كثُرَ أخيراً تبادل التهم حول مَن يُعطل ويُضعف موقع الرئاسة الأولى في لبنان في عملية شد الحبال حول الانتخابات الرئاسية. ولكن ثمة عدم اكتراث لدى مَن يمارس هذه الاتهامات بالحقائق الموثقة حول كيف ضعف هذا الموقع وتلاشى منذ عقود. فالصلاحيات الواسعة التي تمتّع بها الرئيس الماروني في الماضي كانت هبة من المسلمين، وفق دراسات دستورية. إلا أنهم منعوه من استعمالها ووقفوا له بالمرصاد في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات حتى نزعوها عنه بموجب اتفاق الطائف عام 1989.

وأصبح الموقع الرئاسي اليوم كالوقوف على الأطلال، جديراً بقصيدة من المعلقات.

إلى أي مدى ساهم نزعُ صلاحيّات رئيس الجمهورية الماروني في الدستور في تحجيم الدور المسيحي ككل في لبنان؟ وهل كانت إشكالية موقع الرئيس تدور حول نصّ دستوريّ مكتوب أم حول شخصية الرئيس وقوّته أو ضعفه؟ ولماذا اختلف عهدا الرئيسين الياس الهرواي وإميل لحود من حيث نفوذ رئيس الجمهورية إذا كان الدستور قد أزال صلاحيات الرئيس عام 1989؟ وحتى قبل اتفاق الطائف، لماذا اختلف عهد كميل شمعون عن عهد بشارة الخوري وعهد سليمان فرنجية عن عهد شارل حلو في ظل نص دستوري لم يتغيّر؟

كيف حصل الموارنة على الصلاحيات؟

بدأت القصة في 1943، عندما كان البرلمان اللبناني يبحث في تعديل الدستور لإلغاء صلاحيات المفوض السامي الفرنسي. فطلب رئيس الحكومة رياض الصلح تحويل كل صلاحيات وموقع ومكانة المفوض السامي الفرنسي كما هي، إلى رئيس الجمهورية الماروني. وتوافقت القيادات الإسلامية، بتشجيع من وزير الخارجية المصري، على تجاوز كل ما من شأنه أن يشكّل عقبة في وجه استقلال لبنان عن فرنسا. خصوصاً أنّ أكثر من نصف المسيحيين، بدليل نتائج الانتخابات النيابية في جبل لبنان، رفض رحيل جيش فرنسا وطالب ببقاء انتدابها على لبنان.
ارتأى المسلمون عدم تعديل صلاحيات المفوّض السامي الفرنسي لدى نقلها إلى الرئيس بشارة الخوري حتى لا يكون ضعيفاً وكي يطمئن المسيحيون. وكان المنطق أنه إذا منح المسلمون رئيس الجمهورية صلاحيات مقيدة فسترتفع نسبة المسيحيين المتوجّسين من رحيل «الأم الحنون». وهكذا مُنح الرئيس صلاحيات مطلقة مقابل زوال الانتداب الفرنسي.


منذ 1976 باتت سوريا
هي اللاعب الأكبر في
صناعة الرئيس


لقد غض المسلمون النظر عن صلاحيات الرئيس الفضفاضة لأنهم راهنوا على التبدل الديموغرافي لمصلحتهم والذي توقّعوه ابتداء من 1932، وأن موقع لبنان في قلب العالم العربي الإسلامي الذي يحيط به من كل جانب سيضعف الرئيس المسيحي من دون أدنى شك. فكانت الأولوية يومذاك هي لخروج فرنسا لأنّه بعد استقلال لبنان سيكون جيشها على بعد آلاف الكيلومترات وستنسى مع الوقت مستعمراتها في المشرق.

كيف أبطل المسلمون صلاحيات الرئيس الماروني

والحقيقة التاريخية أنّ المسلمين عملياً لم يسلّموا بصلاحيات الرئيس الماروني لتنظّم الحياة السياسية في البلاد، بل قاوموا استعمالها بصمت وحزم أو بالحرب المفتوحة ضد الرئيس. ولقد أدرك الرؤساء الموارنة المتعاقبون هذا الأمر وأيقنوا أن تفعيل الصلاحيات الواسعة اقتصر على التهويل بها أكثر مما هي للتطبيق، ولإشعار المسيحيين بالاطمئنان النفسي أكثر مما هي لتثبيت سلطتهم في البلاد. لذلك أحجم الرؤساء عن استخدامها حتى لو لم تكن للمسلمين قدرة دستورية على تعطيلها، لأن قدرة التعطيل لدى هؤلاء كانت ولا تزال حتى اليوم كامنة في المعطيين الجيوسياسي والاجتماعي المتحكّمين بلبنان. وفي المرات القليلة التي استخدم الرئيس الماروني صلاحياته، لم يكن في وارد تحدي الإرادة الإسلامية العامة بل انسجاماً معها. وكلمّا مارس رئيس الجمهورية صلاحياته بشكل تناقض مع الاتجاه الإسلامي العام في لبنان، كانت النتيجة المطالبة بنزع هذه الصلاحيات.
كيف انهارت الصلاحيات من بشارة الخوري إلى أمين الجميل
عندما حلّ رئيس الجمهورية بشارة الخوري مجلس النواب عام 1947، كانت الغالبية الإسلامية متحمّسة لإنهاء ولاية رئيس المجلس حبيب أبي شهلا، ولم يعترض أحد. وعندما حلّ الرئيس فؤاد شهاب البرلمان عام 1960، فأنهى المجلس المنتخب عام 1957 والذي «دوزنه» الرئيس كميل شمعون نكاية بالزعماء المسلمين ليُسقط الزعماء السنّة والدروز. ولكن عندما كلّف رئيس الجمهورية شارل حلو عبد الله اليافي تشكيل الحكومة على رغم أن 42 نائباً سموا رشيد كرامي، اعترض كرامي على تصرّف حلو وبدأ معركة انتهت بجعل استشارات تسمية رئيس الحكومة السني ملزمة على الرئيس الماروني. فنزع عملياً صلاحية رئيس الجمهورية تسمية رئيس الحكومة منفرداً.
وعام 1969 اعتكف رشيد كرامي ستة أشهر من دون أن يتمكّن شارل حلو من استعمال صلاحياته واستبداله بسني آخر. وعام 1978، رفض سليم الحص الاستقالة ولم يستعمل الياس سركيس صلاحيته الدستورية لإقالته.
وعدم القدرة على ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية كانت أيضاً سبب احجام فؤاد شهاب عن خوض الانتخابات الرئاسية عام 1970 لأنه فهم اللعبة.
المرّات التي طالب فيها المسلمون بالمشاركة في القرار الرئاسي أو بتخفيض صلاحيات رئيس الجمهورية كانت في غالبها مرتبطة بسياسة رئيس الجمهورية الخارجية وبخاصة حول فلسطين والعلاقات مع الغرب أو وقوفه إلى جانب دول العربية الموالية لأميركا. ذلك أن مسلمي لبنان وحتى أوائل السبعينيات كانوا بمعظمهم على النهج العروبي ولم يكونوا قد دخلوا بعد الحظيرة النفطية.
لقد برز نزاع بين الزعماء المسلمين والرئيس كميل شمعون لوقوفه مع الغرب ضد جمال عبدالناصر وسوريا عام 1956. حتى اشتعلت حرب في لبنان عام 1958. في حين كان ثمّة تقارب إسلامي مع فؤاد شهاب في الستينيات وارتضى المسلمون بممارسته لصلاحياته وقمعه لمخيمات الفلسطينيين لأنّ سياسته كانت عربية وقريب من عبد الناصر. ولكن الرئيس شارل حلو، الذي بدأ شهابياً، اجتذبه الحلف الثلاثي الماروني الذي تدعمه الرجعية العربية والغرب بعد هزيمة عبد الناصر عام 1967، فتضاءلت قدرته على ضبط الشارع الإسلامي المتحمس للقضية الفلسطينية. فتحوّل حلو من حَكَم إلى مدير أزمات وأصبح كل رئيس ماروني جاء من بعده أضعف من الذي سبقه. وحاول الرئيس سليمان فرنجية أن يتصدى للأزمة اللبنانية عام 1973، فانفجرت الحرب في وجهه وتهمّش موقعه كرئيس وفر من القصر الجمهوري. وإذ وجد فرنجية صعوبة في تدويل الأزمة، عاد إلى سوريا طالباً مؤازرة جيشها بعدما حاز موافقة الفاعليات المسيحية. أما الرئيس الياس سركيس الذي جاء بعده فقد كان خيال صحراء أمام دمار لبنان. حتى أنه ساعد قائد «القوات اللبنانية» بشير الجميل، العدو الأول للمسلمين آنذاك، في الوصول إلى موقع رئاسة الجمهورية يوم غزت اسرائيل لبنان في نهاية عهده عام 1982.
وبعد مقتل الرئيس المنتخب بشير، حاول شقيقه الرئيس أمين الجميل ممارسة السلطة مستنداً إلى تأييد مسيحي ودعم سعودي وأميركي. ولكن حرب لبنان تواصلت والاقتصاد انهار وناصبه الشارع المسيحي العداء. فخسر دوره كرئيس خصوصاً بعد حرب الجبل وانتفاضة 6 شباط 1984، وفشل مؤتمري لوزان وجنيف وخلوات بكفيا واشتعال الانتفاضات المسيحية ضده. فانكفأ الدور المسيحي في عهده إلى حدوده الدنيا.
ومنذ 1976 باتت سورية هي اللاعب الأكبر في صناعة الرئيس. فهي لم تقلّص من صلاحيات رئيس الجمهورية في المشاريع الإصلاحية التي أشرفت عليها لأن سليمان فرنجية كان حليفها. ثم انقلب الوضع عام 1978 بعدما فتح بشير الجميل الحرب على جيشها في لبنان وبعد طلاقها مع الرئيس الياس سركيس الذي وقف إلى جانب بشير. وقبل ذلك الصراع لم يرقَ أي من الوثائق الدستورية إلى مستوى نزع صلاحيات رئيس الجمهورية، ثم أخذ الوزير السوري الذي تسلم ملف لبنان عبد الحليم خدّام يهاجم صلاحيات الرئيس الماروني في عهدي سركيس والجميّل، ويقول إنّ «لا حكماً ديمقراطياً في لبنان. صلاحيات رئيس الجمهورية تجعل الحكم كلّه في يده، ورئيس الحكومة بالنسبة إليه صفر. يستطيع رئيس الجمهورية أن يؤثّر في كل وزير كما يستطيع أن يمارس من السلطة ما لا يستهان به بمعزل عن الوزراء ومجلس الوزراء بفضل تحكّمه بقيادة الجيش ومديرية الأمن العام ومديرية المخابرات. وباختصار، المشكلة ناجمة عن وضع دستوري متخلّف... فألا يستحق هذا الدستور مراجعة؟»
استعمال أمين الجميل صلاحية تأخير أو عدم إصدار المراسيم كان القشة التي قصمت ظهر البعير. فقد جعل ذلك نفوذه كبيراً ومنفراً للمسلمين. وكان ذلك سبب اصرار النواب المسلمين في مؤتمر الطائف على تحديد صلاحيات الرئيس. فكان النواب الموارنة الذين شاركوا في الطائف يقولون لزملائهم المسلمين: «لا تفصّلوا الدستور على قياس تجربتكم مع أمين الجميل».
وكانت آخر محاولة لإحياء الدور المسيحي في لبنان هي «حرب التحرير» التي خاضها ميشال عون ولكن الزعماء المسيحيين تخلوا عنه وذهبوا إلى السعودية لتوقيع اتفاق الطائف. وحرم هذا الاتفاق المسيحيين موقعاً قوياً في المعادلة اللبنانية، وخسر عون حرب التحرير ضد قوات جعجع بعدما استجدى هذا الأخير بالرئيس الهرواي لضرب عون وهذا ما حصل في تشرين الأول 1990.
* أستاذ جامعي ــ كندا