إثر حرب الخليج الثانية عام 1991 واحتلال الكويت وانقسام العالم العربي، صعدت نزعة بين النّخب الخليجية سماها بعض المثقفين المحليين «حالة نكوص»، من عوارضها الانسلاخ عن القضايا «القومية» وما كان يعتبر ثوابت في الفكر السياسي العربي، وتجاوز «الخطوط الحمراء» المكرّسة _ كالتحالف مع الغرب والتصالح مع إسرائيل _، والسعي للانعزال عن باقي أجزاء الأمّة ومشاكلها، على طريقة «نفسي أوّلاً».


سمى الباحثون تلك المرحلة «اللحظة الوطنية» لدول الخليج ودويلاته، إذ سبّب التّهديد الخارجي يقظةً للأحاسيس المحليّة ورغبةً في رسم الحدود مع العرب الآخرين. وقد ظهر _ في حينه _ العديد من الانتقادات مستفظعةً هذه النزعة الانعزالية والأفعال والسياسات التي خرجت من كنفها. غير أنّ هذا الوضع تطوّر بشكلٍ خطير وأخذ أبعاداً جديدة، وتحديداً منذ بداية الألفية الثالثة والغزو الأميركي للعراق: السياسة الخليجية تجاه باقي العرب تدرّجت من نظرية العزلة الى نظرية التدخّل والهيمنة. صارت دول الخليج (إضافة الى _ وبالتوازي مع _ دورها في تنفيذ الأجندات الغربيّة) لاعباً أساسياً في الساحات السياسية المشرقية، وطرفاً مقاتلاً في حروبها الداخلية، وراعية لمعسكر من النخب التابعة. أضحى المشرق ميدان حرب، تصارع الحكومات الخليجية فيه إيران والقوى المحليّة التي لا تعجبها، وتحاول فرض رؤيتها لـ«حلّ» الصّراع العربي الإسرائيلي.
ملخّص المشكلة هو أنّه لا يمكن أن يُحكم سبعون مليون مشرقي، بين فلسطين والعراق، من عواصم كالرياض والدوحة وأبوظبي، أو أن يكون قرارهم لديها. الأمر هنا لا يتعلّق بالشروط الديموغرافية والجغرافية والتاريخية فحسب، بل بعاملين مترابطين، أوّلهما أنّ هذه السياسة التدخليّة، على عنفها وإصرارها، لا تنطوي _ للمفارقة _ على شراكة أو مشروع، بل هي تجري تحت شعارات مبهمة عن «التضامن العربي»، ولا يوجد في آخر الطريق وعودٌ بوحدة أو فتح حدود أو تشابكٍ سياسي. هي علاقة تراتبية وفي اتّجاه واحد؛ بل إنّ هذا التدخّل يرمي، قبل كلّ شيء آخر، إلى إقصاء السياسة والصراعات عن الخليج وحصرها في المحيط المجاور. ثانياً، حتّى لو تمكّنت دول الخليج من الهيمنة على القرار المحلّي واستلابه، فإنّها غير قادرة _ بنيويّاً _ على تقديم ما هو جيّدٌ وتقدميّ وتحرري الى هذه الشعوب، سواء في دورها كوكيلٍ للقوى الغربية أو عبر النتاج الثقافي والسياسي والديني «المحلي» الذي يخرج من هذه البقاع.
لهذه الأسباب كلّها، وفي انتظار قيام نظامٍ عربي حقيقي على أسس مختلفة، فلا شيء يمنعك من الخضوع للأجندة الخليجية والترويج لها، ولكن ساعتها، وبالمقابل، لا يمكنك أن تتوقّع من الناس في بلادنا أن تحترمك وأن تثق بك وأن تسير وراءك.