الواقع المرير الذي يعيشه الفلسطيني في غزة هو أنه وحيد ومطارد ومحاصر وغير مرغوب به حتى من بعض أشقائه. خمسة عشر يوماً من المجزرة الهمجية حصدت أكثر من 600 فلسطيني، أكثر من 90% منهم من المدنيين، ومن ضمنهم 159 طفلاً، عشرات النسوة والمسنين، والباقي إما شاب جالس أمام منزله أو داخله يتناول طعام الافطار أو السحور، أو طبيب على رأس عمله، أو طالبة جامعية تحضر الطعام لعائلتها، أو ممرض يقوم بأداء واجبه... عائلات بكاملها تباد في وضح النهار، والحديث يدور عن إبادة كاملة لـ20 عائلة بالكامل، مع تدمير ممنهج لمئات البيوت.

وما زالت دولة فلسطين تدرس خيار تقديم طلب عضوية لمحكمة الجنايات الدولية!

لمدة 15 يوماً، يُترك الفلسطيني وحيداً في مواجهة رابع أقوى جيوش العالم، جيش يمتلك ما يعادل 450 رأساً نووياً وآلاف الجنود المسلحين بدبابات الميركافا، طائرات ألF16 ، والأباتشي والقاذفات البحرية.
خلال هذه الأيام تضاعفت المأساة الإنسانية، والمستشفيات تناضل لكي تعالج المصابين، أصدرت بعض النظم العربية تصريحات خجولة، تستنكر وتندد. لقد خذل الموقف العربي الرسمي الفلسطينيين منذ عام 1948، وما زال هذا الموقف عبارة عن خليط سمج من الجبن والنفاق. ولا بد الآن من استجواب هذا الموقف العربي وفشله في فك الحصار الإسرائيلي المستمر على غزة منذ ما يزيد على 7 أعوام، وضآلة التحرك الرسمي بشكل عام لمساندة الفلسطينيين المعرضين لهذا الهجوم العسكري الإسرائيلي الوحشي.


الهجمة الإعلامية
المصرية الأخيرة دليل
على التدهور الهائل في الموقف العربي
الأنكى من ذلك أن البعض قد بدأ بإلقاء اللوم على الفلسطينيين على الموقف الذي وجدوا أنفسهم فيه بدلاً من مطالبة إسرائيل بوقف اعتدائها الظالم. وما الهجمة الإعلامية المصرية الأخيرة إلا دليل على هذا التدهور الهائل في الموقف العربي.
نحن في غزة الآن نتساءل عن كيفية تحويل عبارات الدعم الخجولة المنطلقة في بعض شوارع وعواصم الدول العربية إلى فعل حقيقي في ظل غياب الديمقراطية، ونتساءل إن كان بمقدور العرب الرازحين تحت حكم الأنظمة المستبدة أن يغيروها بالطرق اللاعنفية وننهك أنفسنا في محاولة لإدراك الوسائل المتاحة حاليا للتغيير السياسي الديمقراطي، ومع استمرار المجزرة في غزة وإقامة نظام عنصري في فلسطين، ولقد رأينا بعض الشعوب العربية تنتفض لتقف إلى جانبنا ولكننا لم نر أي ترجمة عملية لهذا التضامن.
لقد صرّح رئيس الأساقفة الجنوب إفريقي ديزموند توتو: «إذا كنتم محايدين في مواقف الظلم فقد اخترتم الوقوف إلى جانب المعتدي». لقد ظل المجتمع الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والقيادات العربية صامتين إزاء الفظائع التي ترتكبها إسرائيل العنصرية، ولذلك فهم يقفون في صف إسرائيل حيث فشلت عشرات من جثث الأطفال والنساء في إقناعهم بضرورة التحرك. هذا هو ما يدركه كل فلسطيني اليوم سواء كان في شوارع غزة أو في الضفة الغربية أو في مخيمات اللاجئين في الشتات.
لقد أدرك الفلسطينيون أنهم متروكون أمام خيار واحد، خيار لا ينتظر مجلس الأمن الدولي ولا القمم العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي لأن تعقد، خيار قوة الشعب حيث تبقى هي القوة الوحيدة القادرة على مواجهة القوة الهائلة غير المتوازنة في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
الخياران المطروحان لفلسطينيي غزة هما: إما الموت غير المشرف وتقبيل أيدي القتلة وشكرهم، بل الطلب منهم تعزيز الحصار، أي القتل البطيء، بدلاًَ من القتل السريع، أو ضمان الكرامة لنا الآن وللأجيال المقبلة! ومن الواضح الآن أنّ الخيار كان الكرامة بعيداً من سنوات متراكمة من الوعي الزائف الذي صور العبودية للمحتل العنصري واقعاً لا يمكن تغييره.
ومن الملاحظ في هذا السياق أن ما طرح من مبادرات لوقف اطلاق النار، مع أنه اعتداء همجي واضح من طرف عنصري مضطهِد ضد مضطهَد قرّر أن يقاوم، لا يأخذ بعين الاعتبار هدفي الحرب على غزة من المعتدي الصهيوني على الفلسطيني المعتدى عليه:
1ــ التخلص من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من خلال استهداف البيوت وقتل الأطفال والنساء (وهي جريمة حرب لا يمكن أن تمر مرور الكرام).
2ــ المحافظة على الهدوء في معسكر الاعتقال، المسمى غزة، لأطول فترة ممكنة من خلال القضاء على أي إمكان لمقاومة أو حتى إزعاج السيد الاسرائيلي الأبيض!
ولكن المبادرات المطروحة قامت بمساواة المقاومة الشرعية، كرد فعل على احتلال غير شرعي، مع نظام اضطهاد مركب. وأصبح المطلوب أن يتصرف الفلسطيني «الجيد» كالعبد الذي يعترف بجميل السيد الأبيض ويرضى بفتات الطعام عن مائدته، ولا يرى قائمة الطعام كاملة. بل أصبح مطلوباً منه أن يبرر موته البطيء وألا يبدي أي شكل من أشكال التمرد، وإن مات فهو المسؤول عن موته!
ولكن فلسطين، وغزة جزء منها، ليست كذلك.
وعليه فإن أي اتفاق لا يؤدي الى رفع الحصار فوراً وفتح معبر رفح 24/ 7، وجميع المعابر الأخرى بطريقة تسمح بإدخال الوقود والدواء وجميع الاحتياجات، وأن يشرع بتنفيذه بشكل متزامن مع اعلان وقف الاعتداء، وكمقدمة مباشرة، أي من دون تأجيل، للتخلص من الاحتلال والأبارتهيد، هو مرفوض جماهيرياً في غزة! إن كل ذلك لا يمكن فصله عن السبب الرئيس في ما تمر به غزة الآن: الاستعمار الاستيطاني متعدد الأشكال الاضطهادية من احتلال وأبارتهيد وتطهير عرقي. إن أكثر ما يقلق السيد الأشكنازي الأبيض وحليفه الأميركي، ومن يتبعهما من بني جلدتنا هو رفع سقف مطالبنا من خلال ربط المطالبة برفع الحصار بالسياقات التي أدت إليه، أي عدم فصل ذلك عن طلبنا تطبيق حق العودة، كون ثلثي سكان غزة من اللاجئين اللذين تكفل لهم الشرعية الدولية هذا الحق.
وما الشجاعية إلا اللحظة التاريخية الفلسطينية الفارقة. وغزة (فلسطين) تريد قيادة على مستوى هذه اللحظة، قيادة تقوم باتخاذ الخطوات التالية بلا أي تأجيل:
1ــ إلغاء التنسيق الأمني بالكامل.
2ــ تقديم طلب عضوية فلسطين في محكمة الجنايات الدولية اليوم ورفع قضايا جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية على القيادات الاسرائيلية كلها، عسكرية وسياسية.
2ــ اعلان مراجعة كل الاتفاقيات وفي مقدمتها أوسلو وتوابعها.
3ــ توجه كل أعضاء اللجنة التنفيذية وحكومة الوفاق الوطني إلى غزة والمكوث بها لمشاركة الشعب الذي يمثلونه في صموده و مقاومته.
4ــ تأييد المقاومة الباسلة واعتبارها جزءاً أساسياً يمثل الشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاثة.
5ــ اتخاذ موقف واضح من أية مبادرة لا تأخذ بعين الاعتبار الفك الفوري للحصار وفتح جميع المعابر وحرية الحركة بالكامل.
إن أيّ حديث عن تحسين شروط الاضطهاد فقط (وحتى هذا يُستكثر علينا) في ظل التضحيات الجسيمة لهو تنكر لهذه الدماء الطاهرة. فلنبدأ الحديث عن حلول جذرية بعيداً من «البرنامج المرحلي» والدويلة - البنتوستان، وليصبح شعارنا واضح: نهاية الاحتلال والأبارتهيد والاستعمار الاستيطاني. هكذا لن تذهب دماء أهلنا من آل كوارع والساموني والدلو وغنام وحمد وبكر وشحيبر والزبيدي والشاعر وكل شهداء الشجاعية البواسل... هباءً.
وإلا سنحولها إلى سايغون فلسطين!
* محلّل سياسي، عضو اللجنة التوجيهيّة للحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل