مثّلت مجازر شنكال ذروة الارتكابات التعريبية التكفيرية على يد «داعش» وأخواتها بحق الكرد، والمتواصلة منذ عامين في غرب كردستان (كردستان سوريا)، ومنذ أكثر من شهرين في جنوب كردستان (كردستان العراق). فشنكال هي حلبجة الثانية... حلبجة القرن الحادي والعشرين حيث آلاف مؤلفة من الضحايا والجرحى والمفقودين والمختطفين وسط صمت عربي وإسلامي مطبق يعيد الى أذهاننا الصمت التواطئي مع نظام صدام حسين حيال مجزرة حلبجة وحملات الأنفال السيئة الصيت.


فبعد أكثر من ربع قرن على تلك المجازر والمذابح التي شكّلت إبادة جماعية موصوفة، ها هو التاريخ يعيد نفسه، ولتبعث تلك المجازر حية على يد تحالف داعش وبقايا البعث. وتتجسد مجدداً واقعاً في شنكال، حيث ما يحدث في ألطف توصيف جريمة ضد الانسانية كاملة الأركان؛ فالقتل والخطف والذبح على الهوية في محاولة محمومة لكسر رمزية شنكال الكردستانية بأبعادها التاريخية والثقافية والدينية. فهؤلاء إذ يستهدفون شنكال بهذا الشكل الوحشي إنما يحاولون اجتثاث التاريخ والهوية والوعي والذاكرة في كردستان.
هي حملات إبادة جماعية نعم، لكن ثقافية وهوياتية أيضاً ترنو إلى الاستئصال الكلي وطمس كافة معالم الوجود القومي والديني والثقافي في شنكال خاصة، وفي عموم كردستان.
وقبل كمّ الألم الهائل على خلفية الفظاعات المهولة الناجمة عن غزو شنكال من قبل قطعان داعش البعثية ــ القاعدية، جاء الانسحاب الغريب لقوات البشمركة منها (الأمر الذي أثار وما زال علامات استفهام كبرى، وخاصة أن داعش منذ نحو شهرين، هي على تخوم شنكال). والقاصي والداني يعرف أن «داعش» يتربص بها لأهميتها الاستراتيجية والرمزية، لكن في هذه اللحظات الصعبة حيث ثمة جبهة حرب مفتوحة ضد كردستان على امتداد أكثر من ألف وخمسمائة كيلومتر من عفرين في أقصى غرب كردستان الى خانقين في أقصى جنوب كردستان، ليس من الحكمة، أقله الآن، الخوض في خلفيات ذاك الانسحاب، إذ ينبغي العمل اليوم على ترجمة التوحد العسكري الكردستاني في ميادين المقاومة، حيث تتعانق بنادق وحدات حماية الشعب (YPG) وقوات الدفاع الشعبي (HPG) وقوات البشمركة، من شنكال الى جلولاء، الى توحد سياسي مؤطر استراتيجياً، وهذا وحده المؤتمر القومي الكردي المعطلة أعماله منذ الصيف الماضي كفيل بتحقيقه وإنجازه.
ومن هنا، ما يحدث في شنكال حرب وجود كردستاني، وهي خندق الدفاع الأول عن كلتا التجربتين الديموقراطيتين في جنوب كردستان وفي غربها، إذ ليس سراً هنا أنّ أحد أبرز أهداف احتلال شنكال هو تضييق الخناق على تجربة الادارة الذاتية الديموقراطية في روج آفا ــ غربي كردستان (كردستان سوريا) وإقامة جدار عزل داعشي بينها وبين جنوب كردستان.
ولا ريب في أن أكلاف الهولوكوست الداعشية في شنكال كانت أضعافاً مضاعفة لولا تدخل وحدات حماية الشعب التي سارعت إلى ملء الفراغ الناجم عن انسحاب قوات البشمركة، ولتلحقها قوات الدفاع الشعبي الكردستاني، إذ ساهمت وحدات حماية الشعب ليس فقط في حماية الناس وتأمين ممرات آمنة لهم الى روج آفا حيث نزح أكثر من مائة ألف عبر تلك الممرات، بل وهذا الأهم هو دعمها لتأسيس وحدات مقاومة شنكال التي تنتظم الآن مع وحدات حماية الشعب وقوات الدفاع الشعبي في إطار القوات الكردستانية المشتركة المقاتلة ضد الغزو الداعشي، وتشهد انضماماً متعاظماً من الشنكاليين إلى صفوفها، وليس في استعراض ذلك أي منّة أو تكرّم بل هو واجب أدته وستؤديه روج آفا ووحدات حمايتها.
ففور احتلال داعش للموصل قبل نحو ثلاثة أشهر، سارعت تلك الوحدات الى الإعلان الرسمي عن أنها تقف في خندق واحد مع جنوب كردستان في وجه الإرهاب الداعشي رغم محاولات بعض الجهات السياسية والاعلامية في هولير (أربيل) حجب شمس دور تلك الوحدات الساطع في التصدي لداعش ومقارعته من ربيعة الى شنكال بغربال مهلهل.
* كاتب كردي