لم يكن مستغرباً أن تلاحظ شبكة الـ«أن بي سي» الأميركية في تقرير بثته السبت الماضي (23 يناير/ كانون الثاني) أنّ التنافس على السلطة بين وليّي عهد السعودية وزير الداخلية محمد بن نايف ووزير الدفاع محمد بن سلمان، جعل كلّ منهما يتبع سياسة داخلية وخارجية شديدة العدوانية لإثبات كفاءته، ما أثر بشكل بالغ على سجل حقوق الإنسان داخل البلاد وفي دول الخليج الأخرى التابعة لها.

مسؤولون أميركيون قالوا للـ«أن بي سي» إنّ اتباع الأميرين سياسة عدوانية يأتي في وقت يعاني فيه الملك سلمان من الخرف، فهو اضطر خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى الرد على الأسئلة من خلال إجابات كان يُرسلها له أحد مساعديه الذي يجلس في غرفة مجاورة، عبر جهاز «آيباد».
وتُقدم الشبكة الأميركية أمثلة على السياسة العدوانية المُتبّعة، كوقوف محمد بن سلمان وراء قرار شنّ الحرب على اليمن، وأنّ محمد بن نايف هو الذي دفع باتجاه تنفيذ حكم إعدام الشيخ نمر النمر، في الثاني من شهر يناير/ كانون الثاني الحالي.
وكان واضحاً، أنّ تسلّم الملك سلمان للحكم في البلاد قبل عام كان بداية تراجع وضع حقوق الإنسان في السعودية وتوابعها من دول الخليج إلى مرحلة بالغة السوء. فسلمان، بعكس أسلافه، لم يبدأ عهده بإعلان العفو عن النشطاء والمعارضين السياسيين السلميين الذين تقدّر منظمات حقوقية، بينها جمعية الحقوق المدنية والسياسية «حسم»، عددهم بالآلاف.
لا يوجد حديث في السعودية عن تحسين سجل حقوق الإنسان وإطلاق سراح المعتقلين أو إدخال إصلاحات سياسية تفضي إلى مشاركة شعبية في صناعة القرار. خطاب الملك السنوي أمام مجلس الشورى (يعيّن أعضاءه الملك) خلا من أي كلام عن الإصلاح واكتفى بترديد «كليشيهات» من نوع أن بلاده تُحكم بالشريعة، فيما زعم ابنه ولي ولي العهد محمد في لقاء صحافي نادر مع مجلة «الإيكونوميست» البريطانية أن حكومته تمثل الشعب، ناعتاً الشيخ النمر بـ«الإرهابي». كما اعتبر أن وضع المرأة في البلاد جيد، مبرراً فشل حكومته في توفير عمل للنساء بأنهنّ يرغبن بالجلوس في المنزل لرعاية الأطفال، الأمر الذي تسبب بغضب العديد من الحقوقيات في المملكة.

اختارت البحرين، بتحريض سعودي، المواجهة مع المطالبين بالإصلاح

لا شك أن حديث ابن سلمان كان تزويراً للواقع. يقول إنّ المرأة يُسمح لها بالسفر من دون إذن ولي أمرها في حال بلغت سنّاً معينة! أما بالنسبة للحرب على اليمن، التي تسببت بكوارث إنسانية كبرى في أفقر بلد عربي وهدّدت تقريباً نصف سكانه بالمجاعة وفقاً للأمم المتحدة، فقال إنّ قرار الحرب لم يكن قراره بل صدر عن «مؤسسات الدولة»، وهو لا يعلم متى تنتهي.
بالنسبة إلى ولي العهد ووزير الداخلية محمد بن نايف، فلم ينس أن ينتقم من أحمد العبيد الذي اتهم الحكومة في لقاء مباشر مع الأمير وثقته كاميرات التلفزيون في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بأنها تشارك في قتل الشيعة، من خلال الصمت على التحريض ضدهم وتكفيرهم في وسائل الإعلام الرسمية. فؤجئ العبيد، وهو شقيق لأحد قتلى تفجير مسجد بلدة القديح الإرهابي، منذ أسبوعين برجال ابن نايف يقتحمون مدرسة ابن القيم في سيهات التي يعمل فيها مدرساً ويقتادونه إلى مكان مجهول، وهو حتى الآن لا يُعرف مصيره.
كذلك، أمر ابن نايف باعتقال الناشطة سمر بدوي، منتصف الشهر الحالي، قبل أن يُطلق سراحها بكفالة، بعد رد الفعل الدولية الغاضبة التي تسبب بها اعتقالها. وكأنه لم يكن كافياً اعتقال زوجها المحامي وليد أبو الخير وشقيقها المدون رائف بدوي، اللذان يقضيان منذ أكثر من ثلاث سنوات عقوبة بالسجن تتراوح بين 10 و15 عاماً.
في البحرين المجاورة التي ورث إداراتها «أمنياً» محمد بن نايف عن والده وزير الداخلية الراحل نايف، قررت حكومة المنامة الأسبوع الماضي توجيه تهم جديدة لأمين جمعية الوفاق المعارضة الشيخ علي سلمان، المعتقل منذ عام، كالتحريض عبر موقع «تويتر».
اختار النظام البحريني، بتحريض سعودي واضح، المواجهة المفتوحة مع المطالبين بالإصلاح السياسي والمدافعين عن حقوق الإنسان. حتى السجناء السياسين في معتقل جو، فقد أصدرت محكمة بحرينية منذ أيام ضد 57 منهم، أحكاماً إضافية بالسجن لمدة 15 عاماً، بسبب اعتصام نفذوه العام الماضي احتجاجاً على أوضاع المعتقل غير الإنسانية.
يأتي هذا كله في ظلّ صمت، إن لم يكن تواطؤ أميركي وبريطاني. فواشنطن وافقت مؤخراً على بيع أسلحة للسعودية بنحو مليار دولار، فيما باعت بريطانيا للرياض قنابل بمليار جنيه إسترليني يُفترض أن تُستخدم في حرب اليمن، وذلك بعد أقل من شهرين من إعلان لندن تشييد قاعدة عسكرية لها في البحرين، هي الأولى في المنطقة منذ 40 عاماً.
(من الاشخاص الذين سحبت جنسيتهم البحرينية بسبب نشاطه الحقوق)
* المدير التنفيذي لمنظمة «أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين»