من يتابع التطورات في المنطقة، يلحظ بوضوح حجم تزايد القلق والاضطراب بين صناع القرار في الكيان الإسرائيلي من تنامي قوة المقاومة والتراجع المستمر في الموقف الأميركي إزاء الأزمة السورية، الذي أعقب رفع العقوبات عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية إثر توقيع الاتفاق النووي معها.
وفي هذا السياق سُجل مؤشران للقلق الإسرائيلي والتراجع الأميركي:
المؤشر الأول: التوصيات التي صدرت عن مؤتمر مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي الذي عقد أخيراً والنقاشات التي دارت في المؤتمر، فبدا واضحاً حجم تزايد القلق الصهيوني من التحولات الحاصلة في المنطقة لمصلحة محور المقاومة نتيجة فشل أهداف الحرب الإرهابية في سوريا، على الرغم من الدعم الكبير الذي لاقته سياسياً وعسكرياً ومادياً وإعلامياً من تحالف دولي قادته الولايات المتحدة الأميركية.
فمن تابع المواقف والنقاشات التي دارت على مدى أيام، يلحظ مستوى عال من الشعور بالاحباط والخوف من تنامي قوة حلف المقاومة. ولهذا ركز المتحدثون، تارة على التهديد الرئيسي الذي يواجه إسرائيل وهو إيران، وتارة بأنه يُجسده حزب الله، وتارة بعودة سوريا موحدة في ظل بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة، وتارة بأنه كامن بالانتفاضة الفلسطينية الثالثة، إلى جانب الإقرار بأن الاستمرار في سياسة سد آفاق الحل وفرض العقوبات والحصار، ليس من مصلحة إسرائيل.
وقد عكست التوصيات التي صدرت عن المؤتمر والتي ركزت على سبل مواجهة إيران وحزب الله ومنع عودة سوريا موحدة وبقاء الأسد في السلطة، إقراراً بفشل الأهداف الرئيسية من الحرب على سوريا والتي تمثلت في إسقاط الأسد ومحاصرة المقاومة في لبنان وفلسطين وعزل إيران. ولهذا اعتبر رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية السابق عاموس يادلين «أن بقاء الرئيس الأسد في السلطة يشكل هزيمة استراتيجية لإسرائيل».
المؤشر الثاني: الضغط الممارس من وزير الخارجية الأميركي جون كيري على السعودية ووفدها المعارض لقبول شروط روسيا وسوريا وإيران لعقد مؤتمر «جنيف 3». هذا الأمر أكدته مصادر المعارضة المشاركة في مؤتمر الرياض بالقول إن كيري طلب دعماً سعودياً لقبول جماعة الرياض بمطالبه، لأنّ «الاستعجال بدخول العملية السياسية يُشكل مصلحة للسعودية والمعارضة قبل حصول انهيار عسكري مفاجئ تتوقعه واشنطن في جبهات شمال وجنوب سوريا لحساب الجيش السوري بدعم روسي». وقال الناطق باسم الوفد المفاوض لمؤتمر الرياض منذر ماخوس، «إنّ منسق الهيئة المكلفة بالمفاوضات رياض حجاب تلقى تهديداً من كيري مفاده: إما أن تغيروا وفدكم وتختاروا شخصيات مقبولة وتتقبلوا الوفد الموسَّع الذي يشارككم فيه الآخرون وتذهبون إلى جنيف وفقاً للقرار 2254 لقبول التباحث بحكومة وحدة وطنية في ظلّ رئاسة الرئيس الأسد، ودون شروط مسبقة، أو ستكون القطيعة مع واشنطن». هذا الموقف لكيري يعكس التحول الكبير في الموقف الأميركي مقارنة بما كان عليه في بداية الأزمة السورية، الذي لخصته حينها وكيلة وزارة الدفاع الأميركية بأربعة أهداف: فكّ عرى التحالف بين سوريا وإيران، انضمام سوريا إلى محور مجلس التعاون الخليجي الذي يدور في فلك الاستراتيجية الأميركية، توقف سوريا عن دعم قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، ودخول سوريا في مفاوضات للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل.

ولادة نظام دولي متعدد الأقطاب من رحم الأزمة السورية

لكن بعد خمس سنوات من الحرب وانتقال الجيش السوري إلى الهجوم بدعم روسي وتمكنه من تحقيق إنجازات كبيرة في الميدان، قطعت الطريق نهائياً على هذه الأهداف. اضطرت واشنطن إلى التسليم بالفشل عبر الموافقة على وجهة النظر الروسية ـــ السورية ـــ الإيرانية لحل الأزمة، التي تمثلت في مقررات مؤتمر فيينا وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وموافقة كيري على عقد اجتماع «جنيف 3» وفق هذه المقررات وممارسته الضغوط على وفد مؤتمر الرياض للمعارضة، الموالية للسعودية وأميركا، لقبول حضور الاجتماع على أساسها، وإلا سوف تخسر هذه المعارضة دعم حلفائها سياسياً وعسكرياً.
يشير ذلك، ليس فقط إلى فشل أهداف الحرب على سوريا، بل فشل تعويم مشروع الهيمنة الأميركية على المنطقة والعالم. كذلك أفول هذه الهيمنة الأحادية وتراجع نفوذ وهيبة ومكانة الولايات المتحدة، نتيجة حصول تحول كبير في موازين القوى الإقليمية والدولية تحقق بفعل الحضور الروسي النوعي إلى جانب الجيش السوري وحلفائه في مجابهة قوى الإرهاب، مما أسقط عملياً كل رهانات الغرب وحلفائه في المنطقة على مواصلة تغذية حرب الاستنزاف ضد سوريا وإقامة منطقة عازلة في الشمال.
وقد جاء نشر روسيا منظومة صورايخ «أس 400» في قاعدة حميميم في اللاذقية، إثر «الحماقة» التركية بإسقاط طائرة «السوخوي» في ريف اللاذقية، ليحول سماء سوريا إلى سماء روسية وليرسم خطوطاً حمراء تضع حداً نهائياً لأي تدخل عسكري تركي في سوريا ويوفر الغطاء الكامل لمواصلة الجيش السوري وحلفائه في الهجوم الواسع على مواقع سيطرة المسلحين وتحرير المزيد من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرتهم، لا سيما تلك التي هي على مقربة من الحدود مع تركيا، أو مع وجود جيش الاحتلال الصهيوني في الجولان السوري المحتل. وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا التحول الميداني عبر تعزيز وتقوية الموقف السياسي لسوريا وانقلاب مسار المفاوضات لصالحها.
هذه النتائج الميدانية والسياسية تؤشر إلى:
1ـ الأزمة في سوريا تسير بقوة في اتجاه الحسم العسكري من جهة، والحل السياسي من جهة أخرى على قاعدة الشروط التي تمسكت بها سوريا، لجهة احترم قرار الشعب السوري وخياراته بعيداً عن أي تدخل خارجي.
2ـ تبدل موازين القوى الإقليمية والدولية لصالح حلف المقاومة، ما يشكل ضربة قاسية وهزيمة استراتيجية للكيان الصهيوني، الذي يشعر بأن البيئة الاستراتيجية في المنطقة تتغير لغير مصلحته، الأمر الذي يشكل إسناداً قوياً لمقاومة الشعب الفلسطيني.
3ـ ولادة نظام دولي متعدد الأقطاب من رحم الأزمة السورية وسقوط نظام القطب الأوحد بقيادة أميركا، مما أدخل الدول الإقليمية الداعمة للإرهاب في حالة من التخبط والارتباك.
انطلاقاً مما تقدم، يمكن القول إن زمن التحولات الكبرى في المنطقة والعالم بدأ يشق طريقه مع تقدم الجيش السوري وحلفائه بدعم من روسيا، واضعاً بذلك حداً لكل أحلام أميركا باستعادة هيمنتها على العالم ومسقطاً رهانات الكيان الصهيوني بالقضاء على قوى المقاومة وإنهاء القضية الفلسطينية والتسيد على المنطقة.
* صحافي لبناني