أسعدني أنّ مقالي في عدد «الأخبار» 5 حزيران، حول تصور افتراضي لإدارة ناجحة لحرب 67، استدعى تعقيباً رصيناً من الأستاذ محمد صالح الفتيح في عدد 27 حزيران، يفتح السبيل الى حوار رشيد حول حدثٍ كان - وما انفك - فارقاً في حياة العرب، هو حرب 67.

نقطة البدء عندي أنني لم أعنِ نصراً عربياً في الحرب عبر وصف «الادارة الناجحة» لها، وبما يحمله وصف النصر من معنى سحق الارادة السياسية للعدو، وإنما تفادي هزيمةٍ بالسلاح...

بل وتحقيق نقاطٍ بالسياسة، على مسار صراع طويل ممتد بين حركة القومية العربية وبين منظومة الصهيونية العالمية المؤيدة بالاستعمارين الجديد والقديم.
ولعل النقطة المركزية في ردّ الأستاذ الفتيح هي إشارته إلى غياب خطةٍ لدى عبدالناصر كانت وراء تصعيد مايو/ أيار 67، لا سيما ونهجه الذي ساد لعقد كامل - تلا حرب 56 - كان اجتناب الصراع المسلح مع إسرائيل لحين توافر أسلحة الدمار الشامل وحتى إنجاز خطتين خمسيتين للتنمية، أي في حدود عام 70.
والحال أن الجدال لم يحسم بعد، طلباً لتبين الدافع الرئيس للتصعيد، طالما ارشيف الدولة المصرية حبيس السراديب... لكن الأكيد أن حساباتٍ أجراها عبدالناصر عبر الثلث الأول من عام 67 - لعلها في ضوء تطوّر جلل (!) تثبّت منه أيامها - أفضت به الى انعطافة حادة من التهدئة إلى التصعيد.
والحاصل أن ما يمكن احتسابه عوامل رديفة كانت حزمةً من: اعتقاد بانشغال الولايات المتحدة بحرب فييتنام، استفزازات اسرائيلية في سموع - نوفمبر 66 وغوطة - نيسان 67 تفوق الاحتمال، تعيير آلي سعود وهاشم لعبدالناصر بالاختباء خلف البوليس الدولي في إطار حربهما عليه ساخنةً وباردة، مزايدة النيو - بعث السوري بشعار حرب التحرير الشعبية، تململ الشارع الفلسطيني محسوساً بصعود فتح، محاولة إحراج آل سعود لفرض تسوية مشرّفة لحرب اليمن عليهم، لا سيما في ضوء الانسحاب البريطاني المرتقب من جنوب اليمن مع نهاية العام. لكن الدواعي، الرئيس منها غير جليّ أما المساعدة فكانت كلها مستندة إلى ثابتٍ راسخ مفاده أن الجيش المصري قادر على خوض معركة دفاع ناجحة في صحن سيناء.
طيب، ماذا إذن كان في ذهن عبدالناصر يومها؟ إنْ لم يحتج لسحب البوليس الدولي، معطوفاً على حشده 5 فرق و8 ألوية في سيناء (وغزة)، فاحتمال الحرب لن يتعدى 20%، وبذا يكون قد كسب سياسياً معركة ردع إسرائيل وتقليم أظافرها من دون قتال... أما إن تطور الموقف الى سحبه فاحتمال الحرب يعلو إلى 50%... وإن تصاعد الى اغلاق خليج العقبة فسيضحي بنسبة 80%، أي أن قبول مخاطرة الحرب بضربة أولى للعدو يجري امتصاص آثارها لتتلوها ضربة ثانية مضادة تنقل الخطر اليه بجرعة محسوسة تُترجَم سياسياً بفتح ملف قراري الأمم المتحدة 180 & 194 كان ما وراء الأكمة: مخاطرة محسوبة، لا مغامرة طائشة... أو هكذا كان اليقين.
وفي ضوء حرصي على ألا أكرر ما سبق وأسهبت في تناوله من عوامل ومسارات تكتيكية وعملانية طاولت مسار الحرب، فإنني أستطيع القول إنّه وحتى مع خروج الطيران من المعركة، ورغم استخدام العدو مدقّاً غير مطروق عند جبل لبنى في محاولة لتطويق ميسرة الفرقة الثانية على المحور الأوسط، فإن أوضاع القوات مساء 5 حزيران كانت مقبولة وكفيلة بتمكينها خوض معركة تراجع منظم - عبر أيام عدة - الى المضائق، تُلحق بالمهاجم خسائر مقعِدة تكسر نظرية الأمن الاسرائيلي، وتكفل تحريك الراكد من قرارات دولية تتعلق بحقوق شعب فلسطين.

حسابات أجراها عبد الناصر أفضت به إلى انعطافة حادة من التهدئة إلى التصعيد

ينفع هنا التنويه الى ان هدف العدو من الحرب لم يكن احتلال سيناء كلها بل الوصول الى خط العريش - رأس محمد، مع الاستيلاء على قطاع غزة وشرم الشيخ... فيما تبقى القدس جائزة الفوز، إن أُحرز.
الآن، هل كون مدى الطيران الاسرائيلي واصلاً الى العمق المصري كفيل بالقدرة على تدمير ما في مطاراته من طائرات إن تجمعت فيها، من باب توقي ضربته؟ الجواب أن بُعد الهدف يتناسب عكساً مع مفاجأة مستهدفه له، إذْ فسحة الإنذار تطول بما يكفي لتنبّه حتى الغافل... ناهيك عن أن توقع الضربة ذاك اليوم كان، في مطلق الأحوال، يقتضي مظلة جوية حول وقتي الشروق والغرب وعلى مقتربات الشرق وجنوبه، والشمال وغربه.
فلو أن القاذفات رحلت الى السودان - ما كان في وسع حكومة محمد أحمد محجوب ردّ ذلك، فحكومة العميل الصهيوني عبدالله خليل لم تقوَ على صدّ كهذا في حرب 56 - ولو أنّ المقاتلات والمقاتلات القاذفة توزعت على مطارات الصعيد - من بني سويف لرأس بناس - وعطفاً على قيام المظلات السالفة الذكر لحدث واحد من أمرين: إما أن تلغي اسرائيل هجومها الجوي أو تؤجله لوقت لاحق قد يكون أفضل أو أن تعود الطائرات المهاجمة أدراجها إن حدث وباشرت رحلتها نحو سماء مصر. أو أن تواصل استهدافها المطارات وهنا الاحتمال الأقل سوءاً للعدو في ضوء تفوقه بالتدريب والمعلومات بل ونوعية المعدات (في وسع الطيار الاسرائيلي القيام بـ 7 طلعات في اليوم الواحد، مع فاصل 7.5 دقائق لإعادة تجهيز للطائرة بين طلعتين) لكنه الأكثر كلفة أيضاً لجهة الخسائر في الطيارين والطائرات. في أيٍ من هذه السيناريوهات كان لإجهاض أو إرباك الضربة الجوية ان يتيح للقاذفات العائدة والمقاتلات المعاد توزيعها - وحتى بافتراض تعرض المهابط لقنابل الاختراق، العميق نعم ولكن القابل للاصلاح على عمقه - قابلية الاسناد القاذف والساتر للقوات البرية إن مضى العدو الى الاشتباك البري أياً كان مسار تطورات الجو... وبعلم أن فتح العدو التعبوي قد بدأ قبل ساعة وربع من الهجوم الجوي على المحور الأوسط (وليس بعد نصف ساعة من بدئه).
أما إن استتبع إجهاض الجو إلحاق البرّ به فقد نال عندئذ عبدالناصر الحسنيين: تفادي السلاح وتفوق السياسة.
في عجالةٍ أضيف: 1ـ تغيير قيادات الميدان الفاشلة أو الرديئة خلال القتال مؤثرٌ بامتياز في سيره، ولدينا في حرب 56 الاسرائيلية وحربي 91 و2003 الأميركيتين شواهد.
2ـ لا علاقة للفرقة المدرعة الرابعة بموقع بير لحفن جنوب العريش، إذ ان تموضعها هو على خط المضايق: ربما المقصود هو لواء مدرع مستقل قاده العميد كمال حسن علي.
3ـ قدرة العدو على استخدام كامل قوته الجوية
- باستثناء 12 مقاتلة استبقيت للدفاع - في الهجوم مبعثها طمأنينته لمظلة الاسطول السادس الأميركي الجوية فيما لو غافله طيران «الجبهة الشرقية» فيما هو منشغل بضرب الطيران المصري. 4ــ مع نهاية اليوم الثاني للحرب - الثلاثاء 6 حزيران - كانت قوات سيناء - باستثناء الفرقة السابعة مشاة المكلفة بالمحور الشمالي - ما زالت في وضع متماسك شبه سليم، وتنتظر منتصف الليل لتبدأ انسحابها الشامل في 24 ساعة الى غرب القناة، وفق أمر المشير عامر الصادر في الثالثة من عصر ذلك اليوم.
5ــ لم تكن خسائر 7 و8 و9 حزيران بـ 10 الاف شهيد و5 الاف أسير (فيما خسائر 5 و6 حزيران لم تتعد الألف شهيد) بسبب اصطياد القوات على المضائق، بل بسبب انسحابها العشوائي على خطوط صحن سيناء بين الحدود والمضائق، وما بينها والقناة.
6ـ حديثي عن فيصل السعودية هو عن حشره ليضطر لفعل ما يكره، بالإكراه... وتوافر شرائط قتال معقولة هو بذاته عنصر ضغط لا يلين ولا يُقاوَم.
7ــ أما الاشارة الى حرب اكتوبر بالقول إن خروج القوات البرية عن مدى تغطية الدفاع الجوي هو مدعاة هزيمتها في الفاصل بين القناة والمضايق - الأحد 14 اكتوبر - فتردادٌ لأحبولة صنعها الفريق سعد الشاذلي ولاقت هوى أنور ساداتي: كانت الطريق الى المضايق مفتوحة بل وفسيحة يومي 8 و9 اكتوبر، ثم إن بطاريات سام 6 متحركة وبالتالي فالحجة باطلة. والجزم بأن السوفيات غضبوا على عبدالناصر لتشجيعه العقيد القذافي على ابتياع 110 طائرة ميراج فرنسية ليس موثقاً وهو على العموم بلا عقابيل إن حتى حدث، فهم أدرى الناس بمزايا الطائرات الغربية.
قبل وبعد، فالعدو هو من تصرخ أدبياته بكم كان غير متوقع ولا مبرر حجم وفداحة الهزيمة التي ألحقها العسكر المصري بنفسه، قبل ان يلحقها هو به. ولعل ذلك واحد من أهم الدروس المستفادة: أن نتعلم تجنب هزيمة أنفسنا أمام العدو.
* كاتب عربي