استفادت السلطنة العثمانية من المذابح المتبادلة بين الدروز والموارنة خلال 1840-1842، لإلغاء الإمارة وتعيين موظف عثماني لإدارة البلاد. ولم تتمكّن الكنيسة في أي وقت من أن تشكّل إطاراً لبلورة أفكار من أجل إعادة تنظيم البلاد، واكتفت بالمطالبة بإعادة آل شهاب إلى الحكم. واقترح القناصل الغربيون الذي بات كلّ منهم يترأس حزباً محلياً مكوناً من أعيان المذهب الذي «يرعاه»، قسمة الإمارة إلى قائممقاميتين. كان قانون شكيب أفندي لعام 1845 الإصلاح الفعلي الوحيد الذي حظي به اللبنانيون، وجاء تطبيقاً لـ»التنظيمات بصيغة 1839»، لجهة نزع صلاحيات المقاطعجية ووضعها بين يدي مجلسي القائمقمقاميتين (المصدر نفسه: 131). لكن السلطنة التي رفعت سقف الطموحات لدى العموم بشأن حقوقهم، عجزت عن ضمان هذه الحقوق. أصر المقاطعجيون على امتيازاتهم، ودفعوا الفلاحين للانتفاض عليهم. وكان أول من فعل ذلك هم فلاحو كسروان. سوف ينتهي عقدان من الاستفزاز المتبادل بين الدروز والموارنة، ومن عجز نخبة المقاطعجية عن إنتاج أي مشروع يزيل الفوضى ويعيد اللحمة المجتمعية، إلى مذابح 1860 الشهيرة. ولعل أفضل ما قدّمه كتاب أسامة مقدسي حول أحداث 1860 ومقدماتها، إظهار حركة الاحتجاج التي قادها طانيوس شاهين، ضد مقاطعجية آل الخازن أولاً، ولتهديد الدروز واستفزازهم بعد ذلك، بوصفها السبب المباشر الذي أدى إلى المذابح.


تغيّرت الأمور بعد خروج السلطنة من بلاد الشام في فترة حكم إبراهيم باشا وعودتها إليه بدعم من القوى العظمى. أصبح القناصل يقاسمون السلطنة سلطتها على المنطقة. يتحمّل مسؤولية المذابح أيضاً، حماة حركة الاحتجاج، خصوصاً قنصل فرنسا الذي منع القوى الأمنية من دخول مناطق الاحتجاج وإزالة الميليشيات التي تكوّنت آنذاك، ووالي صيدا العثماني الذي تخلى عن مسؤوليته في التصدي لهؤلاء وحفظ الأمن (مقدسي، 2000: 142). وقد انسحبت نخبة المقاطعجية من المشهد ووقفت تتفرّج على ما يحصل. واندفع الزعماء الدروز إلى تحقيق نوع من «تطهير إثني» في مناطق الاختلاط، نجم عنه 11 ألف قتيل (الصليبي، 1965: 175).
أرادت السلطنة الظهور بمظهر دولة حديثة تُخضِع رعاياها لحكم القانون. عاقبت بشدة المسؤولين عن مذابح دمشق التي تلت مذابح جبل-لبنان. ولاحقت الزعماء الدروز المسؤولين عن المذبحة وسجنت بعضهم ونفت آخرين. كانت تلك المرّة الأولى التي لا تطبق فيها السلطنة قاعدة «مضى ما مضى» في علاقتها بالنخب، أي العفو عن المرتكبين. وقد أخضعت هؤلاء لحد من العقاب. بقيت المحاسبة محدودة لأن الضحايا امتنعوا عن الشهادة ضد المرتكبين (المصدر نفسه: 180). وقد تدخّل القنصل الفرنسي لحماية طانيوس شاهين من العقاب. يصيب تأريخ الدكتور الصليبي لحقبة القائممقاميتين القارئ بالذهول والحزن. ويستنتج أن تلك الحقبة والمذابح التي انتهت إليها، جعلت أمراً محتّماً أن يطلب الموارنة والمسيحيون الحماية الغربية على الدوام بعد تلك المحنة. دخل الجيش الفرنسي الذي أرسله نابوليون الثالث إلى قرى عاليه والشوف وأتاح عودة المهجّرين إلى بيوتهم وقراهم.
أعطت المتصرفية المسيحيين الشعور بالاستقلالية وبأنهم يحظون بحماية دولية، وأزالت سلطة وامتيازات المقاطعجية. وحظيت على الدوام بتقريظ المؤرخين، ومنهم الدكتور الصليبي. قال عنها إنها انطوت على تنظيم إداري جيّد، وحظيت بمتصرفين من ذوي الكفاءة العالية (المصدر نفسه: 186). لكن السلطنة وأقاليمها ارتبطت خلال النصف الثاني من التاسع عشر بشكل لم يسبق له مثيل، بحاجات الأسواق الغربية إلى المواد الأولية الزراعية، وانفتحت على تلك الأسواق من موقع تابع. لم يكن هناك أي تصوّر لدى نخب السلطنة لكيفية إطلاق عملية «تصنيع متأخر»، على شاكلة ما فعلت دول أوروبا المتأخرة آنذاك، مع ما يقتضيه ذلك من وجود لدولة تدخلية ولإدارة حكومية فعّالة واستخدام لحمائية هادفة.


لم يتنبّه الصليبي إلى الفشل في توفير مقومات البناء الوطني خلال حقبة المتصرفية

كل ذلك جعل فلاحي لبنان ومنتجيه يرتبطون بعلاقة تبعية لمصانع الحرير الفرنسية، كمصدّرين للمواد الأولية التي تستخدمها هذه الأخيرة. سيؤدي ضعف المداخيل المترتبة على هذا النشاط الإنتاجي، والفورة الديمغرافية التي عرفتها الحقبة، وانفتاح البلاد على الهجرة إلى الأميركتين، وغباء النخبة التي بقيت غافلة عن خطورة النزف البشري الذي مثلته الهجرة، ووقوف الدولة موقف المتفرج على ما يحصل، إلى تحول المتصرفية إلى الحقبة الأسوء في التاريخ الطويل لأهل جبل لبنان التاريخيين. كانت بداية تبديد مستدام لقوى هؤلاء وضرب للمقومات التي تتيح لهم بناء دولة تحفظ وجودهم. كان هذا التبديد قد بلغ مبلغاً في 1913، حيث كان ما يوازي ربع سكان المتصرفية قد هاجروا. كانت المناطق المكوّنة لموطن الموارنة الأصلي، خصوصاً البترون وكسروان والمتن، الأكثر تأثراً بنزف الهجرة. مثّل المهاجرون منها 60 في المئة من المجموع. تنبه إلى خطورة الهجرة و»طرح الصوت» بشأنها آنذاك الراهب اليسوعي جوزيف ديلور.
لم يتنبّه الدكتور الصليبي إلى الفشل الذريع في توفير مقومات البناء الوطني خلال حقبة المتصرفية، لأنه أعطى اهتمامه لوصف الإنجازات في حقل التعليم، التي كانت وراءها الإرساليات الأجنبية، وللإضاءة على دور الرواد من المفكرين النهضويين اللبنانيين، من دون أن يفوته أن الإنجازات في حقل «التقدم العلمي» بقيت محدودة الانتشار، واستثنت من فوائدها جمهور من يؤرّخ لهم (الصليبي، 1965: 195-235).

الحقبة الانتدابية

في تأريخه للحقبة التي تبعت المتصرفية، أي الممتدة من الحرب العالمية الأولى إلى إعلان «لبنان الكبير» والاستقلال عام 1943، وصولاً إلى عهد فؤاد شهاب، يطغى عند الصليبي وصف النخب ومواقعها وصراعاتها. غابت الحرب العالمية الأولى وتعيين المسؤوليات بشأن مفتعلي المجاعة، ولو أن هذه الأخيرة أخذت 41 في المئة من سكان المتصرفية وولاية بيروت. ركّز الصليبي في تأريخه لحقبة الانتداب على الدور الإيجابي للسلطة الانتدابية في التنظيم السياسي للكيان، لجهة إيجاد مؤسسات تمثيلية ووضع دستور جديد. ركّز على تتبّع الصراع السياسي داخل النخبة، خصوصاً الفرز الذي حصل بين المتحمّسين من الزعماء الموارنة لإبقاء لبنان في ظل الحماية الفرنسية، والراغبين منهم باستقلالية أكبر، تنبني على توافق مع زعماء الطوائف الأخرى، خصوصاً السنّة منهم. وقد انتصر جماعة التوافق الذين جمعهم مع أقرانهم المسلمين «ميثاق 1943».
عكس لبنان الكبير الخريطة المذهبية التي وضعها الجيش الفرنسي عام 1861. ما يبقى منطبعاً بقوة في ذهن القارئ من تأريخ الدكتور الصليبي للحقبة الانتدابية، هو قوة الرفض التي ووجه به قيام لبنان الكبير، من طرف أبناء المذاهب الإسلامية، وعدم أخذ النخب المسيحية لقوة ذلك الرفض على محمل الجدّ. كانت تلك حقبة خلاف على الهوية بامتياز، غلب عليها تجاهل المختلفين لبعضهم بعضاً. استعاد الصليبي في كتابه «بيت بمنازل كثيرة» بوضوح أكبر موضوع الخلاف على الهوية، وفقدان الشرعية الشعبية للكيان عند المسلمين، وفشل المسيحيين في تسويق فكرة هذا الأخير (الصليبي، 1989: 54-55). وبيّن في مكان آخر مقدار الخلاف في عجز «المؤسسة المسيحية الحاكمة» على إقناع المسلمين بكتاب تدريس التاريخ الذي أعدته خلال الثلاثينيات (المصدر نفسه: 253).
اتخذ موقفاً إيجابياً من السلطة الانتدابية، لدورها في فرض حد من الاعتدال على مسلكية الزعماء الموارنة، وللدور الذي لعبته في إنشاء شبكة طرقات ومواصلات. ينسجم هذا الموقف مع ما يقوله كل الذين اختصروا لبنان إلى بيروت ومحيطها، وأغفلوا أن لبنان هو ريفه أساساً، الذي هو موطن شعب لبنان التاريخي ومصدر هذا الشعب. أسّس الانتداب لمقاربة لدور الدولة تقوم على الإنفاق في نطاق بيروت وبالحد الأدنى، ليضمن توازن الموازنة العامة وعدم استلاف قرش واحد لأغراض التنمية. هذه القاعدة التي أخذت بها نخب الاستقلال وطبّقتها حتى اليوم هي التي ستقتلع شعب لبنان من أرضه خلال العقود التالية وتسرّع سيره إلى الزوال. وفي منتصف القرن العشرين، كان عديد الطائفة المارونية قد حافظ بالكاد على المستوى الذي وصل إليه قبل مئة عام. لكن الأسوأ لم يكن قد حصل بعد.
في تأريخه للحقبة الممتدة من المتصرفية حتى عهد شهاب، تحول كتاب الصليبي «تاريخ لبنان الحديث» إلى تحفة إيديولوجية، المراد بها إظهار أن لبنان بالشكل الذي انبنى عليه، مثّل الاستجابة الأفضل لما يطمح إليه مسيحيو وموارنة لبنان على وجه الخصوص. بل يمكن أن يرى فيه القارئ استكمالاً أو تحديثاً أو تكاملاً مع فكر ميشال شيحا في تقريظ الكيان وشكل تنظيمه. بل هو شكّل من دون شك النص الذي قرأته النخب المسيحية المحافظة وأعطاها ما يطمئنها إلى صحة خياراتها وأن كل شيء على ما يرام. لكن ما أضافه الصليبي في كتابه هذا الذي هو باكورة أعماله الرئيسية، والذي أنجزه ونشره وهو لم يبلغ بعد الخامسة والثلاثين، يؤكد أيضاً أن تصوّر المسيحيين للكيان بوصفه شأناً إيجابياً، جعل منهم أول المخدوعين بما حقّقه لهم هذا الأخير.
لا يمكن من جهة أخرى، القول إن تركيز الصليبي على «التقدّم في ميدان التعليم» وإيلاءه المكانة التي أفردها له في تأريخه كان في غير محلّه. عوّض الفشل الذريع للكيان في الميدانين السياسي والاقتصادي، توفيره للبنانيين إمكان تعليم أولادهم بشروط مرضية. وإلا لكان أغلبهم فقد أي حافز للبقاء فيه.


الوقائع والأفكار في «بيت بمنازل كثيرة»

جعلت الحرب الأهلية الناشبة في 1975 الدكتور الصليبي ينظر برعب إلى التدمير لما كان يبدو إنجازاً بالنسبة له. كرّس كتاباً رائعاً لتتبّع وقائع الحرب الدائرة أمامه يوماً بيوم أصدره في مطلع 1976 (الصليبي، 1976). كان هذه المرّة أكثر صرامة في الحكم على أفراد النخبة، من خلال عرض الوقائع الذي يُظهِر مسؤوليتهم عن المآل المأسوي للكيان.

تظهر محاججة لامنس
ضد الإسلام متحيّزة ومن دون أسس علمية لها
سرد قصة خلافاتهم وكيفية تعاطيهم مع مسؤوليتهم في الحكم منذ 1964. جعله تدمير مركز المدينة في أيلول 1975، يتحدث عن تجربة انتحار جماعي للمسيحيين (المصدر نفسه: 129)، وذهب أكثر من مرّة إلى احتساب خسارتهم من الحرب. سوف تثبت الحرب الممتدة خمسة عشر عاماً صحة ما ذهب إليه. وهي أخذت 40 في المئة من شعب لبنان بالهجرة. لعل المأخذ على عمل الصليبي الرائع والدؤوب لعام 1976 هو التعميم، كأن يقول «المسيحيون»، في حين أنه كان يصف مسلكية وأفعال قوى سياسية بعينها. أصبحت تلك الطريقة في التعميم واعتبار المسيحيين بكاملهم معنيين بما حصل وموافقين عليه سائدة ومبتذلة اعتمدها المتطفّلون طوال الحرب وبعد الحرب. قال للبنانيين في خاتمة ذلك الكتاب، إن ليس لهم مصلحة في الانفكاك عن محيطهم لأن هذا المحيط هو ميدان تألّقهم (المصدر نفسه: 161).
«بيت بمنازل كثيرة» هو كتاب على حدة، وهو صرخته الأقوى أمام ما كان يشهده من تدمير للبنان. الجزء الأول من الكتاب رسم للإطار الذي يوجد فيه هذا الأخير كجزء من المشرق العربي، ومحاججة تُظهِر أن الاستعمار هو من أنشأ الكيانات الوطنية الخمسة في هذا المشرق، مع فارق أن إصرار بعض اللبنانيين على أن الكيان الذي تم إيجاده ليس مصطنعاً، مثله في ذلك مثل غيره، كان يؤلّب العرب ضده. كان إنشاء لبنان الكبير قد اقتضى إلحاق الهزيمة بجيش الملك فيصل الأول في دمشق. تحتفل سوريا كل عام بذكرى ميسلون التي شهدت التصدي ولو بشروط غير متكافئة للجيش الفرنسي الآتي لاحتلال دمشق.
والكتاب سرد للوقائع وإضافة لوقائع لم تُعرض سابقاً، وهو في الوقت عينه شرح للأفكار وكيفية استخدامها من قبل الفرقاء كلهم. خصص فصولاً لعرض الوقائع وأخرى بكاملها للأفكار ومضمونها واستخداماتها. عاد بإسهاب إلى موضوع الخلاف على الهوية الذي طبع نشأة الكيان، وسبق أن عالجه في «تاريخ لبنان الحديث» (الصليبي، 1965: 263-281). عيّن قوتين اجتماعيتين جسدهما القائلون بالعروبة وبالخصوصية اللبنانية وصراعهما بلا هوادة عبر ممثليهما من الموارنة والسنّة كأحد أسباب إخفاق الكيان. وضع اللوم على المسيحيين الذين اخفقوا في تسويق فكرة لبنان قائلاً «لو كان مفهوم الهوية الوطنية اللبنانية كما قدمه الموارنة مفهوماً وطنياً صحيحاً، موضوعاً بشكل عقلاني وواقعي ضمن الاعتراف بعروبة البلد أساساً، لكان هناك مجال لنجاحه قواماً لدولة لبنانية مقبولة لدى جميع اللبنانيين» (الصليبي، 1989: 78). حمّل أيضاً حاملي فكرة القومية العربية جزءاً من المسؤولية، لجهة استخدام بعضهم هذه الفكرة للسيطرة على الآخرين، واستساغتهم حرب الأعصاب التي دأب اللاعبون اللبنانيون على ممارستها ضد بعضهم البعض. تعطي الفصول المخصّصة لصراع الأفكار صورة كالحة عن أهل السياسة في لبنان، وترسم صورة محزنة له، بعكس الفصول المخصّصة للوقائع التي تحتفل بمكوّنات لبنان.
أضاف بشأن الموارنة محاججته الشهيرة ضد التاريخ المفبرك لهم على يد البطريرك الدويهي الذي انتزع منهم عروبتهم (المصدر نفسه: 114-119)، وقصة البابا يوجين الرابع مع البطريرك يوحنا الجاجي في 1444، واقتناعه أن الموارنة «وهم من الفلاحين المساكين ورعاة الماعز» هم «الشعب الوحيد بين طوائف الشرق الذين لا يجوز إهماله بأي صورة من الصور» (المصدر نفسه: 107)، ودور إبن القلاعي في رص صفوف الموارنة ضد اليعاقبة (المصدر نفسه: 110). وميّز عند الدروز بين ملتزمي الجباية الأمراء، أكانوا معنيين أم شهابيين، وبين الزعماء العشائريين الذين كانوا أصحاب السلطة الفعلية على الطائفة (المصدر نفسه: 163). وأخذ مسافة من التاريخ الرسمي الذي يرى الأمير فخر الدين المؤسس الأول للدولة اللبنانية، مع إنصاف هذا الاخير. وقد أوفاه حقه كشخصية استثنائية متنوّرة. وهو الذي يعود إليه تحديث الزراعة اللبنانية وإحياء لبنان كمركز لإنتاج وتصدير الحرير ورعاية «التكافل الذي قام بين موارنة كسروان ودروز الشوف»، الأمر الذي سمح للأمراء الشهابيين بـ»جمع جبل لبنان تحت تراتب هرمي إقطاعي حتى 1841» وأتاح لاحقاً أن يكون جبل لبنان نواة لبنان الكبير (المصدر نفسه: 166-168). ورأى أن هدم تمثاله في مسقط رأسه بعقلين خلال الحرب عبّر عن رفض الدروز تمجيده من قبل «المؤسسة الحاكمة المسيحية» لأغراض سياسية، ولم يعكس موقفاً منه (المصدر نفسه: 250). وقال إن المقيمين الأوروبيين في بيروت التي أصبحت منذ الإمارة الشهابية مرفأ الداخل الشامي «كانوا يأنسون لحسن المعاملة من الأهالي بخلاف أي مكان آخر من البلاد العثمانية» (المصدر نفسه: 205). وقال إن الجامعة الأميركية في بيروت اشترت أراضيها من مشايخ آل تلحوق الدروز (المصدر نفسه: 207). وسجّل «إنجازات علماء جبل عامل التي حظيت بتقدير كبير في جميع أنحاء العالم الإسلامي الشيعي» (المصدر نفسه: 256). وأوضح مجدّداً دور المثقفين الملكيين الأرثوذكس والكاثوليك في العمل من أجل الفكرة القومية العربية (المصدر نفسه: 68).
أفرد الصليبي فصلين كاملين لمناقشة فكرتي «لبنان الملجأ» و»لبنان الفينيقي» اللتين استخدمتهما جماعة «الخصوصية اللبنانية» لفصل لبنان عن محيطه. أقام محاججة مع أطروحات الأب لامنس بأفضل مستوى. تظهر محاججة لامنس ضد الإسلام متحيّزة ومن دون أسس علمية لها. وفي نهاية المطاف، لجأ الموارنة إلى لبنان هرباً من البيزنطيين بعد أن «كانوا من مأمن داخل الشام في ظل الحكم الإسلامي لأكثر من ثلاثة قرون (...)». ولا يظهر أن ثمة لاجئين إلى «لبنان الملجأ» سوى الروم والأرمن الكاثوليك هرباً من الأرثوذكس في طائفتيهما، والملكيون والدروز هرباً من الوهابية (المصدر نفسه: 176 و189).
يفنّد الدكتور الصليبي مقولات مدرسة «لبنان الفينيقي» واحدة واحدة مظهراً افتقادها الحد الأدنى من القدرة على الإقناع. وهي نشأت من حاجة «المؤسسة المسيحية الحاكمة إلى مقولة توفّر مسوّغاً تاريخياً لوجود لبنان مستقل عن سوريا والعروبة (...)»، وكان المطلوب في نهاية المطاف أن توفر أيضاً ما يبرّر لميشال شيحا وأمثاله أن يكون لبنان مستودعاً ومركز مال وخدمات (المصدر نفسه: 214-224).


تعيين المسؤوليات عن الحرب

قال الدكتور الصليبي إن سبب وجود هذه الخريطة المتعدّدة الألوان هو «قدرة أهل البلاد العجيبة على التكيّف وميلهم إلى العيش المشترك والمتسامح فيما بينهم، على اختلاف مذاهبهم (...)» (المصدر نفسه: 56). قال إن الدروز والشيعة اعتبروا المسيحيين عرباً مثلهم «بغض النظر عما اختاره هؤلاء المسيحيون من أهواء في تعريف أنفسهم» (المصدر نفسه: 257). وجود هذه الخريطة واستمرارها عبر الزمن هو مصدر إعجابه بلبنان ولهفته عليه. وقد أراد بكتابه بعد خمسة عشر عاماً من الحرب، أن يذكّر اللبنانيين أنهم شعب له شأن، وأن لديهم بلداً يجدر بهم الدفاع عنه.
حمّل الدكتور الصليبي النخب المحليّة مسؤولية الدمار اللاحق بلبنان. أما المسؤولية الثانية فهي مسؤولية الخارج. ركّز على «العشائرية» بوصفها الأساس في المشكلة منذ البداية، وطغت في تعريفه للنخب فئة «الزعماء العشائريين» (المصدر نفسه: 210). لكن هذه الفئة ليست المكوّن الوحيد للنخبة. استمد الزعماء سلطتهم من علاقات الاستزلام التي أقاموها مع ناخبيهم، أي من موقعهم كـ»رؤساء شبكات محاسيب» عوّلوا على تبادل المنافع أكثر مما عوّلوا على علاقات القربى والدم وعلى التقليد.
وليس «الزعماء العشائريون» من وضعوا أسس السياسة الاقتصادية للبنان منذ المتصرفية وحتى اليوم. كان الثلاثي ميشال شيحا وحسين العويني ورينيه بيسون من وضع أسس السياسة الاقتصادية القائمة على انسحاب الدولة من أية مسؤولية تنموية، وماشاهم الزعماء التقليديون في ما ذهبوا إليه. وهي نقيصة هؤلاء الزعماء وما يؤخذ عليهم بشكل خاص. كانت «الطبقة التجارية» كما سماها اقتصادي السفارة الأميركية في أول الخمسينيات صمويل رافّ، المكوّن الأهم للنخبة. هذه النخبة وارتباطها بالخارج من موقع التبعية هما ما حدّدا خيارات لبنان منذ مطلع الاستقلال وفشله التنموي وهجرة أهله.
وكل هذا يدفع إلى محاججة الصليبي في الصورة الجميلة لبيروت التي منها «جاء التقليد «المشرقي» الحضاري والمتحرّر الذي انصهر تدريجياً مع بدائية الجبل في بوتقة لبنان الكبير ونجح بين الحين والآخر في الحد من سلبيات هذه البدائية» (المصدر نفسه: 208). وبين 1965 و1989 لم يتغيّر شيء في موقفه الإيجابي بدون تحفّظ من دور بيروت. فالعلاقة بينها وبين الجبل المنتج للحرير كانت علاقة تكامل، وهي لم تكن فقط نقطة «تصب فيها تجارة الغرب مع بلاد الشام»، بل الأهم من ذلك أنها كانت مركزاً رئيسياً للتعليم الغربي ومستودعاً «للأفكار الغربية المتحرّرة في العالم العربي» (المصدر نفسه: 209). لكن الحقيقة الأخرى التي لا يمكن إهمالها هي أن الريف منذ منتصف التاسع عشر وخصوصاً خلال القرن العشرين، كان ضحية الدور الاقتصادي المعطى لبيروت ونخبها.
وفي الفصل العاشر من كتابه «بيت بمنازل كثيرة» الذي خصّصه لوصف السجال السياسي الداخلي قبل الحرب، وصف مواقف المطالبين بالعلمنة السياسية وأولئك المطالبين بالعلمنة الشاملة بـ»النفاق والمخادعة»، وبأن دوافع الفرقاء كانت غير ما يظهرونه، وتحدّث عن انحدار السجال ووصوله مطلع السبعينيات إلى مستوى الشجار العام (الصليبي، 1989: 244). لا يمكن فهم أسباب وصول الأمور إلى ذلك الدرك، إذا لم يُصر لإيضاح الأسباب التي جعلت شرعية الدولة تسقط إلى الحضيض. وهي آنذاك لم تتنكّب لمسؤولياتها الاقتصادية والاجتماعية، ولم تصن سيادة لبنان.
تظهر مسؤولية الخارج واضحة في الوقائع المنثورة على امتداد «مفترق الطرق إلى الحرب الأهلية» لعام 1976، بدءاً من عام 1964 وصولاً إلى الأشهر الأولى من 1975 والسنة الأولى من الحرب. تظهر دول عربية ضالعة في التحضير لما كان سوف يجري وما حصل بالفعل، من خلال التأثير الذي مارسته في الممسكين بالحكم وعلى القوى السياسية المحلية. ولقد كان من افتعلوا الحرب الأهلية أقرب إلى أحزاب سياسية حديثة طائفية الطابع، ومنفّذة لمشيئة الخارج. اتهم الدكتور الصليبي في نهاية ذلك الكتاب العرب بجرّ لبنان إلى «أوحال الحرب الباردة العربية»، وبأنهم استخدموا من دون رادع الخلاف الداخلي للتعبير عن مشاريعهم والدفاع عن اصطفافاتهم (الصليبي، 1976: 160-161). قال إن الأكثر عقلانية بين الزعماء المسيحيين كان يمكن أن يقبلوا بإعادة صوغ «الميثاق الوطني» بحيث يتضمّن تنازلات في ما يخص الانتماء العربي للبنان، لكنهم كانوا يفضّلون «التقسيم» على إعادة صياغة له تتضمّن الأخذ بمطالب الراديكاليين (الصليبي، 1976: 145). هنا يكمن دور الخارج في تعبئة النخب ودفع الاستقطاب الداخلي إلى درجة الصدام.
وفي الخاتمة التي أضافها إلى الطبعة الثالثة بالفرنسية لكتابه «تاريخ لبنان الحديث» الصادرة في 1988، عاد مجدّداً لتأكيد دور الخارج، وعيّن سببين لمحنة لبنان المستمرة آنذاك: الحرب الباردة والحرب الباردة العربية، حيث الأولى فاقمت التعارض بين اللبنانيين، والثانية جعلت كلفته باهظة (الصليبي، 1988: 318). ولعله أراد بخفر أن يتّهم السياسة الخارجية للولايات المتحدة والسائرين في ركابها ومنفذي مشاريعها من العرب بالمسؤولية عن استمرار مأساة لبنان. وقد تفاجأ القراء ممن لا يعرفونه بما قاله في المقابلة معه المنشورة في النهار في 7/ 10/ 2008، التي عبّر فيها عن رفض قاطع لممارسات الإدارات الأميركية المتعاقبة تجاه الشرق الأوسط. وهو ما لم يعهده منه القرّاء في السابق. ولعل حدة ما قاله الدكتور الصليبي في شأن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم، هي نتيجة إدراكه لدورها في الحرب الأهلية اللبنانية منذ 1975. وهو إدراك كظمه وسكت عليه سنين طوالاً. بل جاء ما قاله كمن يزيل عبئاً عن كاهله وفي صيغة وصيّة سياسية.


ملاحظة ختامية

لم يعد الدكتور الصليبي للكتابة عن لبنان بعد 1989، وانشغل بموضوعات أخرى. أردت الوقوف على رأيه في آخر أيامه، من خلال «حواراته» (أبو فخر، 2012). تضمّن كتاب الصديق الكاتب صقر أبو فخر مزيداً من الوقائع. لكنه جاء تحت ستار نقد الرواية «الرسمية» لتاريخ لبنان أو بعض مروّجيها، بصيغة الازدراء لكل ما تطرّق إليه. تنضح العدمية من ثنايا الكتاب. ليس في هذا شيء من روح كمال الصليبي وقلبه الكبير والمحب، الذي بنى به عمارته لتاريخ لبنان. روى الراحل الكبير طيلة عمره ما رأى أنه قصة نجاح لا قصة فشل.
* باحث لبناني

المراجع:
Courbage Youssef, Philippe Fargues, Chrétiens et Juifs dans l’Islam arabe et turc, Payot, Paris, deuxième édition, 1997 , 345 pages.
Makdisi Ussama, The culture of sectarianism: community, history, and violence in nineteenth-century Ottoman Lebanon , Berkeley, CA : University of California Press, 2000.
Poliak N. A., Feudalism in Egypt, Syria, Palestine, and The Lebanon, 1250-1900, The Royal Asiatic Society, London, 1939.
Poliak N. A., “ The Demographic Evolution of the Middle East: Population Trends since 1348”, in Palestine and the Middle East , Vol X, n. 5, 1938.
Salibi Kamal, “The Muqaddams of Bisharri: Maronites Chieftains in the northern Lebanon, 1382-1621”, in Arabica , 15, 1968, pp. 63-86.
Salibi Kamal, Crossroads to civil war: Lebanon, 1958-1976 , Caravan Books, 1976, 178 pages.
Winter Stefan, The Chiites of Lebanon under Ottoman Rule , 1516-1788 , Cambridge, UK: Cambridge University Press , 2010, 274 pagesو .

ألبر داغر، " عروبة الموارنة "، الاخبار، 21 نيسان 2010 ؛ أعيد نشرها في: ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، بيروت، دار الطليعة، 224 صفحة، ص. 52 – 58.
صقر أبو فخر، الهرطوقي الحكيم : حوار مع كمال الصليبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012، 195 صفحة .
كمال الصليبي، "حوار" ضمن محور "قضايا النهار " بعنوان : "هل سقط المشروع الأميركي في المنطقة؟"، النهار 7 /10 / 2008.
كمال الصليبي، الموارنة – صورة تاريخية، "ملف النهار"، 50 صفحة، 1970؛ الطبعة بالإنجليزية، دار نلسن، 2011.
كمال الصليبي، بيت بمنازل كثيرة : الكيان اللبناني بين التصور والواقع، مؤسسة نوفل، 1989، 312 صفحة.
كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، الطبعة الأولى، 1965؛ الطبعة الثالثة (بالفرنسية )، بيروت، دار نوفل، 1988، 349 صفحة .
كمال الصليبي، منطلق تاريخ لبنان، بيروت، دار نوفل، 1979 ، 213 صفحة