«نحن يا إخوان ذهبنا الى البوسنة والهرسك، خيرة شبابنا، كانت لدينا معسكرات... يمكن أن تكون هذه أول مرة نتكلم بهذا الموضوع بهذا الوضوح، قاتلنا وسقط لنا شهداء، دفاعاً عن من، عن المسلمين السنة في البوسنة» (من خطاب امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في 25/5/2013).
إعلان كان هو الأوضح من حزب الله ولو بعد حين، «فحيث يجب أن نكون سنكون» حضرت في الميدان قبل المنبر، ليسبق فعلها قولها بسنوات. قبل سوريا والعراق واليمن كانت سراييفو وفلسطين. لا حدود زمنيّة قاريّة للقرار عند حضوره.
نشاطات حزب الله ومن خلفه «الحرس الثوري»، كان قد عبّر أول قائد لقوات حفظ السلام في البوسنة الجنرال الكندي لويس ماكينزي، عن انزعاجه منها، وقلقه من إسقاطات بعض أساليبها المحتملة في جنوب لبنان، وذلك خلال نقاشات حول توسيع قوة الأمم المتحدة العاملة بُعيْد عدوان تموز... فما هي الحكاية.


شذرات البداية... إلى سراييفو دُر

صدر مانيفستو بيان حربي متوقع للقوّات المسلحة الايرانية في 5/11/1992، معلناً الاستعداد الكامل لمساعدة البوسنيين والانخراط معهم في القتال ضد الصرب. جاء ذلك إثر فشل الجهود الاحتوائية وتزايد المجازر. وبعد مذكرة تمهيديّة قدمتها إيران قبل أسبوعين عبر مندوبها لدى منظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور صلاح زكنة لإلغاء قرار حظر السلاح، سجّلت بعد أقل من أسبوع محاولة أولى للدبلوماسيّة الايرانيّة عبر وزير خارجيّتها كسر الحصار للبوسنة، فمنعته قوّات الناتو من دخولها.
حاولت دول حليفة للولايات المتحدة، كالسعودية وتركيا الدخول على خط دعم البوسنيين بالسلاح لقطع الطريق على الإيرانيين لكن سلبيّة الرئيس البوسني علي عزّت بيغوفيتش تجاه الأتاتوركيّة ونموذج الحكم السعودي أدّى «لتوجه الحكومة البوسنية أكثر بكثير تجاه إيران» (سيس وايبس، صاحب كتاب «الاستخبارات والحرب في البوسنة»). حطّ بيغوفيتش رحاله في طهران سنة 1992، وهو المتأثّر مبكّراً وحزب العمل الديموقراطي الذي يرأسه، بثورتها التي كانت ثاني روافده الأيديولوجيّة بعد الإخوان المسلمين. فقد شارك سابقاً عبر مبعوثين من قبله بذكراها السنويّة سنة 1982، مما أدى لاعتقاله للمرّة الثانية في عهد جوزيف تيتو (الذي كان موته فاتحة عهد تفكك يوغوسلافيا).
استثمر ثنائي الحرس الثوري ـ حزب الله خبرتهما التراكميّة للشروع بتكوين هيكلية عسكريّة بوسنيّة قادرة على الدفاع عن نفسها واستعادة أراضيها، كما جرى توريد شحنات سلاح للكروات، بدورهم، خلال مراحل «اللاصدام» مع البوسنيين.
وقد كان المسلمون البوشناق (ذوو الأغلبية الماتريدية الحنفيّة) الحلقة الأضعف ضمن المثلث العرقي رغم تعداد قوّاتهم الـ60 ألفاً عدا الاحتياط، إلا أنها كانت سيئة التجهيز وغير مهيئة للحرب.
لعبت القيادات الإيرانيّة كرئيس مجلس صيانة الدستور آية الله جنتي، دوراً في تسريع ديناميكيّة الدعم. أرسلت مجموعات من «الحرس» وحزب الله على رأسها أسماء عرفت لاحقاً كرئيس منظمة «التعبئة» حالياً العميد محمد رضا نقدي، ورئيس «مركز ميثاق الحرس الثوري الثقافي» اللواء والقائد البارز سعيد قاسمي (انتشرت له صورة في إحدى جبهات المعارك السوريّة مؤخراً) ليصبح هؤلاء تحت مجهر الإعلام والاستخبارات.
فقد ورد في فقرة من رسالة لتقرير أممي أنّ خمسين مدرباً ومستشاراً من حزب الله وحركة التوحيد الإسلاميّة وصلوا في 9/11/1992 لتنظيم صفوف المقاتلين البوسنيين بعدما غادروا عبر مرفأ طرابلس في شمال لبنان. كما ذكرت «واشنطن تايمز» في 2/6/1994 نقلاً عن مصادر الاستخبارات الأميركيّة عن وصول 400 عنصر من الحرس الثوري في شهر أيّار من السّنة نفسها اضافة لحوالى 350 ـ 400 كانوا موجودين هناك. ليقدّر تعداد رجال الحرس الثوري الذين دخلوا البوسنة والهرسك ما بين 3000 و4000 متطوع، ناهيك عن حوالى 400 أتوا من البقاع اللبناني وحّولوا البوسنة والهرسك لمخيمات تدريب يديرونها، أقاموا بشكل رئيسي في زنيتشا وسط البوسنة.
وعن فعاليّة هؤلاء، يقول البروفسور كايز فيبيس (1) إن «دور المجاهدين الأجانب في حرب البوسنة كان صغيراً لكنه كان دوراً مهماً»، فقوّات الحرس الثوري «كانت تحوي محاربين أشدّاء، وتنفّذ عمليات نوعية كقوات صدم مباغتة تشنّ هجمات خاطفة» ومقاتلي حزب الله «كانت واجباتهم في القتال المتلاحم، فببساطة مهارتهم وخبرتهم كانت اكثر قيمة من إضاعتها في أنواع أخرى من القتال الأقل تعقيداً»، كما وصفها تقرير لورين ميتري وبوركو أكان لصالح «معهد السلام».
كما استخدمت البنية التحتيّة التي أنشأها «الحرس» للإمداد اللوجستي والبشري «لإدخال متطوعين من مختلف الجنسّيات أيضاً من أفغانستان والشيشان واليمن والجزائر»، وتأطيرهم للقتال كما ذكر أندرو غيفن مارشال في «أصول الحرب العالمية الثالثة». استثمرت البنية التحتيّة في الاتجاه المعاكس أيضاً عبر تسهيل سفر مقاتلين بوسنيين لإيران ليتدربوا فيها وهو ما اعتبر، «اكبر تهديد للغرب»، كما قال مسؤول وضابط عسكري أوروبي رفيع المستوى لصحيفة «نيويورك تايمز» في 3/3/1996.


طرق إمداد السلاح

تدفّق أطنان من الأسلحة كان له الدور الأبرز في قلب معادلات المعركة. قسم تم إدخاله عبر كرواتيا تارة، أو بطرق مبتكرة عبر هياكل الطائرات المدنيّة، واستمر تدفقه حتى بعد سريان الحظر الجوّي على مطار زاغرب. وبطبيعة الحال لم يكن مسارها دون صعوبات، فقد تم اكتشاف إحدى الشحنات، كما ذكر مسؤول في الأمم المتحدة لصحيفة «أوبسيرفر» في 18/10/1992. طريق ثالثة للتهريب أكثر تعقيداً كان يمر عبر إيطاليا ـ البانيا وتشابك مصالح بعض المجموعات المحلية، كما سجّلت محاولات ايرانيّة لإدخال السّلاح بحراً.
وفي المحصلة تم تسيير 8 رحلات شهرياً معبأة بآلاف الأطنان من الأسلحة والذخائر، التي كان منشؤها إيرانياً أو تمّ شراؤها وشحنها بدعم إيراني بحسب كريستوفر كوكس في مقال تحت عنوان «تعزيز النفوذ الايراني في البوسنة» (26/4/1996)، شكّلت بالعموم ثلثي الأسلحة التي دخلت البوسنة. فعلى سبيل المثال كانت الأسلحة والذخائر التي أرسلها الايرانيون ما بين أيار 1994 وكانون الثاني 1996 تناهز 5 آلاف طن، بحسب الصحافي الصربي كارل سافيش.

بيغوفيتش عن ولايتي:
«لولا هذا الرجل لما كان بلدي
اليوم على الخريطة»



انقلاب المعادلة

بينما كان «التحالف الدولي» ضعيف التأثير ميدانيّاً لتضارب الأجندات بين دوله (الاوروبيّة على وجه الخصوص)، ما شكّل عائقاً أمام أي قرار فعلي بالتدخل العسكري (الذي لم يبدأ حملته الجويّة إلا عند حدوث مذبحة سربرنيتشا)، كان زخم الدّعم الايراني يحوّل وقائع الميدان. إذ انتقلت القوات البوسنيّة من مرحلة القتال التراجعي (كان حوالى 70% من أراضي البوسنة تحت سيطرة جمهورية صرب البوسنة) لمرحلة يتقدّمون فيها ويحرّرون بعض ما خسروه. كانت التقديرات حينها أنهم على بعد أيام من تحرير بنياليوكا، عاصمة صرب البوسنة.
الشعور بفائض القوّة، استثمره بيغوفيتش في الحرب النفسيّة، وهو الذي أبدى «امتنانه ومسلمي البوسنة لحكومة آية الله خامنئي، والرئيس رفسنجاني، وحكومة وشعب ايران كونهم أكثر من قدّم الدعم لبلاده وشعبه في مواجهة المجازر الصربية». ليطلق تصريحه «الفريد»، بعدها، بقوله: «إذا استمرت الحالة الراهنة لشعب البوسنة سنضطر الى استخدام الغاز السام للدفاع عن أنفسنا ووضع حد للجرائم التي ارتكبها الصرب، رغم ان هذا قد يكون ضد رغباتنا الحقيقية».


تصادم واحتكاك الأضداد

تزايدت بشكل مضطرد التقارير التي تصل لواشنطن حول أدلة جدية حول عمق التغلغل والتأثير الإيراني في البوسنة. ففي تقرير إحدى لجان مجلس النواب، ذُكر «الدور الخطير التي تلعبه عناصر إيرانية أوجدت موطئ قدم لها في أوروبا، ما يشكّل خطراً استراتيجياً على المصالح الأميركية. وذلك بفضل إنشاء (إيران) علاقات وثيقة مع قادة البوسنة والجيل الذي سيليهم من القادة، ما أوجد هيكلية كاملة للأجهزة الايرانية كالاستخبارات التي تدير المنطقة البرية من خلال تطوير شبكات متعددة». وكانت الحكومة البوسنيّة بحسب روبرت باير، أحد عملاء «السي آي ايه» في سراييفو، خلال الحرب ما بين خيارين «إما خيار السي آي ايه أو الايرانيين، وسيختارون الإيرانيين في أي يوم». على ضوء المعطيات الجديدة تمّ إرسال مدير جديد للسي آي آيه إلى سراييفو في عام 1995. وكانت تنتظره محاولة استهداف «بعد تعرضه للخيانة من زملائه البوسنيين لصالح عملاء ايرانيين خططوا لاغتياله».
لم يكن هذا الاحتكاك الوحيد، فالنفوذ الإيراني في البوسنة خلق تنافساً أميركياً، ورعباً أوروبياً:
ــ في 18/10/1992، أعلن مسؤول في الأمم المتحدة في مقال لصحيفة «أوبسيرفر» البريطانية أنه تم اكتشاف إحدى شحنات الأسلحة المرسلة.
ــ في 11/11/1992، تمت مداهمة طائرة إيرانية في مطار زاغرب واكتشاف كميات ضخمة من الأسلحة كانت في طريقها للبوسنيين.
ــ في 15/2/1996، اقتحم رجال الكوماندوس الفرنسي شاليه معزول في البوسنة ليكتشفوا أنه مركز تدريب يزخر ببنادق للقناصة وقاذفات صواريخ ومتفجرات في زيّ لعب الأطفال.
ــ في شهر شباط من عام 1992، اعتقل ثلاثة إيرانيين من قبل القوة الفرنسية التي أرسلها حلف شمال الأطلسي.
تكررت تلك الحوادث ما بين سنة 1992 و1996 كإيقاف السلطات التركية لباخرة إيرانية متوجهة الى سراييفو محمّلة يالأسلحة.


اتفاقيّة دايتون وما تلاها

رفضت مشاريع عديدة قدمت كحلول لإيقاف الحرب، كمبادرة مشروع مشترك مقدم من اللورد أوين نوفانس، لكن اتفاقية دايتون وحدها من كتب لها النجاح. جاء ذلك بعد إصرار أميركي رغم التقدّم البوسني الميداني. كانت اولوية الاميركيين، كما تبيّن لاحقاً، تجفيف منابع التأثير الايراني الذي اصبح الموالون له متأصلين في عدد من المؤسسات البوسنيّة، كنائب وزير الدفاع حسن جنجيتش، ورئيس المخابرات البوسنية السابق باكر علي سباهيتش، واثنين من كبار معاونيه الذين اقاموا معسكرات بالتعاون مع المخابرات الايرانية (هي المعسكرات ذاتها التي داهمها رجال الكومادوس الفرنسي سابقاً). وبحسب الصحافي جايمس رايسن، فإنّ «بيغوفيتش نفسه كان يتلقى دفعات من الايرانيين، في احدها فقط تلقى 500000 دولار». ظهر عمق التحالف بين الطرفين أيضاً في كون السفير الايراني في البوسنة هو الدبلوماسي الاجنبي الوحيد المرافق لبيغوفيتش خلال حملته الانتخابية عام 1996.
سعى الأميركيون عبر مستويات عدة لإبعاد التأثير الايراني وتعزيز سيطرتهم، فعملوا على سدّ حاجات البوسنيين من السلاح وإنشاء مراكز تدريب. نجحوا نسبياً في النهاية في مسعاهم كما في إزاحة نائب وزير الدفاع حسن جنجيتش، ورئيس المخابرات البوسنية السابق باكر علي سباهيتش، وحدّوا من أن يكون للايرانيين دور كبير في إعادة الإعمار.
الهدف الإيراني من دعم استقلال البوسنة الكامل ومنعها من التحوّل لقاعدة لحلف الناتو لم يكتب له النجاح كلياً. ورغم تفكيك بعض روابط العلاقة بين الطرفين، لكنها استمرّت وتنوّعت اوجّه الدعم الإيراني حيث ما أمكن عسكريّاً واقتصاديّاً، إضافة لتبني عوائل الشهداء وإعالة الجرحى البوسنيين الذين ما زال تقام لهم احتفالات تكريم في طهران حتى اليوم.
وقد عبّر الايرانيون عن عدم رضاهم لمسار الأمور، فقد اعتبر رئيس مجمع تشخيص مصلحه النظام هاشمي رفسنجاني، أن «الجمهورية الاسلامية الإيرانية كانت تأمل بمشاركة فاعلة وبناء‌ة لمساعده الشعب البوسني بعد انتهاء الحرب إلا أن تدخل الاعداء افضى الى خفض مستوى العلاقات بين إيران والبوسنة».
أما بيغوفيتش فقد ثبت موقفاً أكثر دلالة في تأكيد الإشارة لصاحب الفضل مجدّداً اثناء مؤتمر صحافي وسط العاصمة المنكوبة واهلها، مشيراً بيده الى ممثل لقائد الثورة الاسلامية الإيرانية الواقف الى جانبه، ويومها كان هو وزير خارجية طهران علي اكبر ولايتي الذي وصل سراييفو في 30/11/1995 ليقول: «لولا هذا الرجل لما كانت بلدي اليوم على الخريطة»! كان بيغوفيتش معبّراً عن رأي عام، ففي استطللاع أجري بعيد انتهاء الحرب اظهر أن 86% من البوسنيين أعربوا عن موقف ايجابي من الجمهورية الإسلامية الايرانية.
بانتهاء حرب البوسنة والهرسك سنة 1995 وما خلفته من ضحايا تراوح تعدادهم ما بين الـ97 و110 آلاف، كان المئات من الكوادر الإيرانية وكوادر حزب الله ما بين شهيد ومعتقل على طريق منع استنساخ حالة دياسبورا بوسنية على نسق شقيقتها الفلسطينية. الشهيد القائد رسول حيدري، واحد من هؤلاء وقد شيّد ضريحه جنباً إلى جنب مع مرافقه البوسني محمد افديك، في تأصيل لعمق انتماء قضيتهم التي قاتلوا ورحلوا لأجلها.


(1) يُعتبر كتاب البروفسور كايز فيبيس، الأستاذ في جامعة امستردام، مرجعاً حول «الأجهزة الاستخبارية وحرب البوسنة»