلك الموازاة بين سلاح نووي إسرائيلي موجود وبين سلاح نووي إيراني غير موجود؟ وهذا السؤال مشروع في سياق التحريض الخليجي - الإسرائيلي المستمرّ ضد السلاح النووي الإيراني غير الموجود، وفي سياق التجاهل التام من قبل كل الدول العربيّة لأسلحة الدمار الشامل عند العدوّ الإسرائيلي. لكن السؤال عمّا إذا كان امتلاك العدوّ الإسرائيلي يُبرّر سعي دول أخرى لامتلاكه يظهر في الشكل ٢٥٠ (ص. ٣١١). وهناك دول عربيّة أيّد فيها الرأي العام هذا المنطق فيما رفضت بنسب كبيرة شعوب في دول عربيّة أخرى: ٢٠٪ فقط في السعوديّة قبلوا هذا المنطق، فيما قبله أقل من نصف السكّان في الجزائر والسودان ولبنان ومصر وفلسطين؟ ثم لماذا تظهر نتائج الرأي العام في السودان متطابقة مع الموقع المُتغيّر لطاغية السودان الذي غيّر مواقف السودان بصورة جذريّة في السياسات الإقليميّة؟ وهل يعقل ان نصف الشعب الفلسطيني لا يرى مبرّراً لدول أخرى في امتلاك سلاح نووي مقابل السلاح الإسرائيلي؟ هذا مُلفت، أو غير منطقي.
أما تقييم «الثورات العربيّة» فيظهر في القسم السابع من التقرير، لكن السؤال عن «الثورات» ملغوم إذ انه ينحاز في الصياغة إيجابيّاً ما يؤثّر في نتائج الاستطلاع، وهذا منافٍ لشروط إجرائها علميّاً. وهنا تأتي النتائج غريبة بعض الشيء: كيف يمكن ان نقول إنّ ٤١٪ من الشعب في السعوديّة يقيّم إيجابيّاً «الثورات العربيّة»؟ هذه الإجابة لا تتطابق مع باقي نتائج استطلاع السعوديّة والتي تتوافق بالكامل مع موقف الحكومة، لكن قد تكون النتيجة متوافقة مع موقف الحكومة لأن صفة «الثورات» لا تُطلَق في الإعلام العربي إلا على الحركة المدنيّة والمُسلّحة ضد النظام السوري (وفي هذا يتفق إعلام النظام السعودي مع إعلام النظام القطري) فيما يختلف إعلاما النظاميْن في تقييم ما جرى في مصر. ومتى كان حكّام الخليج في صف «الثورات» - هذا إذا كانت حقّة - لكن هذا موضوع آخر يحتاج لتصدٍّ منفصل. ونسبة معارضة «الثورات» أكثر سلبيّة في تونس (حيث مُفترض ان يكون هو منبت هذه «الثورات») وفي الأردن (لكن نتائج الأردن هي غريبة وغير مفهومة في مجمل التقرير)، فيما عارضت نسبة ٨٣٪ من الرأي العام في لبنان «الثورات» هذه. لكن هذه النتيجة في تحليل الوضع اللبناني لا تتسق مع باقي النتائج في التقرير. هنا تظهر نسبة متوائمة مع رأي القوى السياسيّة الشيعيّة والمسيحيّة، فيما لم تأتِ باقي النتائج متوائمة معها. وفي الأسباب التي أوردها المُستجوَبون، ذكر المُستطلَعون في السعوديّة (في أكبر نسبة) سبب التقييم الإيجابي لـ«الثورات» بأنها منحت «المواطنين حريّة التعبير عن الرأي». (ص. ٣٢٣). وهذه يعني، مقارنة بنتائج التقرير في الشق المتعلّق بإختيار انظمة الحكم، ان الشعب في السعوديّة يطالب في حريّة التعبير في كل البلدان إلّا في السعوديّة حيث يستمتع بغياب الحريّات.
وفي تقييم «الربيع العربي» (والتقييم هذا منحاز أيضاً في الصياغة، كما في مصطلح «الثورات العربيّة») كانت أعلى النسب السلبيّة في التقييم في لبنان (٥٠٪) وفي الجزائر (٤٧٪) وفي فلسطين (٤٥٪)، اما الأردن فلا يمكن التعويل على النتائج كالعادة في هذا التقرير. لكن أكثريّة ٤٦٪ من المُستطلَعين في السعوديّة أعطت رأياً متفائلاً في «الربيع العربي»، مما لا يتعارض مع نسبة النصف التي أعطت رأياً سلبيّاً في «الثورات»، مما يتفق أيضاً مع توجّهات آل سعود. لكن نسبة التعبير عن مخاوف من «نفوذ الحركات الإسلاميّة» (ما هي؟ وهل تشمل تلك التي تتلقّى التمويل والسلاح من النظام السعودي والقطري؟) واتفق لبنان (بنسبة ٨٤٪) والسعوديّة (بنسبة ٧٧٪) على التعبير عن مخاوف من نفوذ الحركات الإسلاميّة، لكن لبنان هو الدولة ذات النسبة الأكبر من المسيحيّين في سكّانه، فيما السعوديّة هي الدولة ذات النسبة الأقلّ من المسيحيّين في الدول العربيّة (باستثناء العاملين من دول أخرى). وانقسم الشعب الفلسطيني في النتيجة مع انه في أقسام أخرى من الاستطلاع برز كأكثر الشعوب العربيّة إسلاميّة سياسيّاً وتديّناً. أما السؤال عن المخاوف من نفوذ الحركات «غير الإسلاميّة (العلمانيّة)» فلم يكن مفهوماً (لا من القارئ ولا من المُستطلَعين على الأرجح) لأنه يجمل في طيّاته أحزاباً من مشارب وأهواء مختلفة ومتناقضة، وكلمة علمانيّة تحمل أبعاد ومغالطات تؤثّر حكماً على الإجابات. وعبّر السعوديّون نسبة ٨٠٪ عن مخاوف من نفوذ هذه الأحزاب؟ ماذا يعني هذا؟ أن الرأي العام في السعوديّة متخوّف من نفوذ كل الأحزاب من دون استثناء وأنه يفضّل لو عمّ نظام الطغيان السعودي على سائر بلدان المنقطة والعالم؟ ولبنان (البلد العريق في الطائفيّة والبغضاء المذهبيّة) عبّر بنسبة ٧٣٪ عن عدم وجود مخاوف لديه من نفوذ هذه الأحزاب «العلمانيّة».
وفي التعبير عن مواقف من قضايا راهنة جاءت نتائج الاستطلاع في التقرير أفضل من نتائج استطلاع «بيو» عن الموقف من «داعش» حيث عبّر ١٠٠٪ في عدد من البلدان العربيّة عن معارضتهم له (وكل استطلاع يأتي بنتيجة ١٠٠٪ لا يُعوّل عليه مثله مثل انتخابات الـ١٠٠٪). وكانت نسب التعاطف مع «داعش» في حدود هامش الخطأ إلّا في موريتانيا (١٠٪) (ص. ٣٥٨).
لكن الاستطلاع عن الأزمة السوريّة يبدو نافراً وناقصاً: إن الاستطلاع في جدواه ونفعه يعتمد على المقارنة بين أصناف من الأسئلة وبين أسئلة عن دول مختلفة. لكن في هذا الاستطلاع اقتصر السؤال عن صوابيّة تغيير النظام على بلد واحد فقط —ذلك الذي تتحد كل دول الخليج على معارضته وعلى تسليح معارضته. لكن السؤال عن صوابيّة تغيير نظام واحد —من ناحية منهجيّة الاستطلاع بحد ذاتها— تبقى ناقصة من دون القدرة على المقارنة بين الجواب عن صوابيّة تغيير النظام في سوريا مقابل أجوبة عن صوابيّة تغيير أنظمة أخرى، وإلا كان الجواب الأوّل خالياً من المغزى والفائدة الاستطلاعيّة. ماذا لو قارنّا مثلاً السؤال عن تغيير النظام في سوريا مقابل سؤال عن تغيير النظام في السعوديّة؟ قد تكون إجابة الرأي العام العربي عن تغيير النظام في السعوديّة أعلى نسبة من الإجابة عن تغيير النظام في سوريا —أو قد لا تكون، لكن المقارنة ضروريّة لتحليل السؤال عن سوريا بحدّ ذاته. كما ان التفصيل في الشكل ٢٨١ حسب الدول (ص. ٣٧٩) يُظهر علاقة عكسيّة بين تفضيل خيار تغيير النظام وبين زيادة نسبة حريّة التعبير في الدولة: فلبنان والعراق وتونس كانوا أقلّ حماسة لتغيير النظام من السعوديّة (والتي سجّلت أعلى نسبة (٨٤٪) في تأييد تغيير النظام). والإجابة في لبنان تفضح الهوى الـ١٤ آذاري للشركة التي أجرت الاستطلاع والتي تأتي نتائجها غالباً لصالح ١٤ آذار، حتى ان العامل الطائفي انتفى فيها كأن المُستطلعين كانوا من جهة واحدة فقط.
إن استطلاع الرأي العام العربي جهدٌ ينمو ويتطوّر لكن الاعتماد عليه لرصد آراء الرأي العام العربي محفوف بالمخاطر لأسباب منهجيّة ولأسباب سياسيّة تتعلّق بظروف إجراء الاستطلاع وبعلاقات شركات الاستطلاع بالأنظمة الحاكمة. قد يكون ضرب المندل أكثر علماً من الاستطلاع العربي أحياناً.

* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)