ما يقوم به داعش الآن، من هدم لقبور الأنبياء ومراقد الأئمة والأولياء هو الجزء المكمل لمخطط ضرب الإسلام من الداخل. وهنا فإنني لا أقصد الإسلام بوصفه ديناً، بل الإسلام بوصفه إطاراً حضارياً نجح في لم شمل عشرات الطوائف والمذاهب والأديان التي يتكشل منها المكون السكاني في الوطن العربي. داعش والنصرة وباقي التنظيمات التي تستهدف الإسلام بوصفه إطاراً حضارياً، حاولت أن توظف بعض العناوين والخطوط العريضة لما يعرف بالفكر السلفي، لتحقيق أجندتها التي لم ينجح العرب حتى الآن، في إدراك عمق وحجم خطورتها.


وبالعودة إلى الأصول العقدية أو الكلامية والفقهية للفكر السلفي، سنكتشف أن السلفية هي التيار الإسلامي الوحيد الذي يربط بين التوحيد وبين الاعتقاد بالتجسيم. كما أنها التيار الوحيد الذي يجعل من إنكار عقيدة التجسيم كفراً صريحاً يستوجب الاستتابة. وهنا يجب التنويه إلى إنكار جميع الفرق والمذاهب والتيارات الإسلامية، بما في ذلك جميع التيارات السنية، لعقيدة التجسيم. لكن هذا ليس مجال بحثنا الآن. ما أريد أن أتحدث عنه اليوم هو التهديد الذي يمثله داعش والنصرة وباقي التنظيمات الإرهابية التي ترفع شعارات السلفية، على الإسلام بصفته الحضارية قبل صفته الدينية.
إن الإسلام ليس مجرد دين فقط. الإسلام حضارة لها طابعها وملامحها وفلسفتها وتراثها... وشواهدها المادية أيضاً. الحضارات في الأغلب تنتج الأديان، وفي حالات أخرى تُنتج قراءات خاصة للأديان، وفي أحيان أخرى قليلة، تشق طريقها بعيداً من تأثير الأديان. وحدها الحضارة العربية هي التي أنتجها الدين، ولذلك استحقت أن تسمى بالحضارة العربية الإسلامية. عندما نتحدث عن حضارة العرب، فإننا نتحدث عن الإسلام. إسهامات المنتمين إلى مختلف المذاهب والتيارات الإسلامية، إضافة إلى إسهامات المسيحيين بل واليهود العرب في إنتاج الحضارة العربية الإسلامية، تؤكد أن الإسلام تجاوز المنظومات الدينية التقليدية والظواهر الحضارية الكلاسيكية.
الإسلام كإطار حضاري جامع، ساعد جميع المكونات السكانية وعلى رأسها المكون المسيحي في الوطن العربي، في الاحتفاظ بتراثه وهويته العقدية. وهذا ما مكن الإسلام بوصفه إطاراً ومنظومة حضارية قبل أن يكون إطار ومنظومة دينية، من المساهمة في تكوين اللا وعي والوجدان الجمعيين لجميع أتباع الأديان والطوائف الأخرى. وهذا بالتحديد هو ما مكن أتباع المذاهب والأديان المختلفة، من المساهمة في الإنتاج المعرفي والإبداعي داخل نسق ثقافي واحد تشكل منه ما عرف في تاريخ الحضارات، بالحضارة العربية الإسلامية. من هنا يبدو المفكر المسيحي الفلسطيني إدوارد سعيد، متسقاً مع نفسه ومنسجماً مع الإطار الحضاري الذي تشكلت هويته الوطنية والقومية داخل حدوده، عندما دافع عن الإسلام بشكل مستميت في مواجهة إقصائية الغرب الاستعماري المستندة إلى مؤسسة دينية لم تعرف معنى التعايش إلا قبل عقود فقط. المسألة هنا تعكس تراكماً تاريخياً وتعبّر عن جذور حضارية متغلغلة على مستوى الوعي واللا وعي الجمعيين للمسيحيين العرب.
مواقف إدوارد سعيد في الدفاع عن الإسلام كإطار حضاري، سبقتها مواقف رهبان لبنان وسوريا الذين تصدوا لحملات التتريك بصلابة، ودافعوا عن كيان اللغة العربية كما لم يفعل المسلمون أنفسهم. وهنا يجب التنويه إلى أن «اليسوعيات» في لبنان، ما زالت تقدم مستوى ربما يكون هو الأرفع، في تعليم اللغة العربية.
في المقابل فإن الإسلام، وكنتيجة لارتباطه العضوي باللغة العربية، فرض واقعاً حضارياً فريداً تمثل في ربط الإنتاج العلمي والمعرفي في المناطق الإسلامية غير العربية، باللغة العربية. صحيح أنّ هذا الواقع لم يعد له وجود الآن، لكن اللغة العربية احتكرت الإنتاج المعرفي عند الشعوب الإسلامية، طوال القرون التي تشكلت وازدهرت خلالها الحضارة العربية الإسلامية، من عصر ابن المقفع وحتى عصر ابن سينا. وهنا يكمن جانب آخر من جوانب تفرد الحضارة العربية الإسلامية... فالأديان التي انتشرت لم تستطع أن تكوّن إطاراً حضارياً، لأنها لم ترتبط في الأصل بلغة واحدة تكون بمثابة الوعاء الذي يجمع كل المكونات العرقية والعقدية التي تنتمي إليها. كل ما سبق يؤكد أن الإسلام لا يمكن أن يزدهر كمنظومة حضارية عدا عن كونه ديناً خالصاً، خارج إطار التعدد والتعايش والتسامح. وهنا بالتحديد يكمن الخطر فيما يقوم به داعش من طمس لمعالم الحضارة العربية الإسلامية، وما يتضمنه من بعد رمزي يؤصل للتعدد والتعايش.
إن استهداف داعش والنصرة للكنائس وإحراقها آلاف المخطوطات المسيحية، هو أكبر عملية تجريف للذاكرة الحضارية تعرضت لها الأمة منذ غزو التتار لبغداد إبان القرن السابع للهجرة. وإذا كانت السلفية قبل ظهور داعش والنصرة وطالبان وبوكو حرام، قد اكتفت بالإقصاء الفكري، فإن النسخة الجديدة من السلفية تضع ضمن أهدافها الرئيسة، خلق حالة من الفراغ الحضاري لن يستفيد منها سوى اللصوص الطارئون على المنطقة... أعني الدولة الصهيونية. لقد مارست الصهيونية قبل ذلك حملة منظمة لسرقة الآثار في سيناء، كما أنها مارست منذ إعلان قيام كيانها العنصري، حملة مدروسة لتغيير معالم فلسطين التاريخية، شملت أسماء المدن والبلدات والقرى. وأخيراً امتدت سرقات الصهاينة لتطاول حتى الأطباق الشهيرة في المطبخ الشامي كالحمص والتبولة، في محاولة لمنح هذا الجانب الحياتي الأولي - الطعام - صبغة يهودية مزيفة. فهل يمكننا بعد ذلك أن ننظر إلى ما يفعله داعش من نسف لمعالم حضارتنا، بعيداً من محاولات الصهيوني خلق حالة فراغ حضاري هي أشبه ما تكون بالتيه التاريخي والحضاري؟!
إن استهداف القبور والمراقد والمخطوطات، ليس إلا محاولة لتجريف الذاكرة الحضارية لأمة بكاملها، تمهيداً لإعادة رسم جغرافيا المنطقة من جديد. الجغرافيا لا يعاد رسمها بالسلاح فقط. هذا هو الجزء الأسهل من العملية. إعادة رسم الجغرافيا تبدأ من إعادة رسم التاريخ... والتاريخ لا يمكن أن يعاد رسمه من جديد، من دون السيطرة على الوعي سواء بتزييفه أو بتغيير معالمه أو بتفتيت هويته. وهو ما نجح العدو فيه إلى حد لا يستهان به. والسبب هو أننا نمتلك وعياً جمعياً يحتمي بإطار حضاري عريق لكنه غير متجدد. ما يعني أن وعينا لا يمتلك جهاز المناعة القادر على مقاومة الفايروسات المطورة جينياً. إن ما يقوم به داعش من تجريف للذاكرة الحضارية للأمة، هو مخطط استعماري يهدف لإعادتنا إلى العصر الحجري، تمهيداً لتحقيق سيطرة نهائية وليست وقتية فقط، للصهاينة على المنطقة. وهو المخطط الذي لن تكتمل حلقاته، إلا بخلق حالة من الفراغ الحضاري في المنطقة، سرعان ما ستملأه دولة العدو بإرث تاريخي يتراوح بين ما هو مزيف وما هو مسروق.
من دون شك فإن الأرواح تظل أغلى وأهم من كل الأشياء الأخرى مهما بلغت قيمتها، لكن محاولة التجريف الحضاري للمنطقة، ليست سوى وسيلة للقضاء على روح منطقة وأمة بكاملها. وهي في ذلك لا تتساوى مع القتل المباشر للبشر، بل تفوقه من حيث الإجرام والخسة والوحشية.
تذكروا جيداً: مستقبل العدو على المدى الطويل، سيظل مرهوناً بنجاحه في تأسيس حالة من الفراغ الحضاري الكامل.
* كاتب سعودي