يُطلعنا التاريخ بأن صعود سلاح أو تكنولوجيا معينة يمكن أن يُبدل جذرياً في شكل الحرب وبكل تفاصيلها. لقد حدث ذلك بالفعل مع اختراع المدفع الرشاش، فهل سيحصل ذلك مجدداً مع نضوج سلاح الصواريخ؟ وكيف سيبدو اليوم الأول للحرب المقبلة؟

عام 1884، بعد عام على تسجيله براءة الاختراع، يعرض هيرام مكسيم نموذجه الأول للمدفع الرشاش أمام مجموعة من الضيوف في بريطانيا. تصميم مكسيم، الذي ما زال يُستخدم حتى اليوم، يعطي الجندي قدرة نارية من 500 طلقة في الدقيقة بدل أقل من عشر طلقات كانت تعطيه اياها البندقية.
عام 1899، تدور حرب صغيرة في جنوب القارة الافريقية بين قوتين أوروبيتين (حرب البوير). هي لا تلفت انتباه الاستراتجيين، رغم أنها أول حرب يُستخدم فيها المدفع الرشاش على نحو مؤثر. ولكن نبوءة كبرى تصدر من مكان غير متوقع: جان دي بلوخ، مصرفي بولندي يعيش في باريس يُصدر كتاباً بعنوان «هل أصبحت الحرب مستحيلة؟». راقب بلوخ حرب «البوير» وبالتحديد ثنائية المدفع الرشاش والتحصينات ليستنتج أن قوة الدفاع في الحروب الحديثة ستجعل من المستحيل الفوز بالحروب من دون تكبُّد كمٍّ هائل من الضحايا. كانت نظرية بلوخ أنّ الشكل المعتاد للحرب آنذاك، المبني على فكرة النزال (حيث الحرب تحسم في واقعة واحدة) قد انتهى وأن الحروب المقبلة لن تنتهي إلا عندما يُستنزَف أحد الجانبين تماماً: «ستصبح الحرب، بدلاً من كونها نزالاً عن قرب يُخضع فيه المتقاتلون تفوقهم المادي والمعنوي للاختبار، حالة من الجمود لا يستطيع أي من الجيشين فيها الوصول إلى الآخر، فيهدد كل منهما الآخر لكنهما لا يقدران على شن هجوم نهائي حاسم».

الصاروخ كالذئب المتوحد، لا يحتاج إلى أكثر من العربة التي تجره

عام 1914، تندلع الحرب الكونية الأولى وتتحول لعدّة سنوات إلى حرب خنادق جامدة ولن تنتهي إلا باستسلام ألمانيا بعد أن تم استنزاف مواردها الى حدّ الجوع. نبوءة بلوخ ستثبت صحتها بشكل كبير وستصل أوروبا الى النتيجة عينها ولكن بعد خسارتها لجيلٍ كامل من أبنائها.
عام 1916، بعد 3 ايام من القصف التمهيدي، يُرسل الجنرال هيغ آلاف الجنود في هجوم على الخطوط الألمانية مُستعملاً تكتيكاً يرجع إلى ما قبل حقبة المدفع الرشاش. يصل الجنود الإنكليز ليكتشفوا أن هذا القصف لم يؤثر على الخطوط الألمانية، ثمّ يخرج الجنود الألمان من تحصيناتهم وتبدأ المدافع الرشاشة بالحصاد. ينتهي اليوم الأول من الهجوم في واقعة «السوم» بحوالى 20 ألف قتيل إنكليزي دون تحقيق أي خرق في خطوط الجبهة. سيكون هذا اليوم أسوأ يوم في التاريخ الحربي الإنكليزي.
عام 1918، الحزن يجتاح ألمانيا على خبر مقتل «مانفرد فون ريختوفن»، آخر الفرسان الذين سيعرفهم العالم. فبعد ربحه لأكثر من مئة منازلة جوية، تنتهي أسطورة البارون الأحمر عند سقوط طائرته فوق فرنسا. لُقّب ريختوفن بالبارون الأحمر لأنه اختار أن يميز طائرته باللون الأحمر ليُعرّف عن نفسه كما تقتضي أعراف الفروسية. عصر الفرسان انتهى على الأرض، بعد أن تنبأ باروخ بذلك، ولكنه استمر في الجو والبحر حيث لا تحصينات تمنع المبارزة المباشرة.
عام 1939، هتلر يتبنى نظرية الحرب الخاطفة Blitzkreig، التي تَعِد بنوع جديد من الحرب يعتمد على الحركة والسرعة. تنجح هذه النظرية بشكل كبير في أول سنتين من الحرب العالمية الثانية، لا سيما خلال اجتياح بولندا وفرنسا. ولكن عند أسوار ستالينغراد وبين ركامها، تنتهي مفاعيل «البليتزكريغ» لتعود الحرب مريرة وبطيئة.
عام 1943، مركز الأبحاث الحربي الألماني في «باناموندي» يستمر في إدهاش العالم. صاروخ الـV2 أول مقذوف من صنع الانسان يدخل الفضاء ويسقط على لندن... لقد بدأ زمن الصواريخ. يحمل الـV2 نظام ملاحة بالقصور الذاتي، مبني على ذكاء ميكانيكي يقيس المسافة التي يقطعها الصاروخ. وعندما يحسب جهاز الملاحة أنه قطع المسافة إلى الهدف، يُطلق الفرامل ليسقط الصاروخ بشكل عمودي على لندن. الـV2 يصيب أهدافه في كل مرة ولكن لا قيمة عسكرية له لأنه غير قادر على إصابة هدف أصغر من مدينة، له قيمة نفسية وردعية فقط.
عام 1947، فجّر الاتحاد السوفياتي قنبلته النووية الأولى. الحرب الباردة أصبحت رسمية الآن. أصبح الردع النووي الأولوية الأولى للمتصارعين. وستكون الصواريخ البالستية جوهرة تاج الترسانات لأنها الأداة التي توصل القنابل النووية إلى أهدافها. ولكن معضلة نظام التوجيه، لم تكن أمراً سهلاً، فتصارع معها العلماء على طرفي الحرب الباردة. جرب الروس أموراً غريبة مثل الاعتماد على مواقع النجوم في التوجيه (يمكن رؤية النجوم حتى في النهار بواسطة أدوات بصرية معقدة)، إلا أنّ أحداً لم يأتِ بأي تحسن كبير على الـ V2. عام 1963، الجيش المصري يقوم بتجارب صاروخية علنية ويُصاب الكيان الاسرائيلي بالذعر. رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون يستدعي رئيس الاستخبارات العسكرية الجنرال عاميت ليقدم تقديراً للموقف. بعد أسابيع عدة من الأبحاث، يستخلص عاميت أن الصواريخ عديمة الفائدة كأسلحة حرب لأنها تفتقر إلى أهم عنصر على الإطلاق، وهو نظام تحكم وتوجيه يُعتمَد عليه.
اعام 1981، صاروخ الكروز الأميركي «التوماهوك» يصبح أول صاروخ بعيد المدى قادر على إصابة أهداف عسكرية دقيقة. نظام توجيه «التوماهوك» يعتمد على جهاز كمبيوتر يقوم بمقارنة التضاريس الأرضية خلال رحلة الصاروخ مع التضاريس المخزنة في ذاكرة الكمبيوتر. ومع أنّ هذه الطريقة معروفة منذ الستينيات، إلا أنّ تطبيقها أصبح ممكناً فقط مع تطور سرعة وذاكرة الكمبيوتر لتطبيق الخوارزمية المعقدة نسبياً. وفي العام نفسه، عُرض في الأسواق أول جهاز كمبيوتر شخصي من شركة «أبل».
عام 1982، بالقرب من القطب الجنوبي تدور حرب بين بريطانيا والأرجنتين في جزر الفوكلاند. المبارزة الجوية تُحسم بسرعة لصالح الإنكليز بسبب صاروخ «سايندويندر». في البحر، تُغرق غواصة بريطانية البارجة «بلغرانو» ويقضي 322 بحاراً، يشكلون أكثر من نصف الخسائر الأرجنتينية خلال الحرب. ينسحب فوراً الأسطول الأرجنتيني بشكل نهائي من الحرب. وفي المقلب الآخر، تُغرق طائرة أرجنتينية المدمرة «شيفيلد» بصاروخ «اكزوسيت». لم تكن الأرجنتين تمتلك عند بداية الحرب إلا خمسة صواريخ «إكزوسيت». ويدور الحديث في الأوساط العسكرية أنه لو كانت الأرجنتين تمتلك عدداً أكبر من هذه الصواريخ لتغيرت نتيجة الحرب.
عام 2006، صواريخ المقاومة تُخرج سلاح المروحيات وسلاح البحرية الاسرائيلي بشكل شبه كامل من الحرب بعد إصابات صاروخية في البرّ والبحر. وفي وادي السلوقي، تتعرض الدبابات الاسرائيلية لمجزرة على يد صواريخ الكورنيت.
عام 2015، اغتيال سمير القنطار بوجود مظلة دفاع جوي متطورة فوق سوريا يطرح أسئلة جوهرية حول بقاء مفهوم المجال الجوي، لأنه من الممكن أن يكون الاغتيال قد تم عبر صاروخ أرض ــ أرض يصيب هدفه من مسافة 100 كلم، كما تزعم إحدى النظريات. السؤال الذي يُطرح: أي دور يبقى للطائرة الحربية؟ تاريخياً، كان دور الطائرة الحربية هو الاقتراب من الهدف لتحسين احتمال الاصابة. ولكن الآن مع استعمال أنظمة التوجيه المتطورة، فإن المسافة لم يعد لها أي قيمة. هل ما زال هناك دور للطائرة الحربية يساوي تكلفتها؟
عام 2015 أيضاً، صاروخ أرض ــ أرض من نوع توشكا يصيب معسكر صافر في اليمن فيقضي على أعداد كبيرة من الضباط والجنود. ربما تكون المرة الأولى المعروفة التي يلعب فيها الصاروخ دور الغارة الجوية الفعالة.

■ ■ ■


مع وصول الكمبيوتر الى رأس الصاروخ وامتلاكه الدقة الكافية لإصابة أهداف بحجم مبنى، أصبح كل شيء مكشوفاً أمام المتصارعين. المسافة التي كانت تُباعد بين المتحاربين لتُخرجهم من مجال دقة السلاح أصبحت بلا قيمة، لأن أشكال التوجيه الجديدة لا تفقد من دقتها مع المسافة. كل الأهداف على الجهتين صارت عرضة للضربة الأولى. وهذا يعني أننا عُدنا إلى حرب المبارزة، أي إلى ما قبل مدفع مكسيم.
يمكن تصور الحرب المُقبلة كحروب نابليون أو كمشهد من مشاهد أفلام «الوسترن» حيث صفين من الرجال يفتحان النار على بعضهما البعض والنتيجة تحسمها الغزارة، السرعة والدقة في الاصابة. لحظات أو ساعات وتنتهي المبارزة. ولكن الفارق، أنه في الحرب المقبلة لا يكون الرجال على خط الجبهة هم الهدف الذي سيحسم الحرب، بل إنّ الأهداف الأولى ستكون تلك المنشآت ذات القيمة المعنوية والاقتصادية. الحرب الحديثة المعتمدة على التكنولوجيا تقتضي أن تُصنع أسلحة أقوى وأكثر تعقيداً لكي تنتصر. بيد أنّه كلما صنعت سلاحاً أقوى، أصبح هذا السلاح أكثر كلفة وبالتالي هدفاً أثمن للعدو ليصنع هزيمتك. هذه المعضلة تُبرزها قصة «البيسمارك» في الحرب العالمية الثانية حين اختار هتلر أن يصنع اثنان من أضخم وأقوى البوارج التي عرفها العالم: «البيسمارك» و«التيربيتز Tirpitz».
كانت «البيسمارك» تحفة هندسيّة وعندما برزت لوحدها في مواجهة أسطول بريطانيا العظمى، سيدة بحار العالم، أثخنت فيه. ولكن هذا العملاق الحديدي نفسه عاد بعد أيام وبضربة حظّ من طائرة بسيطة ليغوص في البحر ومعه آلاف البحارة. كان غرق «البيسمارك» ضربة معنوية كبيرة لألمانيا لدرجة أن شقيقتها «التيربيتز» لم تخرج بعد ذلك إلى البحر وأُغرقت في مرفئها قبيل انتهاء الحرب. وبدل أن تكون قيمة، تحولّت «التيربيتز» إلى عبء استنزفت الكثير من الطاقات في الدفاع عنها. ويُجمع المؤرخون أنه لو أن هتلر استثمر تلك الأموال والجهود على غواصاته الصغيرة والخفية بدل تلك البوارج الضخمة لكان ربح الحرب، لأن غواصاته كانت على وشك أن تعزل بريطانيا عن تموينها.
في الحرب المقبلة مع اسرائيل، لو صحّ وجود آلاف الصواريخ الدقيقة مع المقاومة، فستكون نزالاً يُحسم في وقت قصير وربما في يوم واحد فقط. الصاروخ مع كمبيوتر في رأسه، سيكون سلاحاً رخيصاً وذو قدرة عالية على المناورة والدقة. مع الكمبيوتر، سيصبح الذكاء الذي يوضع في نظام التوجيه غير محدود، والأهم أن هذا الذكاء يمكن تطويره وتعديله فقط بتغيير البرمجيات دون فك أي برغي.
في المقابل، يملك الاسرائيلي أسلحة قوية ومنشآت ضخمة ولكن هذه الأسلحة والمنشآت نفسها قد تكون سبب هزيمته كونها أهدافاً دسمة. في المقابل، الصاروخ كالذئب المتوحد، لا يحتاج إلى أكثر من العربة التي تجره. إذا كان الصاروخ يستطيع أن يصيب هدفه سواء أُطلق من الجو أو البرّ أو البحر، فكلّ شيء يزيد عن المنصة سيكون عبئاً أكثر من كونه قيمة.
راكمت اسرائيل الكثير من «البيسمارك» على مدى سنين، ولكن عندما ستبدأ المنازلة المقبلة فلن تجد أمامها إلا تلك العربات الصغيرة والخفية والتي لن تكون أقل فتكاً. وعندما سيصطف المتحاربون على الجانبيين، سيكون هناك الكثير من الأهداف والبنادق على جهة، إلا أنّه على الجهة المقابلة ستكون هناك بنادق بلا أهداف والنتيجة لن تكون صعبة التصور.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية