واجه الفلسطينيون في غزة حرباً متعددة الأبعاد والمستويات والأشكال. تتجاوز أهدافها المعلنة، التي تتمثل في كسر إرادة المقاومة وإجهاض تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، استهداف قادة المقاومة، تدمير الأنفاق، نزع سلاح قطاع غزة وتدمير مخازن ومنصات إطلاق الصواريخ، التفريق بين أنصار الحل السياسي وحركات المقاومة المسلّحة، وبشكل خاص الإسلامية.


ذلك لفرض واقع ميداني جديد. وهي إضافة إلى الأهداف السابقة، تحمل أبعاداً استراتيجية تصل إلى حدود اجتثاث هوية الشعب الفلسطيني وتاريخه المرتبط بأرضه. ذلك عبر آليات التطهير العرقي وفرض مناخات سياسية وإنسانية تدفع الفلسطينيين إلى الرحيل الجماعي. وهذه السياسات تأتي في سياق توظيف التحولات العربية الطارئة لإعلان الدولة اليهودية في وقت يراه قادة الكيان مناسباً. في هذا المستوى لا يمكننا أن نفصل بين ما تشتغل على إنجازه حكومة الاحتلال، وبين ما يقوم به داعش. فكلاهما يستغل الواقع العربي الجديد في الدفع إلى تعميق التخلّع العربي، وكلاهما يقف على قمة التطرف والتعصّب والعنف. وهذا يدفعنا إلى تأكيد أن ما يقوم به الكيان الصهيوني والحركات الجهادية وفي مقدمتها داعش، من انتهاك للقيم الإنسانية، والسيادة الوطنية، وتحطيم الحدود السياسية، يندرج في سياق مشروع امبريالي معولم عابر للجنسيات والحدود السياسية والأطر الوطنية. ويتجلى هذا المشروع في سوريا والعراق وليبيا... عبر إخضاعها إلى موجات عنف جهادي مترابط الحلقات، وتحمل إمكانية التمدد والتموضع. وعرسال تشكّل أحد حلقاته التي من خلالها سيتم إدخال لبنان إلى دوامة العنف الطائفي. وإذا لم يتم كسر ترابط حلقات هذا المشروع، وإنهاء حالة السيولة التي يفرضها تغوّل المجموعات والتنظيمات الجهادية. فإن المنطقة العربية برمتها معرّضة للسقوط في مستنقع الصراعات الدينية والمذهبية والعرقية. ولن تكون الممالك والمشيخات والإمارات الداعمة لهذا الصراع، بمنأى عن هذه التحولات.


انتصار الشعب الفلسطيني يعدّ مدخلاً للقضاء على المشروع الصهيوني

إن الدور الوظيفي الذي يقوم به الكيان الصهيوني يؤسس لمرحلة سياسية جديدة، يتقاطع فيها التطرف الجهادي مع العنصرية الصهيونية والاستبداد السياسي. وفي حال تزامنت هذه العوامل وتراكبت في إطار تعتمد فيه الإمبريالية أشكال صراع قبل وطنية فإنها ستكون مدخلاً إلى واقع شرق أوسطي وعربي جديد عنوانه الأساس تحطيم حدود سايكس بيكو، ودعم وتمويل كيانات وتجمعات وإمارات طائفية عرقية جهوية محمولة على العنف العاري والقوة القهرية العمياء. وستكون هذه التحولات الوجه الآخر لسلطات سياسية أبوية مستبدة. وهذا لا ينذر فقط بتحلل أنظمة الأزمة، بل يهدد بتحلل المجتمعات العربية وإدخالها في صراعات مفتوحة. وعندما تكون الشعوب أمام حالة كهذه، فإن خياراتها ستكون محدودة ومحددة لكنها واضحة، فهي تتمحور حول مواجهة الخطر المنبعث من التاريخ المحمّل بأكوام التخلف والحقد. فالخطر الذي يهدد مستقبل شعوب المنطقة، يتمثل بالكيان الصهيوني والحركات التكفيرية الجهادية. وهؤلاء يرتكزون في عميق تكوينهم العقلي والتاريخي والعقائدي إلى لغة الإبادة، وسلاحهم تاريخ من هيمنة العقل التكفيري المحمول على فكرة القتل المقدس والتطهير الديني والعرقي. وهذا يعني أننا أمام حاضر يتقيأ التاريخ تخلفاً وعفناً وقهراً. ويجب ألا ننسى دور الاستبداد الذي تجذّر في عميق المجتمع والعقل حتى بات أحد مكوناته. وهذا يعني أن جانباً من التحولات الراهنة، هو نتاج العقل الاستبدادي وآليات اشتغاله السياسية. وما يزيد من عمق الأزمة العربية عموماً والفلسطينية بشكل خاص، هو صمت الأمم المتحدة وتخاذل الدول الغربية التي تدّعي الحرص والدفاع عن ديمقراطيتها المتهالكة.
إن انتصار إرادة الشعب الفلسطيني يعدّ مدخلاً للقضاء على المشروع الصهيوني، الذي يشتغل على تهديم التاريخ والمنطق وتشويه الإنسان وهويته التاريخية، وإجهاض أي مشروع عربي تنموي بشرياً كان أو اقتصادياً، يمكن أن يشكّل مدخلاً إلى نشوء مشروع سياسي عربي وحدوي أو تكاملي وحتى تضامني.
فاستمرار الوجود الصهيوني واستقرار التنمية والتدفق الريعي للكيان يلزمه استمرار تدفق الدعم الأوروبي والأميركي. وهذا يقتضي تنفيذ الكيان لكامل مهماته الوظيفية. ونرى أنه من الضروري التذكير، بأن رأس المال الذي يجرى توظيفه داخل إسرائيل، إضافة إلى أنه يتداخل مع رأس المال العالمي المعولم. فإنه يتحدد من منظور سياسي وإيديولوجي يتعزز طرداً مع مستوى السلام الذي يمكن أن يفرضه الكيان داخل حدوده، ويرتبط مع إمكانية حكومة الكيان على توسيع إطار التطبيع، وتمكين العقل الانهزامي الاستسلامي الذي يقر أصحابه بتفوق الكيان عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. وهذا يدلل على ضرورة تخليص القضية الفلسطينية من سيطرة رأس المال المعولم الداعم للحروب الإسرائيلية والحركات الجهادية، ومن أنظمة «الاعتدال العربي».
إن بنية المشروع الإسرائيلي وتركيبة زعمائه السياسيين والدينيين، تقومان على إجهاض أي محاولة يمكن أن تساهم في إقامة دولة فلسطينية على حدود الـ 1967 حتى لو كانت منزوعة السيادة. وهذا يعني إن أمام الفلسطينيين معارك مفصلية وحاسمة مع الكيان، سواء لمن يحمل من الفلسطينيين حلم إقامة الدولة الواحدة التي تضم كامل المكونات القومية، أو لمن يراهن على مشروع إقامة دولتين، تكون فيه الدولة الفلسطينية مستقلة وذات سيادة. وكلا المشروعين أمام تحقيقهما صعوبات كبيرة. ما يعني أن الصراع الفلسطيني ضد الكيان هو صراع من أجل البقاء، وهذا يؤكده تاريخ الكيان الصهيوني القائم على محاربة الوجود الفلسطيني. ورغم ملاحظاتنا على الطابع السلفي لحركات المقاومة الفلسطينية الإسلامية، ومحاولات حركة حماس احتكار القرار السياسي وفرض سياساتها وآليات اشتغالها على كامل الجغرافية الفلسطينية، إضافة إلى أشكال وآليات ممارساتها التي تحد من الحريات السياسية والأساسية وحتى الشخصية، فإن هذا لا يبرر السكوت عن الهجوم الإسرائيلي البربري، لأن الهدف من الغزو الصهيوني لغزّة لا يقف عند حدود القضاء على المقاومة بأشكالها وأنماطها ومكوناتها كافة، بل يستهدف الشعب الفلسطيني الصامد. ومن الملاحظ أن تقديم الانتماء الديني على الهوية القومية والوطنية كان من أسباب فشل حركة حماس في أن تكون حاملاً للقضية الفلسطينية. لكن حين التحمت فصائل المقاومة وكل المناضلين الذين يذودون عن وطنهم أمام البربرية الصهيونية، فإن القضية الفلسطينية استعادت عمقها الشعبي على المستوى الوطني والقومي، واكتسبت تأييداً عالمياً وأصبح لواءها عنواناً لكل حركات المقاومة. ومع هذا فإن انتصارها بحاجة إلى حاضنة قومية ديمقراطية، وهذا مرهون بنتائج التحولات التي تمرّ بها المجتمعات والأنظمة العربية.
لقد توقع كثيرون أن يمكّن «الربيع العربي» الشعوب العربية من القبض على زمام مصيرها. ويساهم في تحويل الفكرة الديمقراطية، قيمياً وفلسفياً وسياسياً وتنموياً، إلى بديل سياسي للشعوب العربية. وأن يشكّل مدخلاً إلى نشوء تيارات ديمقراطية تملأ الفراغ السياسي الذي هيمن على المجتمعات العربية بفعل التسلط والاستبداد. إن تحوّل هذه الطموحات إلى واقع موضوعي كان بالتأكيد سيفتح آفاقاً جديدة لحل القضية الفلسطينية جذرياً. بتعبير آخر، كان من المتوقع أن يؤدي «الحراك العربي» إلى نشوء ربيع فكري عقلاني يؤسس إلى مفاهيم ومشاريع سياسة عربية ديمقراطية. لكن فشله وإفشاله وتغوّل الحركات الفكرية السلفية الجهادية وانتشار المجموعات والتنظيمات الجهادية المحمولة على أكتاف قوى إقليمية ودولية، أجهض آمال وطموحات المواطن العربي في التغيير الديمقراطي وتحرير فلسطين من المشروع الصهيوني.
ومع انسداد الأفق الفكري والسياسي، وجمود وانتكاس النخب السياسية انفتحت المجتمعات العربية على مرحلة أكثر تعقيداً وأشد عنفاً وتخلفاً، وستظل هكذا ما دامت السياسة تصارع الفكر، والقوة تسحق العقل. وهذا يخدم بالدرجة الأولى الكيان الصهيوني. هذا إذا لم يكن الأخير مساهماً في الكارثة التي ألمت بالمجتمعات العربية. لكنَّ تعدد الاحتمالات التي يحملها الصراع الذي يجتاح المنطقة، والتقارب الإيراني الأميركي والفتور الذي يعتري العلاقة بين السعودية وأميركا، وإمكانية عجز الإدارة الأميركية عن حماية الكيان مستقبلاً جعل خوف الحكومة الإسرائيلية يزداد. وهذا ما دفعها إلى إفشال مهمة جون كيري في فتح ملف المفاوضات بين الكيان والضفة ورفض التوافق الفلسطيني بخصوص تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وصولاً إلى الاعتداء الوحشي على غزّة، والذي راهنت حكومة الاحتلال على أن نجاحه سيجعلها تتحكم نسبياً في التحولات المستقبلية. لكنّ المقاومة الفلسطينية أثبتت جدارة وصلابة، واستطاعت بآلياتها السياسية أن تدعّم موقفها باصطفاف القوى السياسية وجماهير الفلسطينيين خلف رايتها، نتيجة صمودها المدعوم شعبياً في وجه الغزوة الصهيونية لغزّة. وهذا أكسب حماس وباقي الفصائل المقاومة ثقة الجماهير ودعم الملايين من شعوب العالم. لقد خسر الكيان الصهيوني نتيجة حربه على غزة، وإن بشكل نسبي، دعم وغطاء الحكومات الغربية وأحرج الإدارة الأميركية، وفقد المصداقية أمام الرأي العام الشعبي والرسمي. فكان النصر الفلسطيني هو العنوان الذي سيفتح آفاق سياسية جديدة لترسيخ وحدة الضفّة والقطاع وتوحيد الفصائل الفلسطينيّة وفك الحصار وإعادة الإعمار وتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية وصولاً إلى تحقيق الحلم الفلسطيني في الدولة المستقلة. إن الانتصار الذي حققه الفلسطينيون حققوه بإرادتهم. أما دحر المشروع الصهيوني من فلسطين والمنطقة، فإنه يحتاج إلى رص الصفوف والتوافق على آليات عمل استراتيجية موحّدة تستند إلى عمق قومي ديمقراطي لأن الكيان الصهيوني لن يتوقف في المستقبل عن القيام بمعارك جديدة، لتحقيق أهدافه الآنية والاستراتيجية.
* باحث وكاتب سوري