لم يكن كلام الرئيس الأميركي أوباما ارتجالياً عندما قال إن الاعتقاد بوجود معارضة معتدلة قادرة على هزيمة الأسد هو ضرب من الفانتازيا وأمر غير واقعي. هو كان يعي تماماً ما يقول، لكنه بالتوازي مع ذلك كان يعلم أيضاً ما يجب على أميركا فعله لتحويل هذه الفانتازيا إلى واقع على الأرض.


المعارضة بغالبية أطرافها وخاصة الائتلاف سارعت إلى انتقاد هذا التصريح، واعتبرته تخلياً عن دعمها، ما يضعها أمام تحد كبير لإثبات أنها تستحق هذا الدعم وتحتاجه لتتمكن من التأثير في الأرض وتغيير المعطيات لصالحها وبالشكل الذي يشجع أميركا والغرب على زيادة حجم ونوعية هذا الدعم.
بدورها القيادة السورية اعتبرت هذا التصريح اعترافاً من أوباما بقدرة الجيش السوري على فرض معطياته على الأرض، وترجمة وجهة نظرها التي تعتبر أن ما يجري في سوريا إرهاب يستهدفها ويستهدف المنطقة. فعندما نتوقف عند هذا التصريح من دون متابعة ما بعده يمكن بكل تأكيد اعتباره نقطة انعطاف كبيرة تستدعي بالضرورة تغيير في طريقة التعاطي مع وجهة نظر سوريا في محاربة الإرهاب. بعد ايام قليلة يأتي طلب الرئيس الأميركي من الكونغرس تخصيص نصف مليار دولار لدعم المعارضة السورية المعتدلة، ويطلب من الجربا أن يكون الائتلاف السوري الوطني والجيش السوري الحر، الذراع الأميركية التي يجب أن تضرب داعش والإرهاب على الأرض السورية.


مكاسب كثيرة يسعى
أوباما إلى تحقيقها
كشف عنها عبر تصريحه وطلبه وتكليفه

للوهلة الأولى تنتابنا حالة من الاستغراب، ونتجه لتحليل هذه التصريحات والمواقف على أنها تناقض أو تراجع أو تصحيح في المواقف لمصلحة المعارضة «المعتدلة»، لكن من يتابع بدقة ما تعمل عليه الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، وفي سوريا تحديداً يجد أنها تسعى لتحقيق هدفين اثنين يفرضان ثوابت على خريطة الأزمة في سوريا لا يمكن تجاوزهما أو القفز فوقهما في أي حراكات سياسية أو ميدانية في المرحلة المقبلة، وتكون بذلك حققت ما يمكن اعتباره انتصاراً لها ولحلفائها.
عدم وجود معارضة معتدلة قادرة على هزيمة الأسد، يفرض من وجهة النظر الأميركية ضرورة إيجاد هذه «المعارضة المعتدلة القادرة»، لهذا يجب اختيار المجموعة المسلحة من المعارضة التي تعتبر الأقرب إلى الفهم الأميركي لمصطلح «المعتدلة». وإن كانت هذه المجموعة بعيدة كل البعد من المعنى الحقيقي لهذا المصطلح، فاتجه أوباما إلى الجيش السوري الحر الذي لا يزال الائتلاف السوري المعارض برئاسة الجربا مرجعيته المعلنة، رغم ضعف هذا «الجيش الحر»، وتفككه وفساد قادته واختلافهم فيما بينهم وأيضاً اختلافهم مع قادتهم السياسيين وحكومتهم المشكلة في الخارج المختلفة فيما بينها أيضاً، إضافة إلى أن الغالبية العظمى من مكونات الجيش الحر كأفراد وجماعات بايعت جبهة النصرة وداعش وانشقت وشكلت أو انضمت إلى عدد آخر من الألوية والكتائب الإسلامية المتطرفة على الأرض. كما أن هذا «الجيش الحر» ارتكب جرائم وفظائع يندى لها جبين الإنسانية، فمنه كان أبو صقار الذي اكل قلب وكبد أحد جنود الجيش السوري أمام الكاميرا وتباهى بذلك.
إذاً وجد أوباما ضالته، الآن يمكنه العمل على تصنيع ودعم وتدريب وتسويق هذه المعارضة المعتدلة، وتكريسها كمكون اساسي من مكونات الأزمة، التي ستمثل الحصة الرسمية المعترف بها أميركياً ومن قبل الغرب المؤيد لأميركا وباقي حلفائهم من المنطقة والعرب. هذا هو الجناح العسكري، وهو يحتاج إلى جناح سياسي ليتكاملا معاً ويتمكنا من التحليق في الفضاء الأميركي الذي يحضَّر للمنطقة. على أوباما إذاً توفير الجناح الثاني السياسي، وليس هناك أكثر ملائمة من الائتلاف السوري المعارض (الذي هو صنيعة أميركا والغرب بأيدٍ إقليمية وعربية أهمها المملكة العربية السعودية التي اختارت وفرضت الجربا). فكان الطلب من الجربا أن يكون الائتلاف الغطاء السياسي للجناح العسكري «المعارضة المعتدلة – الجيش الحر» لتكون العصا التي يضربون بها داعش والإرهاب الذي يهدد المنطقة بكل دولها.
مكاسب كثيرة يسعى أوباما لتحقيقها كشف عنها عبر تصريحه وطلبه وتكليفه، فعندما يجري تكليف الائتلاف برئاسة الجربا بمهمات رسمية من الولايات المتحدة وحلفائها في العالم والمنطقة بالتصدي لداعش والإرهاب في سوريا بواسطة الجيش الحر، الذي اعتُمد كمعارضة مسلحة معتدلة قادرة على الإطاحة «بنظام الاسد»، هذا يعني بكل وضوح تحقيق الهدفين الذين أرادهما أوباما، أولهما تصنيع معارضة مسلحة معتدلة وتكريس وجودها، وثانيهما شرعنة الائتلاف السوري كمكون أصبح يملك مبررات وجود تفرض لاحقاً الاعتراف به، تكون مهمته الأولى التصدي لداعش والإرهاب في سوريا، وستكون لديه لاحقاً مهمات أخرى يصبح قادراً على إنجازها بعد شرعنته.
* اعلامي سوري