إشكالية "الموقف من النظام"

القضية هنا ليست في الهوية الاجتماعية للمخطوفين وما إذا كانوا ينتمون إلى هذه البيئة أو تلك بل في التبنّي العادل لمظلوميتهم وعدم اعتماد معايير مزدوجة في إنصافهم، بحيث يصبح نقد السلطة التي اعتقلتهم أو خطفتهم هو الأساس وليس موقفهم السياسي من "النظام". هذا ليس واضحاً في الخطاب الحقوقي الذي تتبناه المعارضة، لا بل إنها تتبنى في كثير من الأحيان موقفاً معاكساً له تماماً، معتبرةً هذه البيئات التي "لا تقلّ مظلومية عن بيئاتها" امتداداً للنظام. وهنا أيضاً يقع هذا الخطاب في تناقض جديد، فالنظام بالنسبة إليه هو السلطة المركزية التي يجرى اختزال تعقيداتها بكلمتين: "نظام الأسد" في حين أنّ السلطات التي تقيمها "النصرة" أو "جيش الفتح" على أراضٍ مترامية من سوريا لا تعتبر بالنسبة إليه نظاماً، ولا تستدعي بالتالي موقفاً تجاه ممارساتها مثلما تستدعي ممارسات "النظام". ثمّة تمايز هنا يتعلق بالموقف من "داعش" ولكنه لا يرقى إلى اعتبارها سلطة، وعندما يحدث ربط بين ممارساتها وممارسات النظام لا يكون ذلك بغرض الانتصار للضحايا وانما لاثبات الصلة التي لا ينفكّ المعارضون يقيمونها بين النظام و"داعش". يحصل ذلك في ظلّ تجاهل متعمّد للتعقيدات التي تطرأ باستمرار على الواقع، وتجعل -بالضرورة- من أيّ موقف حقوقي (حتى لا نقول أخلاقي) تجاه سلطة بعينها موقفاً من مجموع السلطات التي تحكم الأراضي السورية. إذ بالإضافة إلى سلطة النظام التي لا تزال تخطف وتنهب وتعتقل هنالك باقي السلطات التي تتوزّع على مجمل مساحة سوريا (جيش الإسلام، النصرة، داعش، أحرار الشام، حركة المثنى، حركة نور الدين زنكي، لواء شهداء اليرموك، تجمع استقم كما أمرت... الخ) وتقيم عبر هذا الترابط غير المباشر نظاماً معيناً من الاستهداف المادي للسوريين. فمرّة تستهدفهم بالقصف الجوي كما يفعل "النظام" ومرّة أخرى بالخطف كما تفعل "داعش". وهكذا أيضاً تفعل باقي السلطات التي يسميها الخطاب الإعلامي الجبان والممالئ للخليج فصائل بينما هي في الحقيقة بنى سلطوية تقوم على سحق السوريين وإذلالهم بغضّ النظر عن هويتهم الاجتماعية أو انتمائهم السياسي.

النشطاء لا يُبدون
أيّ اهتمام بمواجهة
الشقّ المتعلّق
«بالفصائل المسلحة»


التمييز بين الضحايا

في المقابل لا يوجد في مواجهة هذا "النظام المترابط" ما يوازيه على مستوى المجابهة الحقوقية أو السياسية. فمن يسمّون أنفسهم نشطاء وأغلبهم ينتمون إلى الانحيازات التي عبّرت عنها "الثورة" في بداياتها لا يُبدون أيّ اهتمام بمواجهة الشقّ من النظام المتعلّق "بالفصائل المسلحة"، ويحصرون جهدهم في متابعة الانتهاكات التي تحصل في مناطق السلطة. وحتى إذا أبدَوا اهتماماً بضحايا "داعش" أو "النصرة" لا يكون هذا الاهتمام مركزياً بالنسبة إليهم، ويقع غالباً في موقع هامشيّ بالمقارنة مع ضحايا النظام الذين يستحوذون على جلّ اهتمامهم، ويحتكرون بالنسبة إلى هذا الفهم تعريف الضحية. هنا لا يقع فقط تمييز على مستوى التعامل مع ضحايا "النظام المترابط" الذي يحكمنا بل يتحدّد في ضوء ذلك أيضاً موقع الخطاب الحقوقي الذي يتبناه هذا "الخليط من اليساريين"، وما إذا كان تناقضه مع مجموع السلطات القائمة أم مع بعضها فقط. أكثر ما يوضح هذا الأمر هو التجاهل المتعمّد والوظيفي للضحايا حين لا يُقتلون على يد السلطة، والحالات هنا كثيرة ولا يمكن حصرها، وهي تُظهِر إلى أيّ حد بات الخطاب الحقوقي متناقضاً مع نفسه ومع الفهم المتعارف عليه لفكرة العدالة وعدم التمييز بين الضحايا. في معظم هذه الحالات وآخرها خَطفُ "داعش" لعمّال مصنع البادية للاسمنت يحصل التجاهل وفقاً للموقف المُسبق ليس فقط من النظام بل أيضاً من البيئة الاجتماعية القريبة منه، وهو غالباً ما يكون موقفاً طبقياً ومبنياً على اعتبار الفقراء أنفسهم درجات. بمعنى أنّ التمييز يكون في هذه الحالة بين فقراء وفقراء وليس فقط بين فقراء وأغنياء أو فقراء وطبقة وسطى، فحين يُقتل مهمّشون من بيئات المعارضة في الغارات الجوية للسلطة أو روسيا ينحاز هذا الخطاب لهم بينما يحصل العكس حينما يهجم "داعش" أو "النصرة" أو "جيش الإسلام" على البيئات الفقيرة المحسوبة على السلطة. هذه التراتبية في التعامل مع البيئات الاجتماعية التي تتعرّض للقتل أو التنكيل تنعكس على أداء الحقوقيين وتجعلهم في أفضل الأحوال طرفاً في المعركة القائمة. وحين يحدث ذلك فإنّ أكثر ما يتضرّر فضلاً عن الضحايا الذين يزدادون تشكّكاً بهذا الأداء مبدأ عدم التمييز، والذي لا يقوم أيّ خطاب حقوقي من دونه، وإذا قام فسيكون منحازاً بالضرورة، وغير عادل في إنصافه للضحايا.

خاتمة

مع الوقت أصبح هذا الانحياز بمثابة هويّة للخطاب الحقوقي الذي تتبنّاه المعارضة، ولم يعد كما كان مجرّد سوء تقدير أو خلط غير متعمّد بين النظام وبيئته. هذا أضفى عليه طابعاً مختلفاً وجعله جزءاً من المنظومة التي تُستخدَم لتحطيم البنية الاجتماعية السورية وحرمانها من العوامل التي تحفظ تماسكها، على الأقلّ فيما يتعلّق بالموقف المتساوي من الضحايا. وحين يكون في هذا الموقع فإنّ كلّ ما يصدر عنه من مواقف تجاه السلطة وجرائمها لا يمكن أخذه على محمل الجدّ. بالإمكان التعامل معه كمعطىً قائم ولكن ليس كمرجعية يجرى الاحتكام إليها لدى البتّ في قضايا الاعتقال والقتل والخطف. حالياً لا يوجد مرجعيات بهذا الشأن، وكلّ ما هو موجود يعكس مدى ارتباط هذه الجهة الحقوقية أو تلك بمجموع السلطات القائمة، والتي تتحكّم في النهاية بمصادر المعلومات وتُخضعها جميعاً للتدقيق. طبعاً، بعد ذلك يحصل الفرز، ويتقرّر أيّ المعطيات هو الذي يجب الإفصاح عنه وأيها يجب حجبه، والأهم من هذا وذاك في أيّ سياق يجب فعل ذلك، وفي مواجهة أيّ خصم- سلطة بالتحديد؟
في هذه الأثناء تضيع الحقيقة ومعها مبدأ عدم التمييز بين الضحايا، ويصبح العثور عليها رهناً بالخلاص من صراع المجموعات التي تحكُم سوريا وتتلطّى خلف "الخطاب الحقوقي" الذي يخفي جرائِمها لُيظهِر جرائم سواها.

* كاتب سوري