بات واضحاً حجم الخسارة الاستراتيجية التي لحقت بحلفاء واشنطن الاقليميين بعد التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا. لم يكن الأمر مفاجئاً لمن تعمق في حجم ايغال كل من تركيا والسعودية في الأزمة السورية على مدى 5 سنوات، ليكتشف أن الدولتين تضررت مصالحهما الى حد أدّى بهما لمحاولة نسف محادثات جنيف. رغم ضغوط واشنطن على السعوديين والمعارضة المحسوبة عليهم، وتحذيرها الصريح بعواقب رفض المشاركة في محادثات الحل السوري، نرى تخبطاً واضحاً وتعنتاً مردّه الى أمرين: الأول يتعلق بالخسائر في الميدان السوري الآخذ بالتحول تدريجياً لصالح الجيش وحلفائه على الجبهات كافة، والثاني يتمثل بالغضب والغيظ التركي تحديداً من انهيار أحلام أردوغان وما بناه في 5 سنوات من عمر الأزمة، وتعاظم دور الأكراد في الشمال السوري بعد انتصارهم في معركة كوباني والدعم الأميركي ــ الروسي لهم في مواجهة «داعش». البعض ينظر إلى تطور العلاقات التركية ــ السعودية مؤخراً على أنه ليس ذا تأثير كبير في المستقبل المنظور، لكن مواقف كلا البلدين إزاء ملفات المنطقة بعد التوجّه الاميركي لترتيب الملفات مع موسكو حكم على كل من أنقرة والرياض بالتنسيق المصلحي انطلاقاً من التخوف المشترك حيال الدور المتصاعد لإيران، خاصة بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها وترسيخ المكانة الاقليمية لها بمرتبة نووية.

في الرابع عشر من تشرين الثاني الفائت استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز في مدينة أنطاليا، على هامش انعقاد قمة مجموعة العشرين. يومها أولم اردوغان على شرف ضيفه السعودي مأدبة غداء حضرها كبار مستشاري أردوغان وسلمان ورئيسا الاستخبارات في البلدين. بحسب مصدر تركي مطلع، قليلاً ما تطرق الحديث حول جدول أعمال القمة، استغرق الطرفان في الحديث حول سوريا وتم استعراض محطات التعاون التركي السعودي المشترك على مدى 5 سنوات من عمر الأزمة، ومخاطر التدخل العسكري الروسي المباشر وأثره على ما تم إنجازه في الداخل السوري. اتفق الجانبان على التحضير لزيارة أردوغان الى السعودية في 29-30 كانون الاول الماضي، ثم أتى موعد الزيارة واستقبل الرئيس التركي استقبال الأبطال. خرج وزيرا خارجية البلدين ليعلنا تأسيس «مجلس التعاون الاستراتيجي»، بعد مضي نحو أسبوعين على إعلان محمد بن سلمان «التحالف الاسلامي العسكري» الذي كانت تركيا إحدى أبرز الدول المنضوية فيه.

نحو 50 ألف عنصر دخلوا سوريا عن طريق تركيا

زيارة أردوغان كانت الثالثة الى الرياض خلال عام 2015، الأولى كانت لتقديم واجب العزاء بالملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز والثانية - وهي الأهم – بتاريخ 2 آذار الفائت، التي استمرت ثلاثة أيام، تلاها بعد أيام الاعلان عن تشكيل «جيش الفتح» المكوَّن من فصائل مسلحة مدعومة من السعودية وتركيا. حقق «جيش الفتح» انتصارات عدة وكانت أولى هجماته على إدلب وسيطر عليها في الثامن والعشرين من آذار، ثم معركة جسر الشغور التي سقطت بيده أواخر نيسان. تمددت فصائل «جيش الفتح» في معسكر القرميد في نيسان وصولاً لمعركتي معسكر المسطومة وأريحا في محافظة إدلب ومعركة سهل الغاب في محافظة حماة في أيار. استمرت هجمات «الفتح» في الاشهر اللاحقة من دون تحقيق مكاسب كالتي تحققت في الاشهر السابقة، عدا حصار بلدتي كفريا والفوعة الواقعتين الى الشمال الشرقي لمدينة إدلب، حتى شهر أيلول حيث سيطر على مطار أبو الظهور، وليختتم شهر تشرين ثاني من عام 2015 مسلسل توسعاته بانتصاره في معركتي مورك وقاعدة تل عثمان وسيطرته على بضع قرى في ريف حماة. كل هذه الانتصارات أدت الى تعزيز قناعة مشتركة لدى كل من أنقرة والرياض أن تعاونهما المشترك يمكن أن يحدث تغييرات على الأرض لتحقيق مصالحهما، لكن حسابات البلدين تلاشت مع بدء أولى الطلعات الجوية الروسية في 30 ايلول الماضي لتجهز السوخوي على حلم سلمان – أردوغان.


كيف تعاون الاتراك والسعوديون في سوريا؟

في 23/01/2016 نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريراً حول التعاون الاستخباري الأميركي ــ السعودي في عملية تدريب وتزويد فصائل المعارضة في سوريا بالسلاح. يذكر التقرير أن رئيس الاستخبارات العامة السعودية الاسبق الأمير بندر بن سلطان اشترى شحنات اسلحة للفصائل المسلحة في سوريا عام 2012 من كرواتيا بمساعدة من وكالة المخابرات المركزية الاميركية. تذكر الصحيفة أن ملف دعم الفصائل المسلحة سحبه لاحقاً وزير الداخلية السعودي محمد بن نايف من رئاسة الاستخبارات العامة السعودية، مستفيداً من علاقته الوطيدة برئيس الـ CIA جون برينان الذي يعرفه منذ سنوات، عندما كان يشغل منصب مدير محطة الوكالة في الرياض. بالفعل، ابن نايف تسلم ملف دعم الفصائل المسلحة مع نهاية عام 2012 مع تسلمه منصب وزير الداخلية خلفاً لعمه أحمد بن عبد العزيز، فأصبح مشرفاً عاماً على «الحملة الوطنية السعودية لنصرة الأشقاء في سوريا»، منتزعاً صلاحيات التمويل من رئاسة الاستخبارات ومستفيداً من علاقاته بالأجهزة الأمنية الخارجية المختلفة التي عملت ولا تزال في ملف دعم الفصائل في سوريا. في تحقيق صحافي مطول أجرته «شبكة البلقان للصحافة الاستقصائية» نشر بتاريخ 21/12/2015 حول مبيعات الأسلحة البلغارية، يشير التحقيق إلى أن السعوديين كانوا الزبائن الأبرز من حيث عدد الشحنات التي اشتروها وارسلوها الى سوريا خلال عامي 2014 و2015. يذكر تقرير الشبكة أن شحنات السلاح كانت تذهب للاستعمال في كل من اليمن وسوريا. صحافيو الشبكة التقوا بقادة في فصائل المعارضة المسلحة في سوريا في احد مقاهي ساحة تقسيم في اسطنبول. يذكر القادة أنهم يتسلمون الأسلحة المشحونة من بلغاريا الى تركيا من خلال غرفة العمليات المشتركة التركية المعروفة باسم «موم»، وينقلونها الى جبهات القتال في محافظات ادلب وحلب وحمص عبر منافذ حدودية متعددة. لا شك أن طرق إمداد السلاح عام 2014 و2015 تغيرت وتبدلت مسالكها مع بداية عام 2016 وسيطرة الجيش السوري تقريباً على ريف اللاذقية الشمالي، واقفال الطائرات الروسية بالنار عدد آخر من الممرات الحدودية.
في جلسة للبرلمان التركي في 29 آب 2013، اضطر أحمد داوود أوغلو الذي كان لا يزال وزيراً للخارجية آنذاك أن يرد على استجواب كان قد قدمه «أتيلا كارت»، أحد نواب حزب الشعب الجمهوري حول هبوط 16 طائرة عسكرية سعودية من طراز C-130 في مطار أنقرة ابتداء في 19 نيسان، 15 و17 آب 2015. في الاستجواب، يقول «كارت» إنّ بحوزته صوراً ومعلومات تفصيلية للطائرات السعودية، مطالباً داوود أوغلو بإيضاح المعلومات التي تفيد بأن مطار «ايزينبوغا» في أنقرة تحوّل الى قاعدة لوجستية للتدخل العسكري في سوريا. اكتفى الوزير التركي آنذاك بالادعاء أنّ الطائرات كانت تحمل مساعدات انسانية وأن حكومته تسمح لكل الدول التي تقدم مساعدات انسانية بالهبوط في المطارات التركية.
محمد علي أديب أوغلو، النائب السابق عن حزب الشعب الجمهوري عن منطقة «هاتاي» في البرلمان التركي، زوّد «الأخبار» بنسخات عن طلبات الاستجواب العديدة التي قدمها للبرلمان لمساءلة حكومة أردوغان عامي 2012 و2013 حول نقل عناصر أجنبية من ليبيا وغيرها من البلدان الى سوريا عبر الاراضي التركية. يقدّر أديب أوغلو أعداد العناصر التي دخلت سوريا عن طريق تركيا بنحو 50 الفاً. يقول: «في البداية كانوا يصلون مدينة اسطنبول عبر الطائرات ثم يُنقلون بالباصات الى المدن الحدودية مثل أنطاكيا وغازي عنتاب وأورفا جنوبي تركيا، وبعد سيطرة الأكراد على بعض المناطق شمالي سوريا وبعد معارك كوباني أصبحت هذه العناصر تعبر الحدود من انطاكيا وغازي عنتاب، أي عبر جرابلس إلى أعزاز ومعبر باب الهوا مكثّفين من استخدامهم هذه المعابر في السنوات الأخيرة». يضيف النائب التركي السابق: «إن استخدام الباصات لنقل العناصر أصبح يثير المشاكل مع مرور الوقت، فالناس بدأوا ينزعجون ويشتكون باستمرار من منظر تلك العناصر بلحاها واشكالها الغريبة المستفزّة تمرّ في طرقاتهم وبين أحيائهم. تواصل معي الكثير من المواطنين ووضعوني في الصورة وانا بدوري نقلت تلك المشاكل الى البرلمان». ويضيف: «بعد تلك الشكاوى، بدأوا باستخدام الطائرات مباشرة الى انطاكيا وغازي عنتاب، وفي السنة الأخيرة (2015) بدأت رحلات الطيران من السعودية الى انطاكيا بشكل ملفت وكثيف، حيث أن شركة FlyNas سيّرت 14 رحلة أسبوعية بين انطاكيا (هاتاي) وكلّ من مدن مكة والمدينة المنورة وجدة السعودية، تقوم الشركة بنقل التكفيريين الى انطاكيا الحدودية، ثم يعبرون الحدود بالباصات».
يعتقد محمد علي أديب أوغلو اعتقاداً راسخاً أن التعاون بين السعودية وتركيا حول سوريا بدأ منذ بدايات الأزمة عام 2011، ويضيف أنه «في السنوات الأخيرة تزايد هذه التعاون، مع أن الغرب تراجع وقبل بفكرة عدم إسقاط النظام السوري والرئيس بشار الأسد. الغرب مشغول بترتيب الحل السياسي لكن السعودية وتركيا وقطر مصرّون على الاستمرار في سياستهم والتفكير بإسقاط النظام عسكريً».

تنسيق من نوع آخر

مع بداية العام الحالي، قام رئيس السلطة الدينية التركية الشيخ محمد غورمز بزيارة رسمية الى السعودية التقى خلالها وزير الأوقاف ومفتي عام المملكة عبد العزير آل الشيخ. في محضر اجتماعه مع وزير الأوقاف السعودي المنشور على صفحة السلطة الدينية التركية على الانترنت، يقول غورمز مخاطباً نظرائه السعوديين إنّ «هناك حاجة كبيرة للتعاون في موضوع التعليم الذي يحفظ هوية الشعب السوري العربية والإسلامية». ويشرح غورمز أنّ عدد الطلبة السوريين في تركيا يزيد عن أربعمئة ألف طالب، منهم نحو مئة ألف طالب جامعي تعمل الحكومة التركية على افتتاح مدارس وجامعة لهم في مدينة غازي عنتاب القريبة من الحدود السورية. يعرض الشيخ التركي «التعاون مع الجانب السعودي في مجال بناء المدارس والجامعة وصياغة المناهج التعليمية»، بغرض «حفظ هوية الشعب السوري العربية والإسلامية» بحسب غورمز الذي لم ينسَ الاشادة بريادة السعوديين في مجال افتتاح مدارس سعودية حول العالم تدرّس فيها المناهج الدينية الاسلامية. هذا الطلب التركي وإن كان لم يلفت انتباه المتابعين، يدلل على أن الأتراك يبنون حساباتهم على أساس أن اللاجئين السوريين لديهم سوف يطيلون المكوث في بلادهم وإلا لما كانوا قد سعوا لبناء المدارس والجامعات لهم في ظل الحديث عن محادثات سلام لإنهاء الأزمة. ومما لا شك فيه أن التعاون التركي السعودي في مجال تعليم هؤلاء السوريين إن تطور وتم تنفيذه وفق رؤية الحكومة التركية، ستكون له تبعات في المستقبل من خلال أدلجة العقول إخوانياً أو وهابياً وإعادة ارسالها الى سوريا على المدى الطويل لإحداث تغيير ما في المجتمع السوري.
* صحافي لبناني
** صحافي تركي