يقول عبد الرحمن بدوي: الوجودية مذهب في الوجود محدد تمام التحديد. يقوم على مبدأ أساسي بسيط هو أن وجود الإنسان هو ما يفعله، فأفعال الإنسان هي التي تحدد وجوده وكينونته، ولهذا يقاس الإنسان بأفعاله، فوجود كل إنسان بحسب ما يفعله (دراسات في الفلسفة الوجودية). أي أن وجود الإنسان لا يقاس بحسب ما يقوله عن نفسه ولا عمّا يقوله عنه الآخرون. هذا القول يحمل التباساً، خاصة وأنه يلغي الفارق الذي يقره القانون الجنائي بين القتل عن سابق إصرار وترصد، أو القتل العمد من جهة، وبين القتل بالخطأ أو بغير قصد، وتحت ظروف قاهرة. بعبارة أخرى، يلغي مفهوم «النية سابقة العمل»؛ «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرؤ ما نوى» وهو حديث يتعلق بالأعمال الباطنة، فإن «الدين»: باطن وظاهر، أعمال باطنة تتعلق بالقلوب، وأعمال ظاهرة تتعلق بالجوارح، والذي يتعلق بالقلوب نيّة صادقة، والذي يتعلق بالجوارح نيّة كاذبة كلها تظاهر «بالإيمان» ولا «إيمان» فيها. كما أن هذا الكلام يجعل الفرق بين المؤمن والمنافق لاغية. وإذا كان ذلك كذلك فإن هذا القول للمذهب الوجودي يلغي الأعمال الباطنة أو ماهية الوجود، كما أنه يختزل مستويات الوجود الثلاثة التي ذكرها ابن سينا، ويرجعها جميعاً إلى مستوى الوجود الظاهر المباشر.


وابن سينا يقسّم الوجود إلى ممتنع وممكن وواجب. الواجب الوجود ماهيته عين وجوده وهو الوجود الواجب، هو وحده المتصف بالوجود بذاته وهو القائم بذاته وشخصه، وكل ما عداه من الموجودات وجوده بمثابة عرض مضاف إلى ماهيته، لذا كانت موجودات جائزة (سيد حسين نصر: ثلاثة حكماء مسلمين). يمكن أن تُردّ مراتب الوجود المختلفة إلى بضع مقامات رئيسية تشتمل على المراتب الأصلية للوجود الكوني. هذه المراتب للوجود ومستوياته المختلفة تحيلنا إلى قول ماركس: إن الانطلاق لا يتم مما يقوله البشر عن أنفسهم وما يتوهمونه ويتصورونه، ولا مما هم عليه في أقوال الغير وفكرهم وتخيلهم وتصورهم، بل يتم الانطلاق من البشر في فعاليتهم الواقعية، وإن تصور تطور الانعكاسات والأصداء الأيديولوجية لهذا التطور الحياتي يتم انطلاقاً من تطورهم الحياتي الواقعي أيضاً (ماركس: الأيديولوجية الألمانية). وعلينا مباشرة التفريق بين أفعال الفرد «السيكولوجي»، من جهة، وبين فعالية الأفراد في حياتهم الواقعية الاجتماعية-التاريخية من الجهة الأخرى.
أمّا قول بدوي بخصوص المذهب الوجودي: «وذلك ضد مذهب القائلين «بالماهيّة»»، أي الذين يفترضون ماهية سابقة على وجود الإنسان الفرد، وعنها تنشأ أفعاله، ووفقاً لها يُحكم عليه، وبها يُحدَّد، فإن هذا القول يحمل أكثر من معنى، ويمكن أن يكون ملتبساً على سبيل نفي أي تحديد اجتماعي-تاريخي سياسي وإنتاجي للأفراد. هكذا يتم تخفيض الفكر الوجودي الاجتماعي-التاريخي إلى ضرب من علم نفس سلوك الفرد وأفعاله وردود فعله، قلقه وشعوره بالخطيئة والذنب. تعمل الوجودية في شكلها الأيديولوجي المبتذل على هذا الالتباس في مفهوم الوجود بحيث يضيع عندها هذا التمييز بين الواجب الوجود والممكن والممتنع الوجود عبر اختزال مستويات الوجود إلى الوجود الفعلي المباشر. ويضيع التفريق بين الفرد المشروط اجتماعياً-تاريخياً، وبين الفرد ككيان سيكولوجي مجرّد أو «منعزل». نعم الأفراد مشروطون بظروف وشروط اجتماعية-تاريخية، هي شروط إنتاجهم المادية، لكن وعيهم بهذه الشروط ليس معطى لكل منهم منذ البدء وبنفس القدر. ووعي هذه الشروط «بكليتها» يحتاج إلى تحصيل علمي بعديّ عال، بالتالي لا نستطيع أن نقول إنّ وعي المجتمع الرأسمالي سابق على وجوده، بل هو لاحق. إنّ «المجتمع الحديث» الذي ظهر في القرن السادس عشر لم يتم وعيه وصياغته كأزمنة حديثة إلا في القرن الثامن عشر. يقول هابرماس: «إن العتبة التاريخية التي تقع حوالي العام 1500 ميلادي لم يتم إدراكها كتجديد إلا في القرن الثامن عشر. يبدأ هيغل في استخدام مفهوم الحداثة في سياق تاريخي ليشير إلى عصر «الأزمنة الجديدة» أو «الأزمنة الحديثة»، ويقابلها بالإنكليزية والفرنسية في العام 1800 ميلادي ألفاظ: Modern Times أو Temps Moderne (Nova Aetas) وتشير إلى القرون الثلاثة السابقة [للقرن التاسع عشر]» (القول الفلسفي للحداثة).
إذا كانت الأفكار هي التي تحكم حياتنا، هذا يعني أن وجود فرد مسلم في مجتمع إسلامي يفوض علينا فكرة غريبة ألا وهي؛ أن كل أفعاله نابعة من اعتقاده وشكل فهمه الإسلامي. وهذا يعني أن أفكار الناس عن واقعهم هي حقيقة واقعهم. يقول ماركس ساخراً: «ذات مرة تخيّل امرؤ شجاع أن البشر إنما يغرقون لأن فكرة الجاذبية تتملكهم. فإذا هم انتزعوا هذه الفكرة من رؤوسهم، مثلاً بالإعلان أنها خرافة، فسوف يصبحون من الآن فصاعداً آمنين من خطر الغرق» (الأيديولوجية الألمانية). ويضيف: «ما دامت علاقات البشر وجميع أفعالهم، وأغلالهم وقيودهم، هي منتجات لوعيهم وفقاً لأوهام الهيغليين الشباب، فإن هؤلاء قد فرضوا على البشر المسلمة الأخلاقية الداعية إلى مقايضة وعيهم الحالي بوعي نقدي أو أناني، والتخلص بذلك من قيودهم. هذا المطلب بتغيير الوعي يقتصر على ما هو موجود بطريقة مختلفة». ويضيف القول: «المقدمات المنطقية للمفهوم المادي للتاريخ التي ننطلق منها، هم الأفراد الفعليون (التجريبيون)، نشاطهم وشروط وجودهم المادية، سواء الشروط التي يجدونها قائمة، أم تلك الشروط التي يخلقونها بفعل نشاطهم بالذات. وهكذا يمكن التحقق من هذه الأسس بطريقة تجريبية صرفة». من دون أي مسبقات اعتقادية، لهذا كان نقد الدين والأيديولوجيا مقدمة لكل نقد آخر. وكان كتاب الأيديولوجية الألمانية؛ أو نقد الأيديولوجية الألمانية بأشخاص أنبيائها: فيورباخ، بوير، شترنر (1845) أول الكتب التأسيسية لمذهب ماركس-إنغلز المادي-التاريخي.
وكما يُعبّر الأفراد عن حياتهم، كذلك يكونون بالضبط. بحيث تتطابق ماهيتهم مع إنتاجهم، سواء مع ما ينتجون أم مع الطريقة التي ينتجون بها. فماهية الأفراد إذاً تتوقف على شروط إنتاجهم المادية. يجب في كل حالة على انفراد أن تُبين المشاهد التجريبية في الحقائق ومن دون أي غموض أو تكهن الرابطةَ بين البنية السياسية والاجتماعية والإنتاج.
يقول ماركس ساخراً: «ذات مرة تخيّل امرؤ شجاع أن البشر إنما يغرقون لأن فكرة الجاذبية تتملكهم. فإذا هم انتزعوا هذه الفكرة من رؤوسهم، مثلاً بالإعلان أنها خرافة، فسوف يصبحون من الآن فصاعداً آمنين من خطر الغرق»


يقول ماركس في معالجته لماهية المفهوم المادي للتاريخ – الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي، إن البنية الاجتماعية (المجتمع المدني) والدولة تنبثقان باستمرار من التطور الحيوي لأفراد محددين، لكن هؤلاء الأفراد لا كما يمكن أن يظهروا في تصورهم الخاص أو تصور الغير، بل كما هم في الواقع، يعني كما يعملون وينتجون مادياً، بالتالي كما يفعلون على أسس وفي ظروف وشروط وحدود مادية محددة ومستقلة عن إرادتهم.
تعتمد وجودية سارتر على هذه المقدمات في أن الوجود الاجتماعي للأفراد يسبق وعيهم بهذا الوجود، وهذا الوعي ليس معطى لهم قبلياً، ولا يكون من الضربة الأولى، كذلك الأفراد في المجتمع السوفياتي، لم يعط لهم الوعي الاجتماعي بماهيتهم مسبقاً لكون ماركس كان قد درس المجتمع الرأسمالي، إن الوعي بماهية وجودهم كأفراد في مجتمع سوفياتي بيروقراطي يحتاج إلى إنتاج هذا الوعي من جديد بطريقة علمية. وهذا القول يظهر احتجاج الوجودية عند سارتر على الدوغما السوفياتية البيروقراطية.
بهذا المعنى تكون الوجودية هي المذهب الذي يعتبر الوجود سابقاً للماهية، أي أن الوجود المباشر للفرد سابق لوعيه بهذا الوجود. ليست هذه الفكرة الوجودية الرئيسية سوى واحدة من أفكار ماركس في كتابه: «الأيديولوجية الألمانية»، خلال نقده لماكس شترنر وأشباحه. يكتب ماركس: في الأشباح يعالج القديس ماكس «الأرواح التي هي ذرية «الروح» و «الطبيعة الشبحية لجميع الكائنات»». نظرته إلى التاريخ تنص على أن «الناس هم بصورة قبلية priori ممثلو مفاهيم عامة؛ يعني أن الناس أرواح موضوعية» ظاهرة على شكل شبح جسمي (ظهورات)، تملك بالنسبة للناس طابع الموضوعات (بتعبير آخر؛ الأفراد ماهيات تتجلى وتظهر على شكل كيانات فردية). وهي تسمى عند هذا المستوى بالأطياف أو الأشباح.
الوجودية التي ترى أنّ الوجود سابق لوعي هذا الوجود، تعطي تدرجاً متنوعاً في وعي الأفراد التجريبيين الفعليين إلى أقصى الحدود، حتى لو كانوا ينتمون إلى نفس الطبقة ونفس الفئة ونفس القطاع ونفس الأسرة. طالما أن وجود الفرد يسبق وعيه الكامل بشروط وجوده وماهية (جوهر) هذا الوجود الاجتماعي-التاريخي. إذاً الماهية أو وعي الفرد بماهيّة وجوده الذي هو عين ماهيته، غير معطى له في الوعي بصورة قبلية مسبقة.
تشكل مقولة «الوجود أسبق من الماهية» بالنسبة لهايدغر، القضية الأساسية العظمى في كل الوجودية. والوجود في أصله وجوهره هو وجود أنا، سواء في التفكير أو الشعور أو العاطفة أو الانفعال أو القلق أو الشعور بالذنب. كلها أحوال للإنيّة. فأصل الوجود وجود إنيّة الذات المفردة (مونادة، حسب ليبنتز). ولهذا قال سقراط: اعرف نفسك! وأول وجود هو الإنيّة أو الوجود المتحقق العيني. نفس الإنسان الفرد وإنيته.
في مقدمات المفهوم المادي للتاريخ يقول ماركس: «ليست المقدمات التي ننطلق منها اعتباطية أو معتقدات، بل هي أسس واقعية لا يمكن التجرد منها إلا في الخيال. أولئك هم الأفراد الفعليون». الشرط الأول لكل تاريخ بشري هو وجود كائنات بشرية حية، شرط الوجود الأول هو وجود أفراد من البشر أحياء.
أول ما تتصف به الإنية هو وجودها في عالم ليس هي. وهي في حالة تعيُّن مع الغير سواء أفراد آخرين أو أشياء (وسائل وعقبات).
يقول سارتر: «لقد لاحظت هذه الملاحظة دوماً: إن أي حجة من الحجج «المناوئة للماركسية» ليست إلا تجديداً ظاهرياً لشباب فكرة سابقة للماركسية. وأي «تجاوز» مزعوم للماركسية لن يكون في أحسن الأحوال، سوى اكتشاف لفِكْر قد تضمنته سابقاً الفلسفة التي ظن أنها تُجوّزت» (الماركسية والوجودية).
في تمهيده للكتاب يقول مترجم «الماركسية والوجودية»: «في عام 1957 طلبت مجلة بولونية من جان بول سارتر أن يكتب لها دراسة عن موقف الوجودية من «الفلسفة الماركسية»، فكتب سارتر هذه الدراسة مبيناً فيها مكان الوجودية من «الفلسفة الماركسية»، داحضاً بذلك ما تتهم به من أنها تحاول أن تحلّ محل الماركسية. ثم بين الأسباب التي تجعله لا يكتفي بأن يكون مجرد ماركسي (ستاليني) فقط، شارحاً مآخذه على الماركسيين المعاصرين، وبخاصة موقفهم من علم النفس ومن السيسيولوجيا. كما ضمّن دراسته هذه رداً على الانتقاد الذي وجهه إلى الوجودية جورج لوكاش في كتابه «ماركسية أم وجودية؟». حيث علّق لوكاش على رده بالقول: «إن ما رسم هنا لا يشكل إحصاءً للمشاكل البارزة. إننا لا نعتبر مطلقاً هذا المؤلف جواباً يستوعب المسائل المطروحة كافة».
يقول سيرن كيركغارد: «الأفراد وحدهم هم المهمون، والوجود ذو طابع فردي. والفرد الوجودي واحد في عملية الصيرورة. إنه يتحرك إلى مستقبل غير معلوم. ولما كان الموت بالمرصاد فإن لكل اختيار قيمة لا متناهية، وكل لحظة فرصة فريدة للعمل الحاسم، وكل فرد ينجز وجوده من خلال القرار» (حاشية نهائية غير علمية). ويضيف: المفكر الذاتي مفكر ملتزم بنشأته، يلتزم بفهم الحقيقة، الحقيقة التي هي نفسه من حيث كيفية وجوده. وهو يسعى لفهم نفسه، لا على أنه تجريد (فكري)، بل على أنه ذات موجودة ملتزمة التزاماً أخلاقياً. إن سقراط حسب تصريح كيركغارد في كتابه «حاشية نهائية غير علمية» هو ذلك اليوناني الشهير الذي لم يغفل لحظة عن هذه الحقيقة ألا وهي أن «الفكر يظل فرداً موجوداً».
* كاتب سوري

مراجع
1-ماركس-أنغلز: الأيديولوجية الألمانية (نقد الأيديولوجية الألمانية في أشخاص «أنبيائها» فيورباخ، بوير، شترنر)
2-سيد حسين نصر: ثلاثة حكماء مسلمين [ابن سينا، السُهرَورْدي المقتول، ابن عربي]
3-يورغن هابرماس: القول الفلسفي للحداثة
4-جان بول سارتر: الماركسية والوجودية
5-عبد الرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية
6-مارتن هايدغر: الكينونة والزمان Being and Time» (Sein und Zeit) كتاب لهايدغر في الوجود البشري، وهو كتابه الرئيس، كتبه عام 1927. ويترجم أحياناً بـ (الوجود والزمان)
7-جورج لوكاش: ماركسية أم وجودية؟
8-سيرن كيركغارد: حاشية نهائية غير علمية على كتابه السابق «الشَّذْرات»