ادعاء باطل يسوقه البعض بعنوان «استهداف السنة»، يعتبر من المفارقات المهمة التي يجب التوقف عندها، والتفكر فيها ملياً، حيث أن نتائج هذا الادعاء أدخلت مساحات كبيرة من العالم الإسلامي في أتون حروب طائفية ومذهبية كان لها أثار كارثية على بلدانٍ ومجتمعات بكاملها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، هو عن الأسباب والمبررات والعوامل الموضوعية والمنطقية التي ولَّدت شعوراً كهذا بالاستهداف إن وجدت.


مما لا شك فيه أن هناك استهدافاً للإسلام، وهو ليس استهدافاً حديث العهد بل هو استهدافٌ تاريخي من قِبل كل من اعتقد أن الإسلام يشكل تهديداً لوجوده أو حقوقه أو أي تهديد آخر. وتعرضت الدول الإسلامية وشعوبها لحملات كثيرة وكبيرة على مر تاريخها في محاولة للقضاء على هذا الدين ومن يتبعه، واستهداف كهذا يندرج في سياق الصراعات التاريخية الطبيعية السائدة – للأسف - بين الأمم والحضارات والامبراطوريات والدول وغير ذلك، وتناولته ومنذ بدايات القرن الماضي وبشكل مكثف أدبيات حركات الإسلام السياسي التي ظهرت كردِّ فعل على هذا الاستهداف الذي اتضح لها جلياً من قراءة أراء كتاب ومستشرقين خلصت إلى تبني فكرة تفكيك الإسلام. حيث بدأ الغرب حربه الفكرية والإعلامية والثقافية عبر مؤسسات كبيرة في مختلف مجالات الحياة التي تسمح له بترجمة فكرة التفكيك والإلغاء، كما تُرجمت هذه الأفكار على الصعيد العسكري بالحملات الاستعمارية والاحتلال والانتداب والهيمنة والاختراق والمخططات التقسيمية والعمل على فرض الخرائط الجيوسياسية التي رُسمت للمنطقة، لكن الذي يفوت البعض هنا، أن هذا الاستهداف هو للإسلام بكليته وليس لمكون محدد من مكوناته مهما كان صغيراً، فكيف الحال والكلام هنا عن استهداف المكون الغالب للمسلمين في العالم وعبر التاريخ، فالمسلمون الذين يتبعون المذهب السني هم السواد الأعظم من المسلمين، وأي استهداف هنا هو في المحصلة استهداف للإسلام كله.


الفكر الذي أبدع فكرة الإرهاب زرعها في الشريحة الكبرى في الدين الإسلامي

لكن هناك من المبررات والأسباب ما يجعل مصطلح «استهداف السنة» مصطلحاً غير صحيح وغير نزيه، ويضعه ضمن المصطلحات التي أُريد لها أن تشارك في صب الزيت على نيران كثيرة مشتعلة على امتداد جغرافيا الوجود الإسلامي في العالم كله. وتثبت لنا حوادث من التاريخ وأخرى تحدث الآن أن هناك من يسعى دائماً لبث روح الفتنة وزرع الخلاف بين أبناء منطقتنا العربية وأمتنا الإسلامية، بإيجاد نقاط اختلاف بين مكوناتهما مستندة إلى قضايا اختلافية وتفاسير واجتهادات وفتاوى دينية يمكن أن تُعتمد كمبررات ومرجعيات للتعامل بعدائية وعنف مع المكونات الأخرى، تلك التي لا تعترف بهذه التفاسير والمرجعيات بل تعترف بأخرى قدمت في المقابل لجمهورها مبررات ومرجعيات مقنعة له وتقابل نظيرتها بالعقلية غير السليمة نفسها في التعامل مع الآخر. ورغم أن هذه القضايا الاختلافية من الناحية الفقهية والدينية لدى المؤسسات والهيئات الإسلامية المعترف بها من الجميع لا تستحق ان تصل إلى درجة التكفير أو الإقصاء للآخر، إلا أن هنالك من سعى وأثمر في سعيه إلى تحويل تلك القضايا إلى ركائز وأسس لدى جماعات متطرفة وتنظيمات تكفيرية تبني عليها بشكل كامل الأحكام والفتاوى، وترتكب باسمها أفظع الجرائم والارتكابات بحق الإنسان والدين والمجتمعات والدول. وما هو واضح للجميع أن الإرهاب أثبت أنه اكثر أسلحة الدمار الشامل نجاعةً بيد من يمتلك مفاتيحه ويتحكم بخيوطه، حيث انه يؤدي الهدف المطلوب منه من دون أن يترتب على مشغله أي تبعات سلبية مباشرة عليه كدولة ومجتمع أو خسائر بشرية تُذكر من مواطنيه وجنوده، بل نجد أن أهدافه تتحقق بأعلى نسبة، وبأفضل جودة، وبأدوات محلية وداخلية من قلب الشعوب والمجتمعات والدول المستهدَفة. وأثبتت الإيديولوجية أنها القاسم المشترك الأعظم والأهم الذي يمكن أن يجمع حشوداً ومجاميع بشرية مستعدة لخوض غمار أي حرب حتى النهاية التي يؤمنون أنها غايتهم ومقصدهم، فخرج من تزاوج هاتين الفكرتين الإرهاب الذي يعتمد على الإيديولوجية ليتربع على عرش الأسلحة الفتاكة القادرة على تحصيل أعلى النتائج وأكبر الأهداف. وفي العالم الإسلامي ودوله الكثيرة التي تصنف من الدول المتخلفة ودول العالم الثالث، وتعاني ما تعانيه من فقر وجهل وتردي في معظم مجالات الحياة، نجد أن الضخ الهائل الذي تضخه مؤسسات كبيرة ووسائل إعلام، وهيئات ومنظمات وأشخاص وجمعيات كثيرة، واستثمارها لمناخاتٍ غير صحيحة، وبتوجيه وتشجيع وتسهيل مدروس وممنهج من جهات متطرفة ومشبوهة وغير نزيهة ومرتبطة بأجهزةٍ استخباراتيةٍ لدول مختلفة الغايات والأهداف، نجد أن كل ذلك يجعل من اللجوء إلى التنظيمات المتطرفة والتكفيرية (الإرهابية) التي تستند إلى الإيديولوجية، والتي تعد بالجنة والثواب الكبير ومغريات ما بعد الحياة والجهاد، هي خياراتٌ يرى كثيرون انها الحلول الأفضل والأمثل، كونها تحقق لمنتسبيها في الدنيا والأخرة أهدافاً كبرى يعتقدون أنهم عاجزون عن تحقيقها مع أي جهة أخرى. لذلك نجد أن الانضمام إلى تلك التنظيمات والمجموعات الإرهابية اصبح جائحةً اصابت تلك الشعوب والمجتمعات أمام ضعف أو عجز أو فساد أو تواطؤ الأنظمة الحاكمة في تلك الممالك والدول، واستغلها مبدعوها أبشع استغلال. رغم ما تحمله من مخاطر واحتمالات انقلاب السحر على الساحر، إلا أن سَحَرة الإرهاب الإيديولوجي يعتقدون أن البعد الجغرافي بين موطنهم وبؤر الإرهاب التي استثمروه فيها، ستحصنهم من تبعاته، وفي سبيل ذلك وللأسف الشديد يتشاركون مع دول وجهات على دين الإسلام، في صناعة الإرهاب وتهيئة شروط بقائه ونموه، وتتقاطع بينهم المصالح والأهداف، فيتعاون الطرفان على ضبط وتوجيه واستثمار هذا الإرهاب، والتحكم به والسيطرة عليه من خلال السيطرة على اسباب بقائه وأسباب قدرته على الاستمرار من ناحية التمويل والتسهيلات والدعم وغير ذلك.
لكن ما يجب أن نفهمه بشكل كامل أن الفكر الذي أبدع فكرة الإرهاب الذي يعتمد على الإيديولوجية كان حريصاً على ان يزرع هذه الفكرة الهدَّامة في الشريحة الأوسع والكبرى في الدين الإسلامي، لذلك كان «المذهب السني» الذي تتبعه الشريحة الكبرى من المسلمين هو البيئة التي اختارها أصحاب هذه المؤامرة لتكون الحاضنة لهذه الفكرة. وتستطيع هذه الشريحة أن تؤمِّن من حيث النسبة والتناسب أوسع قاعدة جماهيرية تمكنه من حشد أعداد كبيرة خلف شعارات وعناوين تكون كلام حق يراد به باطل. ومن المعلوم أنه كلما كثر عدد المنتسبين لأي عقيدة، كلما زادت إمكانية إحداث شروخ ونقاط ضعف وخلق قضايا خلافية، وخصوصاً عندما ينتشر ويتوزع منتسبو هذه العقيدة على مناطق جغرافية كثيرة ضمن مجتمعات بشرية تختلف عاداتها وتقاليدها وبيئاتها الاجتماعية ومستويات التعليم والمعرفة، ومستويات الفقر والغنى، ومستويات الحرية والكبت والحرمان والحقوق المدنية وغير ذلك من ظروف مكانية تساعد في وجود هوامش كبيرة لبث الخلل وزرع معايير غير سليمة للتعاطي مع العقيدة على اختلاف تسميتها. وهيأ الفكر الذي يتقصد ولادة الإرهاب الإيديولوجي في سبيل ذلك عدداً من المرجعيات والهيئات والأشخاص والمؤسسات الفاقدة للمصداقية، والبعيدة كل البعد من جوهر الدين الإسلامي الصحيح. هذا الفكر أنتج كل الأثر السلبي على سمعة الإسلام وشوّه صورته الحقة، وزجَّ بمصطلح «استهداف السنة» في خطابات وأدبيات جهات معينة إمعاناً منها في سياسة التضليل والتلفيق بهدف زيادة نسبة الاستقطاب والتجنيد.
ولهذا السبب ومما سبق نجد أن أهل السنة لم يختاروا أن يكونوا حاضنة لهذا الفكر ولن يكونوا كذلك، بل حجم حضورهم ونسبتهم الغالبة في الأمة الإسلامية هي التي فرضت ذلك، رغم بعدهم كل البعد في عقيدتهم وإيمانهم وفكرهم وحياتهم وعبادتهم من هذا الفكر غير السليم، ليصبح الاعتقاد أو الادعاء بعد كل ذلك بأن هناك استهدافاً للسنة اعتقاداً وادعاء لا أساس لهما من الصحة. لا سيما أن الإسلام برمته بريء من الإرهاب، وأن الإرهاب في الحقيقة لا دين له، وأن محاربة ومكافحة أي مجموعة إرهابية أو تنظيم إرهابي رداً على إرهابه وارتكاباته وخروجه على القوانين والشرائع، لا يمكن أن يعتبر استهدافاً للسنة كما يريد البعض لنا أن نفهم، مهما كانت الذرائع والحجج التي يسوقها هذا التنظيم لتبرير وجوده أو أفعاله.
* اعلامي سوري