ها هو الشيخ الجليل يستعرض الآيات المحكمات من القرآن الكريم ويتبعها بأحاديث صحيحة مؤثرة تتحدث عن الدين ومقاصده في حفظ النفس وحفظ الدين والعرض والمال. بقي يتحدث طوال أكثر من نصف ساعة بكلام جامع مانع من صلب الإسلام السمح المعتدل لا يأتيه الزلل والوهن مطلقاً.

بعد قليل بدأ الرجل يتحدث عن قضية السلطان المتغلِّب وأحكامه في الإسلام فوضح مباشرةً أنه من معارضي ما حدث للإخوان المسلمين في مصر وكل الفتاوى الإسلامية التي دعت إلى العودة للسلم الأهلي وحقن الدماء بعد تغلب نظام الدولة الجديد في مصر على حكم الإخوان فيها.

الشيء الغريب الذي استعرضه الشيخ الجليل بعد أن كشف عن ميوله الإخوانية بعد النصف ساعة الأولى أن طرح مثاله المفحم في قضية السلطان المتغلب والمتحكم الذي قذفه في عيون جمهور المشاهدين كدليل دامغٍ لحجته وناقض لكل التراث الإسلامي عن السلطان المتغلب بكل أدلته التي يُشتبه بها أن الإسلام يدعو إلى موالاة الظلمة وعدم الوقوف في وجه الطغاة نصرةً الحق، فقال: لنفترض أن نتنياهو جاء واحتل مصر وأصبح سلطاناً متغلباً، فهل نقبل به كمصريين ومسلمين كما يقول مفتوناً وكثير من رجال الأزهر من مشايخ السلطة في مصر وأن لانقوم عليه خوفاً من الفتنة وحفظاً للدماء والأعراض والأموال والديار؟!
الشيخ الإخواني على ما يعلمه من حفظ الآيات والأحاديث الصحيحة وعندما تدخل مصلحة الأحزاب والفرق يتوه ويتخبط ويدخل رأسه بعمته الحمراء في إسقاطات وتطبيقات أحكام في أمور لا ينبغي أن يقع فيها مبتدئ في دراسة الدين الإسلامي، فيصبح نتنياهو سلطاناً مسلماً متغلباً في مقابل حاكمٍ من أهل مصر قام إلى حكم الإخوان فنقضه عبر ثورةٍ كتلك التي أسقطت حاكمهم الأول.
ويصبح على لسانِ الشيخ ومثالِه جهادُ الدفع المفروض من صحيح الدين الإسلامي في بلاد المسلمين ضد العدو الجائر المغتصب للأرض والعرض مشابهاً لوقوف الناس المسلمين والمسالمين وأهل البلد الواحد في جبهات متقاتلة متقابلة بحجة إسقاط «الطاغية» وتداول الحكم، بل يعتبر أمراً واحداً يدلل على فكرة واحدة.
ببضعة كلماتٍ يُحلّلُ سفكُ الدماء بديار الإسلام والسلام ويتحول قتالُ الفتنة بين أهالي البلد الواحد إلى جهاد دفعٍ وفريضةٍ واجبةٍ على كل شخص ويتحول المحتلُّ الغازي إلى سلطان مسلم متغلِّب. وتنتهك مقاصد الدين ذاتها ويصير نقضها وتمريغها بالوحل والدماء فرضاً إسلامياً واجباً.

■ ■ ■


وهنا يتدفق كلامٌ كثيرٌ كشلالات لا توقف عن الهدير وكبراكين حسرة حارة لاتُلجمُ عن إطلاق حممها النارية المستمرة لما حدث ويحدث في بلاد العرب والمسلمين:
فيصبح إسقاط حاكم [حتى وإن كان كافراً وظالماً] مُبرَّراً شرعياً حتى لو لم يبق شيءٌ من مقاصد الشرع، فتقتل الأنفس، وتنتهك الأعراض، ويُخرج الناس من بيوتهم وأرزاقهم، ويضيق على شعائر الدين أو تعطل. وهنا مجال واسعٌ لوصف مآسٍ لاحصرَ لها من بلداننا، مآسٍ تقع كلَّ يومٍ بل كلَّ ساعةٍ بل في كل دقيقة فتطرح لنا جريمة هنا أو مجزرة هناك، مظلمة هنا وكارثة هناك.

إن تحويل جهة
النقد والحقد من الكيان الصهيوني إلى مصر
يعدّ كارثةً سلوكية

ويُكفّر المسلمون لأسباب مختلفة (تكفير بالظن والشبهة والتكفير بالحدود وغيرها) حتى أصبح أخطرها وأصعبها وأشدها تعقيداً وانتشاراً في هذه الأوقات هو التكفير بالوقوف مع الظالم ومعاندة الحق [أيُّ حقٍ وأيُّ ظلمٍ فلكلِ واحدٌ حقُه وظلمُه الخاص في زمن الفتن والحروب بين الجموع]. وماذا عن تاريخنا المُتخم والمتروسِ ترساً بالوقوف مع الظالمين، وماذا عن المُلْكُ العضوض الذي يستثني ثلاثين سنة فقط من تاريخنا هي فترة الخلافة الراشدة، وبعدها تحول إرثنا وتاريخنا - نحن المسلمين - ملكاً عضوضاً، مَلِكٌ يتسلم عن ملِك أو يدفنه قبل ذلك ويغتصب الحكم منه، وهل توارث السلطة ملِكٌ عن ملِك هي من صلب الإسلام أصلاً!
ولماذا لا يُعتبر توارث السلطة بهذه الطريقة بدْعةً مُضِلّةً وأمراً مُحدَثاً في الدين تدخل أصحابَها النار، وأسئلةٌ كثيرة أخرى (راجع مقال الشيخ ماهر حمود، «الشعار الإسلامي الكبير: لماذا وكيف؟») تجعل من يطرحُها معذوراً يجب أن تشمله رحمةُ وسماحةُ الدين الإسلامي، لا فهماً حزبياً قاصراً يناقض منهج الإسلام ذاته إن تاريخياً أو منهجياً أو اجتهادياً، فينتقل الإسلام من رحابة البحر الواسع الذي يقبل كل الاجتهادات العقلية بالإضافة إلى مفهوم النقل النصي وعلوم الظاهر إلى دين جديد لا نعرفه، مشابه لحدِّ السيف أو بدقة الشعرة، لا يتسعُ إلاّ لمن يُعرفون بأشكالهم وهيئاتهم فقط، وبفهم واحدٍ أوحد، بشكل يتعارض مع تعدد أشكال البشر واختلافهم ظاهرياً وباطنياً وبشكل يعارض اختلاف مداخل الهداية والترقي في الإيمان إلى أرواحهم المتفردة.
فمن ذا الذي قرر أن الله يهدي كلّ البشر بذات الأسلوب والطريقة! وقد قيل أن طرق الإيمان والهداية إلى الحقِّ بعدد أنفاس البشر، وقد يخصّ ربُنا المبدع الحكيم المصور طريقاً خاصاً لكلّ روح وأسلوباً مميزاً لكلّ نفس وهذا ما يثبتهُ الواقع كلّ يوم، فللعالم المفكر طريق وللشاعر طريق ولكلّ طريقه الخاص بحسبَ عمله وعقله ومهنته واختصاصه وبحسب عوامل متعددة ليس لها أول وليس لها آخر.

■ ■ ■


اليوم بالذات يقف الإخوان المسلمون مع صمود غزة ودفاعها البطولي الأسطوري الشريف ضد عدوان الكيان الصهيوني عليها. لا شك في أنه موقف تشاركهم فيه كل جماهير وشعب الأمة والمنطقة عدا أولئك الصهاينة «العرب» من الحكام والأنظمة وبعض النخب الفكرية الغاطسة في براميل النفط العربي والتي دوخت عقولها انبعاثاتُ الغاز.
لا شكّ أن موقفاً كهذا يُشرّف كلّ من يحمله ويجعله أكثر قيمةً، لكن أن تتحول غزة ومن أمامها وخلفها فلسطين إلى طقوس تبرئة وتطهير، وتصبح شواطئ غزة الدامية المتعبة حمامات اغتسال ذمم وتبيض سير، فذلك أمرٌ غير مقبول، فلطالما اعتادت فلسطين المسكينة هذا الزيف وكانت طقساً شعارتياً حماسياً مربحاً للدول والأنظمة والأحزاب والنخب وحتى لشعوب المنطقة من دون أن يحقق كلُّ هؤلاء شيئاً مهماً يُسجل في سفْرِ فلسطين.
يستعرض الإخوانُ الظلمَ الفادح الواقع على غزة [وهو بالفعل واقع مهين لكل الأمم وللإنسانية جمعاء]، لكنهم وفي تصويرهم الظلم والعدوان الواقع عليها، كادوا يستخدمون أسلوب الشيخ الإخواني ذاته، فلا يهمهم من تلك الصورة الكارثية التي ينقلوها من ساحات القتال المحاصرة والمقاومة البطولية في غزة سوى توجيه الاتهام والعداء للحكم الجديد في مصر، ولقطاعات الشعب المساندة له، وهي كما بدا ويبدو خلال الفترة الماضية بعد عزل الرئيس السابق ليست بالقليلة مطلقاً وتُعدُّ بالملايين من المصريين.

■ ■ ■


وهنا يجب الاعتراف أني لستُ مغرماً بهذا الحكم الجديد، ولن أكون أحدَ المطبلين له، طالما أنه يشكل امتداداً لثوراتٍ مشبوهةٍ ناقصةٍ مشوهةٍ متناقضة، احترمت كلها من دون استثناء - بما فيها حكومة الإخوان - المواثيق الدولية في المعاهدات الإقليمية خاصة معاهدة كامب ديفيد وبقاء السفارة الإسرائيلية في القاهرة.
وهنا يتبادر للذهن مباشرةً سؤال يدبّ في الرأس دبيبَ النمل حتى لا يترك تلفيفاً دماغياً في فصوص الدماغ إلا ويدخله ويسافر فيه رحلة تمسح كل تضاريسه جيئةً وذهاباً، السؤال صغير وبسيط وهو يتراقص بأحرفه أمامي بعد أن خرج للتوِّ من الفص الجبهي:
لماذا لم تكن ثورات مصر الأخيرة في السنوات الثلاثة قادرةً على إلغاء اتفاقية كامب ديفيد وإغلاق السفارة الإسرائيلية؟!
وإذا كانت ثورتان متضادتان استخدمتا الذرائع نفسها في احترام القوانين الدولية بالنسبة للمعاهدات الإقليمية، فما الذي تحتاجه مصر حتى تلغي اتفاقية كامب ديفيد ولتغلق سفارة الكيان؟!
هل تحتاج زلزلاً أم طوفاناً كطوفان نوح أو ربما تنتظر خوفاً من انشقاق البحر وعودة بني إسرائيل إليهم ثانية.
هذه مشكلة مصر كلِّها و تحديها على الدوام، لم يفلح منها حزبٌ ويضم الركب الفاشل الجميع، الإسلاميين أصحاب الشعارات الكبيرة وسياسات التمكين والليبراليين والحزبين التقليديين وفئات كثيرة إلاّ من رحم ربي ودعم المقاومة الحقّة المرابطة حول بيت المقدس.
مصر الحاضرة يا اخوتي تفضل التنمية والعيش على قضايا الأمة الكبيرة وفلسطين وهي ستأخذ وقتاً طويلاً للاستفاقة من جديد للحفاظ على أمنها القومي ولمواجهة أعدائها القاطنين على تخومها القريبة.

■ ■ ■


إن تحويل جهة النقد والاتهام ثم الحقد والكره والاستعداء من الكيان الصهيوني [الذي يقوم بالعدوان على غزة وفلسطين] إلى داخل مصر وتخصيصها هذا الحقد والاستعداء الشديد المكثف لأهلهم المصريين من قطاعات داعمة للحكم يعدُّ كارثةً سلوكية وعمى فكرياً منهجياً يكادُ لا يصدق ولا يعقل يصيب إخوانجية مصر فيحتار المرء في وصفهم بين الخيانة والمؤامرة أم بين الكفر والضلال، غير أننا لا نعمل وكلاء وقضاة لربنا في ملكوته بل نقتصر على ما قد علِم. يشبه هذا استخدام نصوص القرآن المحكمة في القتال مع المشركين الكفرة في ساحات المعارك وتطبيقها بين جموع المسلمين والأمينين بينهم في حاراتهم ومدنهم وبلدانهم المسالمة.
شيء مكرر من العبث والفوضى الفكرية المذهلة والتي تجتاح العالم العربي والإسلامي هذه السنوات، سنواتِ «الفوضى الخلاقة».
تصرفُ الإخوان يشبه كثيراً تصرفَ «الجهاديين الجدد» في فشلهم في فهم فقه الأولويات وسدِّ الذرائع والخطأ المبين في تمييز أعداء الأمة والدين ووجهات وجودهم، هل هم في فلسطين والأراضي المغتصبة أم هم في ديار العرب والمسلمين! خلل التوجه والاتجاه هذا طالما سمعت عنه مثالاً طريفاً إذ أن أهل مصر منذ زمن طويل ابتليوا بداء البلهارسيا وكانت النصيحة الطبية الذهبية للقضاء على هذا المرض الذي ينتقل عبر ماء المستنقعات والترعات الملوثة ببول المصابين بالمرض، هي الطلب من المصريين الذين يريدون أن يبولوا أن يغيروا وجهتهم وبدلَ أن يتجهوا إلى الترعة لقضاء البول أنه يجب عليهم أن يستديروا عكس جهة الترعة ويفرغوا ثمالتهم بعيداً من الماء.
الشيء الذي لا يحدث في مصر ويستمر داء البلهارسيا مستنزفاً الدماء من أجساد المصريين ويقضي على الكثير منهم وتظل المستنقعات والترع المصرية موبؤةً ومليئةً ببيوض البلهارسيا. وتستمر نصيحة تطلق في الفضاء كلَّ يوم يعرفها كلُّ المصريين «دير ضهرك للترعة» ولا من مستجيب.
* كاتب سوري