(إلى عائلة سيف)

يبدو المجتمع المصري وكأنه قد «تجاوز» حالة الاستقطاب التي حكمت سلوك الأطراف المختلفة بعد 3 يوليو 2013. الجميع يحاولون استقطابه وفرض حالة التعبئة عليه، وهو يمانع ربطاً بالحالة المعيشية التي جبّت كلّ ما قبلها من أحداث. في هذه الوضعية يصبح الانقطاع المتكرّر للكهرباء أهمّ بالنسبة إليه من احتجاجات الإخوان ودعمهم للتكفيريين في سيناء، ويغدو المحدّد الرئيسي للحكم على السلطة هو موقفها من الدعم الذي تتلقّاه الفئات الشعبية لا «حربها المتواصلة على الإرهاب».

السياسة هنا تتحدّد وفقاً لاحتياجات المجتمع لا العكس، وهذا الأخير لم يعد قادراً بفعل ظروفه الصعبة على مجاراة «النخبة» التي تتحمّل برأيه قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الاستقطاب الحالي، فهي قبل أن تتحالف مع الجيش ضدّ الإخوان، كانت متحالفة معهم «ضدّ المجلس العسكري»، وباستثناء قلّة قليلة وقفت ضدّ الجميع بقيت (الأكثرية داخل النخبة) تدافع عن مصالحها المرتبطة بالستاتيكو القائم بين الجيش والإخوان. وعندما كسر الستاتيكو في 30 يونيو 2013 حصل ذلك على حساب أكثرية المشاركين في موجة يناير، ورغم انتماء هؤلاء إلى «النخبة» أيضاً إلا أنهم ابقوا على ارتباطهم بالمجتمع وانحيازهم إلى فقرائه أكثر من غيرهم، فهم يحسبون على الطبقات الشعبية أكثر ممّا يفعل الآخرون ضمن تحالف 30 يونيو السابق (الأحزاب المدنية اليمينية مثل المصريين الأحرار والوفد و...الخ). ومن هنا بدا واضحاً أنّ هذه الشريحة هي الأكثر تضرّراً من الوضعية الحالية التي تستفيد منها السلطة ويكسب الإخوان بفضلها مزيداً من النقاط بوصفهم ضحايا.

الاستقطاب في خدمة الإخوان والسلطة

المجتمع حاليّاً لا يتعامل مع الإخوان كضحايا، مع العلم أنّ المجازر المرتكبة بحقّهم تتيح اعتبارهم كذلك. المسألة بالنسبة إليه لا تقاس بعدد الضحايا، بل بموقف الجماعة من الاستقطاب الذي يطحن الفقراء ويستفيد من موتهم اليومي. وبما أنّ موقفها ايجابي فهذا يعني أنها مستفيدة من الاستقطاب، لا بل تحضّ على تجذيره أكثر عبر عمليات القتل التي تغطّيها في سيناء (ومعظمها ضدّ مجندين فقراء) وباقي المحافظات. لم يعد التعاطف مع الإخوان ممكناً بعد هذا التحريض المتواصل على القتل، فهي - أي الجماعة - لم تعد تحضّ على كراهية السلطة فحسب وإنما على كراهية المجتمع أيضاً، وهذا بالضبط ما أضعف احتجاجاتها وجعلها تنحسر وتتقلّص شعبياً إلى الحدود الدنيا. وأضيف إلى هذا الضعف تضعضع الحامل السياسي للاحتجاجات (المتمثّل بتحالف دعم الشرعية ورفض الانقلاب) بعد خروج «حزب الوسط» منه لتغدو «الانتفاضة الاخوانية» مفتقرة ليس فقط إلى العمق الشعبي وإنما السياسي أيضاً.


يصطدم الثوريون
دائماً بالأولويات التي يضعها المجتمع لنفسه


«انتفاضة» كهذه لن يأخذها أحد على محمل الجدّ، وسيتعامل معها المجتمع الذي تكرهه وتحضّ على اقتتال أفراده وفقاً لحجمها الفعلي. وهو إذ يفعل ذلك - أي المجتمع - يعرف أنّ أداء السلطة ليس بأقلّ سوءاً وإنها لن تكون بديلاً أفضل من هؤلاء، فما يهمّها في هذه المرحلة هو المحافظة على الاستقطاب القائم بينها وبين «الجماعة»، إذ لا مصلحة لها في إنهائه، وان قرّرت تجاوزه فستصبح من دون قاعدة شعبية فعلية، على اعتبار أنّ مشروعها قائم بالأساس على مناهضة الإخوان والقطيعة معهم. هي تعمل الآن وتتقدّم بمشاريع طموحة (مشروع تنمية قناة السويس، مشروع المليون وحدة سكنية ... الخ) بالضبط لأن الاستقطاب يسمح لها بذلك، تماماً كما يسمح لها بتجاوز «الاعتراض الشعبي» على رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء و...الخ.
الدولة هنا بخلاف المجتمع تستفيد من «الانقسام» وتوظّفه في تأكيد انحيازاتها الاقتصادية، بحيث لا تلقى هذه الأخيرة اعتراضاً يذكر، وإذا اعترض أحد عليها (مثل حزب العيش والحرية الذي يقوده خالد علي أو الاشتراكيين الثوريين أو التيار الشعبي بقيادة حمدين صباحي) فسيكون اعتراضه بفعل الانقسام وآلية التحشيد التي ترافقه هامشيّاً وغير ذي صلة. على ضوء ذلك بدأت السلطة تستعيد المواقع التي خسرتها في صراعها مع المجتمع طيلة السنوات الفائتة، مستفيدة من نقمة الشارع على الإخوان والأحزاب الدينية الأخرى التي تدور في فلكهم. انتزعت في البداية من المجتمع حقّه في الاعتراض والاحتجاج (عبر سنّها لقانون التظاهر الذي حبست بموجبه مئات الشبّان والشابات المعارضين والمعارضات لها) مخالفة بذلك نصوصاً دستورية واضحة أقرّتها بنفسها عبر لجنة الخمسين التي وضعت مسوّدة الدستور الحالي. وحين خرجت أصوات تطالب بإلغاء القانون والسماح للناس بالتظاهر وفقاً لما أقرّه الدستور الجديد اعتبرت موالية للإخوان، وشنّت ضدّها حملة إعلامية شعواء لم تستثن أحداً من رموز ما سمّي بموجة يناير. السلطة كانت تدير العملية عن بعد من خلال الدعاية المسمومة، ولا تتدخّل بنفسها إلا حين تخرج الحملات الإعلامية التي تنافقها عن الحدود المرسومة لها. هكذا، أطيح برموز إعلامية تابعة لها ومعادية بقوّة للاحتجاجات (أماني الخياط، عبد الرحيم علي، نائلة عمارة، وأخيراً... توفيق عكاشة)، من غير أن ينعكس ذلك بالضرورة على سياساتها التي بقيت تعمل من ضمن آلية الاستقطاب والتحشيد ذاتها. لم تخسر السلطة كثيراً بخروج رموزها من المشهد طالما أنها ستكسب مواقع جديدة بفعل هيمنتها الكاملة على «العملية السياسية»، في حين أنّ المعارضة هي التي خسرت بفقدان مواقعها المكتسبة واحداً تلو الآخر. على اثر هذه الخسارة الفادحة بدأت تتكوّن لدى الثوريين والكتلة الاجتماعية الواقفة خلفهم قناعة بأنّ 30 يونيو كانت بالأساس فعلاً مناهضاً للثورة بموجتها الأولى. على هذه الأرضية حصل التقاطع مع قواعد الإخوان في الجامعات، وخصوصاً بعد انفجار قضية قانون التظاهر، وامتداداها نحو الجامعات المصرية المختلفة، بعدما كانت محصورة في قضية معتقلي مجلس الشورى.

علاء عبد الفتاح... مع المجتمع ضدّ الاستقطاب

أبرز المنظّرين لهذا المسار كان علاء عبد الفتاح، فالرجل اكتشف أنّ «العملية السياسية» ذاهبة بفعل الاستقطاب و»عمليات الإبادة» التي تحصل للإخوان كما يقول إلى حائط مسدود. وعليه بادر مع مجموعة من رفاقه الثوريين إلى محاولة كسر الاستقطاب القائم عبر إنشاء تكتّل أسموه «جبهة طريق الثورة- ثوار». حاولت الجبهة عبر تشكيلتها التي تضمّ يساريين وإسلاميين قريبين إلى اليسار (من حزب «مصر القوية» تحديداً الذي يقوده عبد المنعم أبو الفتوح) جسر الهوّة التي فصلت بين حلفاء الأمس، وركّزت في خطابها على معاداة السلطة حصراً. هي لم تتنازل تماماً عن مواقف يسارييها المناهضين لليمين الديني، ولكنها في الوقت نفسه لم تتعامل معهم كما تتعامل مع السلطة. المساواة بين الاثنين غير جائزة بالنسبة إلى هذا الجسم الذي حدّد منذ البداية وجهته، واعتبر أن السلطة هي التي تتحمّل المسؤولية عن المآل الذي وصل إليه المجتمع. طبعاً، اصطدم هذا الخطاب بالواقع أكثر من مرّة، وفي أكثر من مناسبة، رغم أنه يحاول مقاربة الواقع بأدوات جدلية ومختلفة عن السائد. لم يصطدم بالسلطة وحدها، وإنما بقاعدتها الاجتماعية العريضة، على اعتبار أنّ هذه الأخيرة ترفض حتى الآن التعامل مع الإخوان ولو على مستوى القواعد الجامعية. لاحقاً، اضطرّ علاء ومعه كثر في الجبهة وخارجها إلى التحرّك «بشكل فردي» فنظّموا تجمّعات اعتراضية على قانون التظاهر (تظاهرة مجلس الشورى الشهيرة)، وانتهى بهم الأمر إلى الاعتقال بتهمة خرق القانون والاعتداء على الممتلكات العامة و...الخ. بعد هذه السلسلة من الاعتداءات الأمنية التي طاولت لاحقاً نشطاء كثراً (أحمد دومة، ماهينور المصري، سناء سيف...) لم تعد ممكنة مطالبة المجتمع حتّى بالتضامن مع الثوريين ضدّ عسف السلطة، وهذا لا يعدّ انتصاراً للسلطة بقدر ما هو هزيمة للمجتمع الذي «أذعن لخياراتها»، واختار من بين الأولويات التي فرضت عليه أقلّها إيلاماً: «الحفاظ على الاستقرار».
في خطابهم يؤكّد الثوريون دائماً أهمية التضامن مع المجتمع في مواجهة السلطة، ولكنهم يصطدمون دائماً بالأولويات التي «يضعها هذا الأخير لنفسه». في هذه المرحلة التي «تشهد صراعاً يبيد فيه طرف طرفاً آخر» كما يقول علاء في رسالته التي أعلن عبرها إضرابه عن الطعام قد لا يكون إسقاط السلطة هو الأولوية. فالمجتمع قبل أن يسقط السلطة يحتاج إلى التعافي، والى انجاز تراكم اجتماعي واقتصادي يخرجه من حالة «الحرب» التي يعيشها من دون انقطاع. يسمّي علاء هذا التراكم الموجه ضدّ السلطة والإخوان معاً الحقّ في الحياة وكرامة الجسد وحرّية الفرد، ويعتبر أنّه الشكل الوحيد الممكن للنضال في ظلّ الاستقطاب والصراع الذي يطحن المجتمع المصري. يقول في رسالته التي سبقت وفاة والده أحمد سيف الإسلام بأيام: «... منذ اندلاع الصراع الدامي بين الدولة والإسلاميين عبّرت أكثر من مرّة عن ضرورة ألا ننخرط فيه. عندما تنخرط القوّة المحافظة المنوط بها تقليدياً التمسّك بالاستقرار في استقطاب وصراع لا تبدو له نهاية إلا بإخضاع أو إبادة طرف لآخر، عندها يكون دور المنحازين للثورة - في الغالب - هو محاولة فرملة المجتمع ووقف الصراع». ثم يردف: «لذا عبّرت أكثر من مرّة ليس فقط عن ضرورة الوقوف في وجه انتهاكات وجرائم الطرفين والانحياز للضحايا أيا كانت هويتهم، ولكن ضرورة أن ننأى بأنفسنا عن الصراع تماماً بألا نرفع مطالب إلا في حدود الحقّ في الحياة وكرامة الجسد وحرية الفرد، فاليوم مقوّمات الحياة نفسها مهدّدة...». قال هذا الكلام ومضى لدفن والده «الشهيد» الذي أورثه السجون والزنازين والصفاء الثوري الخالص.
* كاتب سوري